لا تقبل إلا بما تريده بالضبط.. كيف تعالج نفسك من المثالية المفرطة؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/11/05 الساعة 14:55 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/11/05 الساعة 14:55 بتوقيت غرينتش
المثالية المفرطة (صورة تعبيرية)/ Istock

بين ملايين البشر، تعيش فئة تعاني وحدها من ألم يختلف عن غيره من الآلام وهو "المثالية الزائدة أو المثالية المفرطة"، فخ الكمال المغري، ويتساءلون عن ماهيته وأسبابه؟ هل من حقهم الشعور بذلك الألم؟ هل يشعر بهم غيرهم؟  هل يدرك المقربون منهم احتياجاتهم؟ كيف يلبون مطالبهم؟ كيف تؤثر بالسلب على حياتنا؟ وكيف يمكن التخلص منها وعلاجها ووضعها في الطريق القويم؟

ما هي المثالية المفرطة؟

المثالية المفرطة أو الزائدة عُرفت بمرض الناجحين، لأنها دائماً ما تلازمهم، فهي السعي الزائد والحثيث نحو الكمال بهدف التخلص من العيوب والأخطاء، والتوقعات العالية الجامدة التي يرسمها الإنسان خلال تعامله مع ذاته وغيره، وتحدث فجوة بين إمكانات الشخص والواقع الفعلي، مما يؤدى لحدوث اضطراب نفسي يجعل المرء في حالة سلبية ويشعر بعدم قدرته على الوفاء بتلك التوقعات، ويستسلم للتسويف أو الضغط على نفسه بما لا يحتمل.

لماذا المثالية قد تتنافى مع الواقعية؟

لأن هدفها العصمة من الخطأ والعيب وكل نقص وقصور، وهو ما يتنافى مع طبيعة البشر وهدف وجودهم، مع اختلاف معايير المثالية من شخص لآخر، فهي ليست مؤشراً على الكمال في العملية الإبداعية.

ونقول مثالية مفرطة وزائدة، لأنها تتجاوز الحد الطبيعي المعقول والمطلوب، وتتطلب المزيد والمتجاوز للحد من كل شيء، مما يؤثر بالسلب على صاحبه، ويفضي به إلى أمراض واضطرابات نفسية كالقلق والاكتئاب.

المثالية
المثالية المفرطة قد تسبب تفكيراً مفرطاً يودي بصاحبه إلى حالة مزعجة لنفسه أولاً/ Istock

أسباب المثالية المفرطة

الشعور بالمثالية الزائدة حق طبيعي لكل إنسان، لكن عليك أولاً أن تفهم أسبابه كي تعرف كيف تعالجه، وإليك جملة من الأسباب:

التربية

يُربِّي بعض الأهل أطفالهم على المثالية المفرطة من خلال زرع القيم والأخلاق بطريقة مبالغ فيها، دون إيصال فكرة شاملة عن وضع المجتمع ككل بما فيه من مستويات وعي وأخلاق مختلفة، ودون التحضير النفسي للأمور المخالفة للأخلاق التي قد يتعرضون لها في المجتمع، مما يُحدث صدمة نفسية لاحقاً لهم.

وقد يربى الأهل الطفل على المقارنة بينه وبين غيره، مما يضعف ثقته بذاته "لماذا لم تحصل على الدرجة النهائية مثل فلان؟ لماذا أنت مختلف عن زملائك؟ لماذا تبكي سريعاً غير بقية إخوتك؟"، فالمقارنة صفة سلبية تصيب الطفل بتدني مفهوم الذات ونقص الثقة بذاته ويشعر بعدم الأمان وأن أهم الناس في حياته، وهم أهله، غير متقبلين له بما هو عليه من صفات، غير فخورين به. وبالتالي يحتاج لبذل جهد لكي يستطيع أن ينال إعجابهم.

وقد يربي بعض الأهل أطفالهم على التفكير السلبي، فيركزون دائماً على نواقص الأمور، "لماذا لم تحصل على علامة تامة في كل المواد؟ لماذا حصلت على المركز الثاني وليس الأول؟" وهكذا، مما يصيبه بهوس الكمال إضافة إلى أنه سيستمد ثقته بنفسه من الآخرين ولذلك يسعى لرضاهم على حساب نفسه، ولا يسعد إلا بحصوله على علامة تامة والوصول للنتيجة المطلوبة، وإلا فهو إنسان تعيس يشعر بالفشل، وهذا أمر خطير جداً يجب الانتباه له منذ الصغر؛ حتى نتجنب كثيراً من المشاكل النفسية في الكبر.

 التشوُّه الفكري

يرفض المثالي الوقوع في الخطأ ويعتقد أنه معصوم تماماً منه، مما يجعله يدمن التفكير والتخطيط قبل القيام بأيَّة خطوة ويميل إلى التسويف والتأجيل، أو إلى القيام بالأمر بجودة منخفضة؛ وذلك لأنَّه استهلك كامل طاقته وتفكيره، ولا يعترف بفكرة "التدرج" في الحياة، ويتعلق بالنتيجة فحسب، دون أن يولي اهتماماً للخطوات الصغيرة التي ترسم طريق النجاح.

الأنا العالية "High EGO"

غير مرن ولا يتقبل فكرة السعي وفق الإمكانات المتاحة ومن ثم تسليم النتائج إلى الله، يعتقد دائماً أن عليه القيام بالأمور على أكمل وجه، ويكتئب في حال عدم وصوله إلى النتائج كما هو مخطط لها، أي إنه يرى ذاته هو المسؤول مسؤولية مطلقة عن حياته، فيعيش حالة من التوتر الدائم، ويشعر أن أي تعثر هو طعن في "الأنا العالية" الخاصة به..

المعايير والتوقعات العالية

يُقيِّد ذاته بكمّ هائل من المعايير الصارمة والتوقعات العالية، ينظر إلى الحياة على أنَّها أبيض أو أسود، ولا يعترف بوجود المنطقة الرمادية على الإطلاق، ويُسقِط هذه المعايير على علاقته مع المجتمع، فيميل إلى قطع علاقته بالأشخاص الذين لا يتوافقون معه، مما يعرّضه لكثير من الخسارة والمشكلات، ويمنح الأولوية القصوى لأهدافه وعمله، فلا يستطيع أن يحيد عنها قيد أنملة، ويكتئب بشدة في حال عدم تنفيذه الحرفي لهذه الأجندة، أي إنَّه لا يتمتع بالمرونة على الإطلاق.

الخوف

حين يكتسب الباحث عن المثالية المفرطة قيمته من نظرة الآخرين له، فيجعلهم أولى أولوياته، فيَعتاد أن يكبت مشاعره وأن يهتم بالآخر على حساب ذاته، وينصدم تماماً في حال عدم تلقيه المعاملة ذاتها من الآخر، يسعى بعضهم أحياناً إلى النجاح ليس حباً بالتطور والارتقاء وطلباً للمتعة والسعادة؛ وإنَّما هرباً وخوفاً من الفشل، الأمر الذي يُبقِيهم في حالة من التوتر والقلق، حيث يشعر بأنَّ الطريق للنجاح مليء بالأعباء والعراقيل، فهو يفشل في رؤية المشكلات التي تعترضه على أنَّها تحديات.

المثالية
الخوف من عدم تحقيق المثالية/ Istock

 الآثار السلبية للمثالية المفرطة على حياتنا؟

  • التعرض لنوبات قلق واكتئاب بشكل دائم.
  • التسليم للتسويف والتأجيل، أو وضع نفسه تحت ضغط نفسي وتحميلها ما لا تطيق.
  • السعي للنجاح مع التركيز على تجنب الفشل، مما يؤثر سلبياً على حياته.
  • إنفاق كثير من الوقت والجهد في الطموحات المستحيلة.
  • يقيس قيمته الذاتية من خلال إنجازاته وآراء الناس فيه.
  • جلد الذات بشكل حاد عندما لا يحقق أهدافه أو يعجز عن تحقيق تلك الطموحات المستحيلة.
  • انخفاض الإنتاجية، الإجهاد، العلاقات المضطربة.
  • التأثير سلباً على الصحة الجسدية والنفسية معاً، فيمكن ربطها بالصداع النصفي، القلق، الاكتئاب، اضطرابات في الشخصية والنوم والأكل، والمشكلات الصحية.
  • تؤثر في التفكير الابتكاري، حيث تدفع الإنسان إلى التأجيل دوماً، لأنه مهما أنجز يشعر بأن ذلك غير كافٍ، فتتميز بالطبيعة المثبطة.
  • الجدية والصرامة الزائدة في التعامل مع أمور الحياة، فلا مجال للعفوية والخطأ، مما يؤدي إلى فقد مفهوم الاستمتاع بالحياة.
  • يعاني من أرق دائم، تفكير سلبي، قلق مستمر.
  • فقد الشغف والحماسة تجاه الأهداف التي يود تحقيقها.
  • تضخيم العراقيل التي تواجهه، مما يمنعه من الاستمرار في العمل؛ لعدم توافقه مع توقعاته العالية، إضافة إلى صدمته الكبيرة بخفايا الطريق.

أبرز صفات المصابين بالمثالية الزائدة

  • جلد الذات بشكل مفرط والتفكير في أدق التفاصيل.
  • لا يعبر عن إرادته؛ خوفاً من غضب الآخرين.
  • يخشى الخطأ، خوف دائم، انعدام ثقة بالنفس.
  • لم يتعلم قول لا، دائماً يقول نعم على حساب نفسه.
  • يظنه الناس معقداً نفسياً أو مضطرباً بشكل دائم.
  • كبت وانغلاق وخجل، ويخشى أن تهتز صورته أمام الناس.
  • يشعر بالحواجز النفسية وعدم الأمان تجاه أقرب الناس له، وأنه غير كافٍ مهما فعل وعليه بذل جهد لرضاهم.
  • عدم الرضا عن ذاته وأدنى مفهوم الذات لديه وتقديرها.
  • تقلب مزاجي حاد.
  • تذبذب في مستوى الأداء العملي أو الأكاديمي.
  • تشتت وضعف تركيز أحياناً.
  • تفكير زائد والاستغراق في أحلام اليقظة.
المثالية المفرطة
الباحثون عن المثالية المفرطة يعانون في حياتهم حتى التعافي منها/ Istock

كيف تعالج نفسك من المثالية المفرطة؟

  • اخفض سقف توقعاتك، هذا أول حل لتأتي النتائج مناسبة للواقع.
  • خصِّص وقتاً بشكل يومي/ أسبوعي/ شهري/ سنوي للتفكر فيما مر من تصرفات وأحداث حدثت معك وكيف يمكن أداؤها بشكل أفضل في المرة القادمة، فهذا من شأنه أن يساعدك في تعديل سلوكك للأفضل.
  • "السعادة في الطريق فاستمتع بالرحلة"؛ تعتبر هذه وصفة النجاح، درب نفسك على الاستمتاع بكل خطوة في الطريق، كافئ نفسك حين تحسن، قوّمها حين تخطئ، النجاح في كل خطوة وسعي ليس بالنتيجة فقط، مع وضعها في الحسبان بالطبع.
  • التعلم من الأخطاء أفضل استراتيجيات التعلم على الإطلاق، أعطِ نفسك وقتاً لمعرفة أخطائك، ولماذا فعلتها، وكيف يمكن أن تعتبر منها، وسجِّل ما أفادك وما لم يناسبك؛ حتى لا تنسى وتطبقه بشكل أسرع في المرة القادمة وحتى يكون ذلك مرجعاً لك وقت الإحباط يذكرك بنفسك.
  • أُعطيك سراً؟ (تلك الاستراتيجية أفادتني بشكل شخصي)، لكن سأشاركك -عزيزي القارئ- هذا السر.
  • انشر مثلاً كتابات أو رسمات غير مكتملة لك، أو أعمالاً تتعلق بمجال عملك وتحسنها لكنك تريد المثالية فيها، انشرها، وذلك لكسر السعي وراء المثالية الزائدة، ستدرك أن الآخرين لا يرون العمل غير مكتمل، وإنما يحبون ما تفعل في أغلب الأحيان، وقد ينبهرون به، ستعرف حينها أن معاييرك أعلى من جمهورك، وأن سعيك للكمال متعلق بمخاوفك بقدر ما هو متعلق بجودة العمل.
  • اسعَ نحو الفشل! أو الرفض! لتتعلم ألا تخاف منهما، وأن لكل شخص تلك المخاوف بقدر ما، وبمجرد حدوثه ستتغير طريقة تفكيرك وستكسر هالة شبح الخوف المسيطر عليك من قبل، ستتعلم كيف تقود مخاوفك، وحين تفشل أو تسقط فإن هذه ليست نهاية العالم.
  • حدد وقتاً والتزم به للقيام بعمل ما، درب نفسك على العمل والالتزام به وتسليمه في وقته المحدد مهما كان، لتتعلم كيف تلتزم تجاه هدفك دون تسويف أو تأجيل، ولعل تعديل المهلة الزمنية سيساعدك على تطوير تلك العادة الجميلة لديك، ولتعرف أن بعض الأمور أيضاً يمكنها أن تتحقق بمثالية، لا بأس.
  • ضع لنفسك درجة إنجاز مستهدفة، ولكل درجةٍ خطوات ومراحل داخلها، ومارِس التحسن حتى تجيده.
  • ثق بذاتك وتأكَّد أنه لا يوجد إنسان يثق بذاته طوال الوقت، نتعثر لنتعلم ونعرف كيف نقف من جديد، هذه هي الحياة.
  • لا يوجد إنسان ناجح وُلد ناجحاً، الجميع له بداية أسوأ مما تتخيل، فتقبَّل بشريتك، واسعَ دوماً دون جلد الذات، ستصل حتماً، وراجِع مسيرة شخص تحبه، ستدرك كم خطأً فعله ليصبح ما هو عليه. وستشعر بالمشاركة الوجدانية وسيقل شعورك بالضغط كثيراً.
  • جاهد لامتلاك مفاتيح القوة الثلاثة للناجحين وهي؛ (التفكير- العمل- التصميم).
  • غيِّر أفكارك تتغير حياتك، فالشخصية والمكانة في الحياة تتشكلان من خلال تفكيرنا، والعمل أنك ستصبح ما تفكر به باستمرار حيال نفسك، فكن إيجابياً في تفكيرك، وتعلَّم استراتيجيات التفكير وطبِّقها.
  • اعرف قدر ذاتك، أعطِها حقها وقدرها، وانأَ بها عن رخيص القدر.
  • عندما تتعرض لموقف ما، ابحث عن البدائل التي يمكن الاختيار من بينها بما يناسب ذلك الموقف، الاستسلام والاكتئاب ليسا أولها بالتأكيد، بل ليسا حلاً على الإطلاق.

في النهاية، التعافي من المثالية ليس وصفة بقدر ما هو رحلة، وأزيدك سراً بأنه "رحلة متعبة ممتعة"، ستكتشف فيها ذاتك وتعترض مكنوناتك، ستنهار وستنهض عشرات المرات ربما، حتى تبني ذاتك وتتعلم كيف تثق بها، وتعيش بعفوية وحب مع من يحبك ومن لا يحبك، ستصبح نسخة غير متوقعة منك لكنها جميلة ومرنة، واعلم أن استمرارك في السعي للشفاء.. شفاء.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

آلاء مهدي
مدونة مصرية، وتربوية متخصصة فى الموهبة وصعوبات التعلم
حاصلة على بكالوريوس العلوم فى التربية الخاصة، كلية التربية الخاصة، جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، باحثة ماجستير صعوبات التعلم بكلية علوم الإعاقة والتأهيل، جامعة الزقازيق
تحميل المزيد