“أنهيتُ حسائي، وطلبتُ سيارة أجرة، ثم ذهبت لأقتل بابتشينكو”.. خفايا جريمة القتل المزورة التي هزت العالم مرتين

عربي بوست
تم النشر: 2018/07/27 الساعة 05:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/07/27 الساعة 05:15 بتوقيت غرينتش

في نهاية شهر مايو/أيار عام 2018، هزت أخبار مقتل الصحافي الروسي أركادي بابتشينكو أركان العالم كله.

كان الرجل يعارض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ ولم تكن مفاجأةً كبيرة حينما عُثر على جثته ملقاةً على وجهها غارقةً في الدماء في كييف عاصمة أوكرانيا.

وفي خلال ساعات كانت قضية بابتشينكو في مجلس الأمن،وموضوعا لبيانات إدانة من عدة دول.

وبعد مرور عشرين ساعة على "مقتله"، ظهر أركادي بابتشينكو في مؤتمرٍ صحافي. كان مجهداً، ويتحدث بنبرةٍ اعتذارية.

كان على قيد الحياة!

دبَّر جهاز الأمن الأوكراني عملية القتل الزائفة بأكملها كجزءٍ من محاولة مثيرة للجدل بشدة لفضح ما يصفه بالدور الروسي في عمليات الاغتيال السياسية.

في هذا أكثر رواية مكتملة عن تلك العملية، وسبب تنفيذها، جمعها جوناه فيشر مراسل هيئة الإذاعة البريطانية BBC.

القاتل المأجور: كان راهباً أرثوذكسياً مولعا بالرماية

في أوائل شهر أبريل/نيسان 2018، تلقى أوليكسي تسيمباليوك Oleksiy Tsymbaliuk اتصالاً يعرض عليه المال مقابل اغتيال المعارض الروسي مقابل أموال.

من خلال تصفحٍ سريع للصور الموجودة على حساب تسيمباليوك على فيسبوك، نعرف ما يكفي عن حياته التي عاشها كما يجب حتى الآن.

هناك صور له وهو يرتدي أردية ذهبية فضفاضة حينما كان راهبا، يظهر في بعض الصور الأخرى وهو يرتدي ملابس عسكرية ويحمل بنادق، وذلك حينما كان متطوعاً في جماعاتٍ يمينية في أوكرانيا الشرقية التي أهلكتها الحرب. وعلى مدار السنوات الأربع الماضية كان المتطوعون والجيش النظامي يقاتلون مجموعةً من المتمردين المدعومة من روسيا.

أوليكسي تسيمباليوك
أوليكسي تسيمباليوك

وكان الاتصال من شخصٍ عرفه قديماً في أوكرانيا الشرقية، وهو صانع أسلحة يدعى بوريس هيرمان.

قال تسيمباليوك: "طلب منّي هيرمان قتل بعض الأشخاص معظمهم من الروس. وأخبرني أنَّهم يعملون ضد أوكرانيا، وأنَّهم أعداؤنا ويجب تصفيتهم، وقد جمعت مجموعة من الأشخاص ميزانيةً لتنفيذ تلك العملية".

وأضاف هو يضحك: "وأنا وافقت بالطبع".

وسرعان ما تواصل تسيمباليوك مع جهاز الأمن الأوكراني.

بوريس هيرمان - الوسيط المزعوم
بوريس هيرمان - الوسيط المزعوم

الدفعة الأولى: الكاميرا السرية تتابع سيارة أمام المول

ومنذ تلك اللحظة وتسيبماليوك يسجل كل تعاملاته مع هيرمان.

الصورة الأولى بالكاميرا الخفية سجلت استلام الدفعة الأولى داخل سيارة خارج مركز للتسوق.

يقول تسيمباليوك والابتسامة على وجهه: "حددتُ السعر 30 ألف دولار، لكنَّ هيرمان قال إنَّه سيضيف 10 آلاف دولار مقابل ثمن الجعة". وهو تعبير يعني "البقشيش".

في الفيديو، المنشور علنا فيما بعد، يمكن سماع أصوات الرجلين يتناقشان حول كيفية عدّ الأموال.

بعد سداد الدفعة الأولى، قرر جهاز الأمن أنَّه حان الوقت للتواصل مع الهدف، أركادي بابتشينكو، والبدء في وضع خطة لتنفيذ عملية القتل الزائفة.

قال هريتساك رئيس جهاز الأمن إن "الهدف كان الحصول على قائمة الأهداف التي نعلم أنَّها موجودة. كذلك كان علينا أن نعرف المزيد حول المتورطين في الإعداد لتلك الجريمة الشنيعة ومن أُسندت إليهم مهمة تنفيذها".

هريتساك - رئيس جهاز الأمن
هريتساك - رئيس جهاز الأمن

الهدف: جندي روسي تحول إلى صحفي يندد بديكتاتورية بوتين

في قاعة صامتة بجهاز الأمن كان المعارض الروسي يستمع إلى تسجيلات المحادثات، ويشاهد الوثائق التي تخطط لاغتياله.

كان أركادي بابتشينكو Arkady Babchenko جندياً في الجيش الروسي في التسعينيات، ثم حارب في الشيشان وأصبح مراسلاً حربياً في جورجيا، وبعد ذلك أوكرانيا.

بعدما رأي بعينيه تورط روسيا في أوكرانيا الشرقية وعملية ضم شبه جزيرة القرم غير الشرعية، أصبح أكثر حدة في تغطيته وانتقاده للرئيس فلاديمير بوتين.

قال بابتشنكو لـ BBC إن بوتين "مُغتصب، دكتاتور صغير يعيش في عالمه الخاص بالكامل، إنَّه يريد أن يصبح مثل نابليون ويسيطر على جميع الأراضي الروسية".

في  2017 بدأ يتلقى تهديداتٍ بالقتل، فهرب مع عائلته من روسيا إلى التشيك، ثم إسرائيل، ووصل في نهاية المطاف إلى أوكرانيا.

وهناك وجد صديقاً قديماً له من موسكو منفياً كذلك، وهو أيدر موزدابييف، وعرض عليه وظيفة تقديم برنامج على قناة ATR التابعة لتلفاز جزيرة القرم.

الصحفي باتشينكو
الصحفي باتشينكو

الخطة: سنقبض على هؤلاء المجرمين

في وقتٍ متأخر من إحدى الليالي في أوائل شهر مايو/أيار، عاد بابتشينكو إلى زوجته أولغا في منزله بعدما أطلعه عملاء الجهاز على المؤامرة.

وعلى الفور توجه إلى الثلاجة وصب لها شراباً قوياً.

تتذكر أولغا، "قبل أن أشرب التفت إليه قائلةً: ما الذي حدث؟ أخبرني".

وشرح لها زوجهابأسلوبٍ سلس التهديد الموجه ضده، وخطة الجهاز لتزييف مقتله.

تتذكر أولغا، "أردتُ أن أهرب أو أختبئ، أو آخذ زوجي وابني وأهرب بهما بعيداً. لم أكن أعلم إلى أين، ربما إلى جزيرةٍ صحراوية".

سألته: ماذا سنفعل؟

فأجاب دون تردد أنَّه اتخذ قراره: سنقبض على هؤلاء المجرمين.

على مدار الأسابيع القليلة التالية، حاول بابتشينكو عدم جذب الانتباه بينما تُعد عملية القتل الزائفة. وفي مرحلةٍ ما، كان عليه أن يتظاهر بأنَّه أصيب في ساقه لتبرير مكوثه داخل شقته.

وفي 29 مايو/أيّار، جاءت إشارة البدء بتنفيذ العملية الخاصة.

الاغتيال المزيف: رجل غارق في دمائه بماكياج رائع

يبتسم القاتل المأجور المزور أوليكسي تسيمباليوك وهو يحكي لـ BBC، "كان كل شيء بسيطاً حقاً، لم تكن هناك لحظات مميزة يمكنني إخبارك بها. أنهيتُ حسائي، وطلبتُ سيارة أجرة، ثم ذهبت لأقتل بابتشينكو".

وكان بابتشينكو يتأهب لدور القتيل: "جعلنا شخصاً مختصّاً بالمكياج يرسم ظلالاً على وجهي، كما لو كنتُ قد فقدتُ دماً كثيراً. لُطِّخَت شفتاي. ثم صبُّوا دماء خنزيرٍ في فمي. بعد ذلك، مثَّلتُ كما لو كنتُ قد أصبت بطلقٍ ناري، جثوتُ على ركبتي وسعلتُ قليلاً حتى تتناثر بقعٌ من الدم. وضع المختصّ بالمكياج جلطةً دموية في أنفي وهو يقول لي إنَّه آسف لكنَّه مضطرٌ لهذا. قلت له باشر ما بدأت، إنَّ هذا عملك. هذه وظيفتك أنت، أما وظيفتي فهي أن أستلقي هنا".

زوجته أولغا بابتشينكو كانت تحاول إظهار الهدوء. "كان دوري يقتصر على عدم التدخُّل في ما يحدث والتركيز على نفسي بقدر الإمكان والتصرُّف بالطريقة الصحيحة. كُنت أفكِّر كيف يجدُر بي التصرُّف حتى يبدو الأمر طبيعياً قدر الإمكان".

الآن وصل القاتل المأجور إلى بيت الهدف، فماذا رأي؟

يقول أوليكسي تسيمباليوك: عندما فتحتُ الباب رأيتُ رجلاً غارقاً في دمه. بدا كل شيء حقيقياً جداً. قام مختصُّو المكياج بعملٍ رائع. للحظة فكَّرت: إن كان هذا حقيقياً سيكون حادثةً مروِّعة، تمنيت له أن يعيش بصحةٍ جيدة".

ورد عليه بابتشينكو قائلاً: لا تجعلني أضحك لأنِّي قد قُتِلت الآن. سيتشقَّق الدم الذي جفَّ إن ضحكت".

الصحفي باتشينكو
الصحفي باتشينكو

غادر تسيمباليوك الشقَّة بعد إنجاز مهمته الدامية المزورة.

واتَّصلت أولغا بالشرطة والإسعاف.

جاءوا، ونقلوا جثة بابتشينكو بعيداً، تاركين أصدقاءه المقرَّبين ينعون وفاته.

وكان أولهم صديقه موزدابييف. بكى كطفلٍ قُتلَت أمُّه أمام عينيه. تتذكر أولغا: لم أرَ رجلاً يبكي بهذا القدر من قبل. كان يعوي. أردتُ أن أخبرهم بكل شيء. لكن لم يكن بإمكاني أن أفعل ذلك. كان هذا الجزء الأصعب من العملية بأكملها.

تظاهر المسعفون بأنَّهم يعالجون بابتشينكو خشية أن يكونوا تحت المراقبة.

ثم توقَّفت سيارة الإسعاف، وأُعلِنَت وفاة بابتشينكو، ثم أُخِذ إلى المشرحة.

سرعان ما أكَّد متحدثٌ باسم الشرطة تفاصيل "وفاة" بايتشينكو، وسُرِّبت للشبكات الاجتماعية صورةٌ له وهو مستلقٍ ووجهه لأسفل في بركةٍ من الدماء.

وخرج أيدر موزدابييف أمام شقَّة بابتشينكو ليُعلِم حَشد الصحافيين المتنامي بمستجدات الحادثة: إنَّها خسارةٌ فادحة لحقت بالصحافة؛ لأنَّه كان واحداً من قليلين كتبوا الحقيقة الكاملة عن روسيا، وكان هذا سبب مقتله.

المشرحة: انتصب بابتشينكو على طاولة المشرحة وعاد للحياة

كانت أغرب ساعتين أو ثلاث ساعاتٍ في حياة بابتشينكو: كنتُ جالساً في المشرحة ملتفَّا بملاءة كما لو كنتُ غاندي. كنتُ أدخِّن وأشاهد الأنباء التليفزيونية تتحدَّث عني وكم كنتُ رجلاً عظيماً. وفي الغرفة المجاورة، كان هناك متخصص بعلم الأمراض ينشُر جمجمة وهوَ يُجرِي تشريحاً لجثة.

وكانت أولغا في تِلك اللحظة كُنت أحسده؛ "لم يكن مضطراً للتحدُّث لأحد. ظننتُ أنَّه على الأرجح الآن في مكانٍ هادئ بينما كُنت أنا حبيسة هذا العذاب؛ لأنَّه في وقتها، كان كُل الاهتمام منصباً عليّ.

أولغا - زوجة الصحفي بابتشينكو
أولغا - زوجة الصحفي بابتشينكو

انتشرت أنباء موت بابتشينكو بسرعة.

في خلال ساعاتٍ ذُكِرَت الحادثة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نيويورك، وأصدرت دول، من بينها المملكة المتحدة، بياناتٍ عبَّرت فيها عن قلقها.

وذهب رئيس وزراء أوكرانيا فولوديمير غرويسمان لحدٍ أبعَد، إذ وجَّه اللوم لجيرانه الشرقيين في مَقتَل الصحافي.

وقال في منشورٍ عبر موقع فيسبوك: "أنا واثقٌ أنَّ الماكينة الروسية الاستبدادية لم تغفر له صدقه وموقفه الأخلاقي".

بعد العملية: أين نلتقي لتسليم باقي الثمن؟

في هذه الأثناء، كان "القاتل المأجور" تسيمباليوك يُعلِم هيرمان أنَّ المُهِّمة قد تمَّت بنجاح. أرسل تسمباليوك له رسالةً نصيِّة مستخدماً الاسم المستعار الذي اتفقا عليه للإشارة للصحافي الروسي.

ويقول: "كتبتُ له الآتي: (لقد تمَّ دهس الدودة). تفقَّد الأنباء".

وبعد عدة ساعات، ردَّ هيرمان على الرسالة قائلاً إنَّه قد شرب الكثير من الخَمر، وإنَّه كان يعاني من آثار الإفراط في الشُرب. لكنَّهما خططا لمقابلة أحدهما الآخر في اليوم التالي.

وقبل أن يحدث ذلك تدخَّلت الأجهزة الأمنية.

وقال فاسيل هريتساك، مدير جهاز الأمن الأوكراني: "كُنَّا قد خططنا للانتظار لوقتٍ أطول، لنسمح بالمزيد من التطوُّرات".

وعندما وردت معلوماتٌ بأنَّ هيرمان قد اشترى تذكرة طيرانٍ متجهة إلى إيطاليا، ظهر عملاء جهاز الأمن الأوكراني ليعتقلوه.

كانت اللعبة قد انتهت بالنسبة لهيرمان.

كشف اللعبة: القتيل في مؤتمر صحفي من مقر جهاز الأمن

في الساعة الخامسة مساءً يوم 30 مايو/أيار، ظهر بابتشينكو والإرهاق يبدو عليه أمام حشدٍ من الصحافيين في مقر جهاز الأمن الأوكراني.

على وقع شهقات الذهول القادمة من الحضور، شرح فاسيل هريتساك للصحافيين أنَّ الأمر كلَّه كان تمثيليةً.

وتقدَّم بابتشينكو، الذي كان منفعلاً وقتها؛ ليقول في الميكروفون إنَّه آسفٌ لتضليل العامة: لقد دفنتُ زملاءً لي. ودفنتُ أصدقاءً لي. أعرف الشعور الكريه الذي ينتابك حين تدفن شخصاً مقرباً. لكن لم تكن هناك طريقةٌ أخرى.

عرضَ مقطعٌ صوَّره هاتفٌ محمول من داخل المحطة التلفزيونية التي كان يعمل بها بابتشينكو زملاءه وهُم يهلِّلون ويحدِّقون فاغرين أفواههم أمام تغطية قناتهم للمؤتمر الصحافي. وقال مديره بالقناة أيدر موزدابييف: هرعتُ إلى خارج المبنى واستلقيت على العشب. بقيتُ في مكاني ذاك لمدةِ نحو ساعة ونصف أتأمَّل السماء. انتابني شعورٌ رائع.

واعتبر كثيرٌ من الأوكرانيين هذا الكَشف ببساطة "نصراً".

مدير القناة التلفزيونية- أيدر موزدابييف
مدير القناة التلفزيونية- أيدر موزدابييف

المناورة الأوكرانية: انتصار على روسيا أم حركة صبيانية؟

بالنسبة للبعض، خاصةً هؤلاء الذين يراقبون الوضع من خارج أوكرانيا، لم تكُن تِلك قصةً إخبارية جيِّدة.

إذ قال مايكل بوتشيوركيو، وهوَ محلِّلٌ للشؤون الدولية يركِّز على أوكرانيا: "أظن أنَّها كانت حركةً صبيانية. أظن أنها كانت كارثة لأوكرانيا وليس العكس".

وأضاف قائلاً: "بالنسبة للكثيرين، أظن أنَّ الأمر بدا كما لو كانت أوكرانيا تستعين بكُتَّيب القواعد الروسي بأن استخدمت أخباراً كاذبة لإقناع الناس بأمر ما".

إذن ماذا استفادت أوكرانيا من هذه الخطة؟ ولمَ كان عليها أن تصل لهذا الحد؟

قال فاسيل هريتساك مدافعاً عن المناورة الأوكرانية: "كانت الخطَّة ناجحة حتى وإن لم تُسفِر سوى عن إنقاذ حياة أركادي بابتشينكو".

وأضاف: "لكن بفضل هذه العملية حصلنا أيضاً على قائمة بها 47 شخصاً مستهدفاً، من صحافيين، ونشطاء سابقين وحاليين، ومواطنين في روسيا".

وقال أيضاً: "وحصلنا كذلك على معلوماتٍ عن نشاطات القوَّات الخاصة الروسية على أراضينا".

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني، فإنَّ تلك القائمة وُجِدَت على هاتف بوريس هيرمان عندما اعتقلوه في اليوم التالي لحادثة الاغتيال المزيَّفة.

ويقول جهاز الأمن الأوكراني إنَّ الطَرَف الذي يتواصل معه من روسيا أرسلها له فقط عندما تأكَّدت أنباء وفاة بابتشينكو، وبذلك يكون هذا مبرراً لعملية التزييف.

كان على رأس القائمة أيدر موزدابييف مدير بابتشينكو . وعليه قَبَل موزدابييف فوراً عرض الدولة الأوكرانية بتوفير حمايةٍ دائمة له.

لكنَّ غيرَه يسخرون من القائمة المزعومة؛ إذ يشيرون لحقيقة أنَّ عدداً لا بأس به من الواردة أسماؤهم على قائمة الاغتيالات هُم صحافيون أوكرانيون ذوو صلاتٍ طفيفة نسبياً بروسيا.

كانت سونيا كوشكين إحدى هؤلاء ممَّن رفضوا حماية الدولة.

لائحة الموت: إنهم يريدون أن نخاف فنصمت أو نرحل

تعتقد سونيا أنَّ قائمة الاغتيال ذات الـ47 اسماً مزيفة مثلها مثل جريمة القتل، وأنَّ 17 اسماً، ومن بينهم اسمها، قد أضافهم جهاز الأمن الأوكراني على الأسماء الـ30 التي لها صلاتٌ بروسيا.

وتقول سونيا: "كان الهدف الأساسي من اللائحة هوَ إخافتنا. لأنَّ الشخص يتغيَّر سلوكه عندما يكون خائفاً".

وأضافت: "إنَّهم متوترون. هُم لا يفكِّرون بأي مقابلةٍ يظهرون أو أي منشورٍ يكتبونه على موقع فيسبوك، هُم فقط يفكِّرون بالبقاء على قيد الحياة وبأمانهم الشخصي".

سألتها إذن ماذا يحدث بالضبط؟

أجابت: "أعتقد أنَّ هذه القصة لن تُفضي إلى شيء. إنَّها مجرَّد فرقعةٌ قوية لإخافة الناس".

وفي المقابل، يصر جهاز الأمن الأوكراني على أنَّ اللائحة التي نشرها هيَ الأصلية.

المحكمة: المتهم أيضا يقول إن العملية كانت تمثيلية

منذ بدء المحاكمة يولي الإعلام كامل الاهتمام الكامل للمتهم بوريس هيرمان، الوسيط المزعوم.

نظراً للتسجيلات والرسائل المُقدَّمة فإنَّ هيرمان لم يُنكِر التخطيط لمقتل الصحافي بالاشتراك مع تسيمباليوك أو مع بيفوفارنيك.

يقوم دفاع هيرمان على أنَّ الأمر كله كان تمثيلية، وأنَّه هوَ الآخر كان يعمل لصالح جهاز الأمن الأوكراني. ويقول هيرمان إنَّه اختار تسيمباليوك ليكون القاتِل المأجور القائم بالمهمة لأنَّه كان قساً، أي غير قادرٍ على القتل.

عندما ظهر هيرمان في المحكمة في كييف، سألته BBC عن أدلة نفيه الاتهام باعتزامه التحريض على قتل أركادي بابتشينكو.

ردَّ قائلاً: لأنِّي لستُ مغفلاً. لمَ أحتاج لفعل شيءٍ كهذا؟ في موقفي الحالي؟ أن أفعل شيئاً بهذه الحماقة؟ كانت مهمَّتي هيَ أن أحصل على القائمة المستهدفة بالاغتيال، ولكي أفعل ذلك كان عليَّ أن أجعل الأمر يبدو حقيقياً".

وحتى الآن، وبرغم طلب BBC مراراً منه ومن محاميه، فإنَّ هيرمان لم يقدِّم أي دليلٍ أكيد يُثبِت أنَّه كان يعمل لصالح جهاز الأمن الأوكراني.

رد فعل روسيا: لا أحد سيثق بأوكرانيا في المستقبل

تواصلت هيئة الإذاعة البريطانية BBC مع الحكومة الروسية لتحصل على ردّها على قضية بابتشينكو وكيفية تعامل أوكرانيا معها.

قالت ماريا زاخاروفا، المتحدِّثة باسم وزارة الخارجية الروسية: "كان انطباعي الأوَّل أنَّه أمرٌ ساحر، أمرٌ رائع، أنَّه ما زال حياً". قالت ذلك قبل أن تُوجِّه طعنتها الأولى.

أكملت: "لكن انتابني فوراً شعورٌ آخر… ما أعنيه هو المسؤولون الأوكرانيون ممَّن كانوا متورِّطين بهذا الأمر… هل كانوا يدركون ما يفعلونه؟ لأنَّ لا أحد سيثق بالأوكرانيين وبالحكومة الأوكرانية بعدها في أي نوعٍ من القضايا المستقبلية. وماذا عن المخاوفَ التي ستُراوِد بابتشينكو وغيره من المنشقِّين الروس، إنَّهم مستهدفون وهم في كييف؟".

وتابعت: "هذا أمرٌ شديد السُخف، وعبثيّ كلياً".

كذلك قالت: "دولة روسيا لا علاقة لها بأركادي بابتشينكو على الإطلاق. إنَّه رجلٌ حر في عالمٍ حر. يمكنه فِعل ما يشاء".

روسيا وأوكرانيا: وقائع حرب علنية ومستمرة

استقلت أوكرانيا عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لكن روسيا تعتبرها جزء من مجال تأثيرها. حافظت الدولتان على علاقات وثيقة، رغم دعض الخلافات أبرزها الترسانة النووية لأوكرانيا.

في 2014، نفذت روسيا عمليات عسكرية في الأراضي الأوكرانية، وبعد ضم روسيا القرم تحت سيادتها تصاعدت مظاهرات مؤيدة لروسيا من جماعات انفصالية في منطقة دونياس. وفي نهاية العام توغلت قوات ومعدات الروسية بكثافة في مناطق الانفصاليين في الشرق الأوكراني.
في أكتوبر 2015، قالت تقارير صحفية إن روسيا قامت بنقل بعض من قوات النخبة من أوكرانيا إلى سوريا لدعم الرئيس السوري بشار الأسد. في ديسمبر 2015، اعترف بوتين أن بعض ضباط المخابرات الروسية العسكرية كانوا يعملون في أوكرانيا.

وفي أحدث خلافات الجانبين، اقتحم جهاز الأمن الأوكراني مكتب وكالة "نوفوستي أوكرانيا" في كييف 15 أيار/مايو الماضي، وأعلن جهاز الأمن الأوكراني عن إجراء تحقيق ضد "وسائل إعلام تسيطر عليها روسيا".

الحصيلة: كل من شاركوا في لعبة القتل المزيف تغيروا

بالنسبة للمشاركين في جريمة القتل المزيِّفة، فإنَّ الأمور لن ترجع لطبيعتها أبداً.

تسيمباليوك، القاتل المأجور، هوَ الأقل انزعاجاً من هذه التجربة، "الحرب في بلادنا لم تنتهِ بعد. لن أغيِّر شيئاً في حياتي. سأعود للحرب. لأعيش، وأعمل، وأحارب".

أركادي وأولغا بابتشينكو لا يشعران بالأمان في أوكرانياً مجدداً، وإلى الأبد.

تقول أولغا: "أشعُر بالقلق. لا أشعر أنِّي آمنة. في اللحظة الراهنة نحن في مكانٍ آمن، هذا صحيح، لكنَّا لا نشعر بالأمان. في أحد الأيام سنضطُر للخروج من منطقتنا المحمِّية. ماذا سيحدث في المستقبل؟ هذا أمرٌ لا نعرفه".

وما زال أركادي بابتشينكو نفسه ينتابه استياءٌ شديد عندما يضغط عليه أحدٌ في جدالٍ حول مدى أخلاقية ما فعل. "حسناً يا قوم، أتمنَّى لو كُنتم مكاني. عندما يأتون ويقولون لك (دَفَع أحدهم المال مقابل قتلك)، هل تقولون (لا، أرفض هذا لأنَّ قُرَّائي لن يتفهَّموا. هذا سينتهك المعايير الأخلاقية لمهنة الصحافة)؟".

"إذا فعلتم ذلك هُناك أشخاصٌ سيموتون؛ لأنَّ تِلك الشبكة لم تكن لتُكشَف حينها".


إقرأ أيضاً..

وجد زجاجة عطر في الشارع فأهداها لحبيبته.. المصيبة أنها تسببت بمقتلها والقصة أكبر بكثير!

منهم مَن فكَّر في الهرب إلى البحر فمات، وآخرون بقوا في منازلهم فنجوا.. لحظات فصلت بين الضحايا والناجين في حريق اليونان