قصة القيصر فيلهلم الثاني الألماني ..ماذا يحدث حين يحكم أحمق مشتَّت سيئ الطباع إمبراطورية؟
الخميس, 13 ديسمبر 2018
سياسة

كان يبكي ودموعه تتساقط ويشتكي كونه الضحية ثم يعود لبطشه.. ماذا يحدث حين يحكم أحمق مشتَّت سيئ الطباع إمبراطورية؟

القيصر فيلهلم الثاني/istock
عربي بوست

 تبقى قصة القيصر فيلهلم الثاني واحدة من أغرب قصص حكام التاريخ الذي يشبه بطباعه حكام اليوم، فمن المواهب القليلة التي امتلكها القيصر، الذي حكم ألمانيا من عام 1888 حتى 1918، كانت قدرته على ارتكاب الفضائح.

وكان من اختصاصاته إهانة الملوك الآخرين.

فعلى سبيل المثال، نعت فيلهلم الثاني ذات مرة ملك إيطاليا فيكتور إيمانويل الثالث بـ «القزم» -كنايةً عن قصر قامته- أمام حاشية الملك.

وأطلق على فرديناند أمير بلغاريا (الذي صار لاحقاً ملكاً لها) «فيرناندو الأنفي»، بسبب أنفه الطويل، ونشر شائعاتٍ عن أنَّه مخنث.

ونظراً لما عُرِف عن فيلهلم من تهوره، فلطالما كان الناس يعرفون ما يقوله عنهم في غيابهم. لكن فرديناند أخذ بثأره.

فبعد زيارته ألمانيا عام 1909، حين صفعه القيصر على مؤخرته على الملأ ثم رفض الاعتذار، حوَّل فرديناند دفة صفقة سلاحٍ قيِّمةً إلى شركةٍ فرنسيةٍ، بعد أن تعهدت بلغاريا بها لألمانيا.

لكنَّ القيصر لم يستفِد من ذلك الدرس

القيصر فيلهلم الثاني

فمن الأشياء الكثيرة بحسب تقرير لـ NEWYORKER التي كان فيلهلم مقتنعاً ببراعته فيها -رغم كل الأدلة التي تنفي ذلك- كانت «الدبلوماسية الشخصية»، وقدرته على إصلاح السياسة الخارجية عبر لقاءات فردية مع الملوك والساسة الأوروبيين الآخرين.

وفي الحقيقة، لم يكن فيلهلم يمتلك مهارات دبلوماسية ولا شخصيةٍ، ونادراً ما كانت تلك اللقاءات تجري بصورةٍ طيبة.

فكان القيصر ينظر للآخرين على أنهم محض أدواتٍ، وكان مدمناً للكذب، ولم يبدُ على وعيٍ كاملٍ بمفهوم السبب والنتيجة.

ففي عام 1890، أدت أفعاله إلى انهيار الاتفاقية التي كانت قد عُقِدَت منذ زمنٍ طويلٍ بين ألمانيا وروسيا، الجارة الشرقية الضخمة للإمبراطورية الألمانية التي كانت تمثِّل لها تهديداً في بعض الأحيان.

إذ ظنَّ القيصر خطأً أنَّ روسيا بأمس الحاجة إلى رضاء ألمانيا بدرجةٍ تمكِّنه من استغلال الوضع. ولكن بدلاً من ذلك، تحالفت روسيا على الفور مع الجارة الغربية لألمانيا وعدوتها، فرنسا.

فقرر فيلهلم أن يُبهِر القيصر نيكولاس الثاني (الذي وصفه فيلهلم بأنه هو «أبله»، و»شكَّاء»، ولا يملك القدرة سوى على «أن يُنبِتَ ثمار اللفت») ويتلاعب به ويقنعه بالعدول عن ذلك التحالف. وفي عام 1897، أخبر نيكولاس فيلهلم بأن يغرب عن وجهه، وانهار التحالف الألماني الروسي.

ومنذ نحو عقدٍ من الزمن، نَشرتُ كتاب «George, Nicholas and Wilhelm: Three Royal Cousins and the Road to World War I»، الذي تطرقت في جزء منه إلى الحديث عن القيصر فيلهلم، الذي يشتهر على الأرجح بكونه الحفيد الأول للملكة فيكتوريا وقيادته ألمانيا نحو الحرب العالمية الأولى.

ومنذ أن بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملته الانتخابية، خطر القيصر مرةً أخرى على ذهني، لا سيما إخفاقاته الشخصية، والخراب العالمي الذي أدت إليه.

 وكانت تغريدات ترامب هي أول ما تذكر في قصة  القيصر فيلهلم الثاني

فقد كان فيلهلم مولعاً بإلقاء الخطابات والارتجال فيها.

وحتى مساعدوه عجزوا عن منعه برغم محاولاتهم، وكانوا يوزِّعون نسخاً من الخطابات على الصحافة الألمانية قبل أن يلقيها.

لكن مع الأسف، طبعت الصحافة النمساوية الخطابات التي أُلقِيَت، وسرعان ما انتشرت الإهانات وزلات اللسان في أنحاء أوروبا.

وكانت من مقولات فيلهلم المفضلة: «لا يوجد سوى سيدٍ واحد لهذه الإمبراطورية، ولن أتسامح مع أي أحدٍ آخر»، مع أنَّ ألمانيا كانت تملك مجلساً ديمقراطياً وأحزاباً سياسيةً. (ذات مرةٍ، قال ترامب: «لا أحد مهمٌ سواي»).

وكان القيصر يوجِّه إهاناتٍ خاصةً إلى الأحزاب السياسية التي صوَّتت ضد سياساته.

إذ قال: «أعتبر كل ديمقراطيٍّ اشتراكيٍّ عدواً للوطن»، واتَّهم أعضاء الحزب الاشتراكي الألماني بأنَّهم «عصابةً من الخونة».

القيصر فيلهلم الثاني

وقال أوغست بيبل، زعيم الحزب الاشتراكي آنذاك، إنه كلما فتح القيصر فمه، كان الحزب يفوز بمئة ألف صوتٍ آخر.

حين صار فيلهلم إمبراطوراً في عام 1888، في التاسعة والعشرين من عمره، كان عاقداً العزم على أن يرسم لنفسه صورة القوة والسلطة.

فكان مغرماً بالجيش، وأحاط نفسه بالجنرالات (مع أنه لم يهوَ الإنصات إليهم، مثله مثل ترامب)، وكان لديه 120 زياً عسكرياً، وكان قليلاً ما يرتدي أي شيءٍ آخر.

وكان يحتفظ بتعبير وجهٍ خاصٍ غليظٍ للمناسبات العامة والصور -وهناك الكثير منها، إذ كان فيلهلم يرسل صوراً وتماثيل نصفيةً شخصيةً موقَّعةً إلى كل من يرغب- وكان لديه كذلك شارب مرفوع إلى أعلى ومليء بالشمع، ومن فرط شهرة ذاك الشارب كان له اسمه الخاص: «Er ist Erreich!» (أي أُنجِز الأمر!)

 

في الحقيقة، لم يحقق فيلهلم الكثير من الإنجازات

اتفقت هيئة أركان حرب الجيش الألماني على أنَّ القيصر ما كان ليستطيع «قيادة ثلاثة جنودٍ لعبور بالوعة».

فلم يكن يملك لا سعة الانتباه ولا القدرة اللازمتين.

وكتب أحد معلميه السابقين بعدما خاب أمله فيه: «كان كلُّ ما يهتم به هو الإلهاءات، سواءٌ أكانت ألعاباً صغيرةً مع جيشه أو قواته البحرية، أو السفر، أو الصيد.

ونادراً ما كان يقرأ أي شيءٍ عدا قصاصات الجرائد، أو يكتب أي شيءٍ بنفسه في ما خلا الملاحظات الهامشية على التقارير.

وكان يعتبر أنَّ أفضل الأحاديث هي تلك التي تنتهي بسرعةٍ وإيجازٍ».

وكانت حاشية القيصر تجمع له قصاصاتٍ صحفيةٍ، معظمها يتحدث عنه، وكان يقرؤها بهوسٍ مشابهٍ لهوس ترامب بمشاهدة التلفاز.

وكان يصاب بنوبات غضبٍ كلما قرأ مقالةً تنتقده.

إبان حكم فيلهلم، بدأت الطبقات العليا من الحكومة الألمانية تنفرط، وكان المسؤولون يصارعون بعضهم البعض.

وتحسَّر أحد الدبلوماسيين الألمان قائلاً: «صارت أشد الآراء تناقضاً تُناقش على أعلى المستويات».

ومما زاد الحيرة أنَّ فيلهلم كان يبدِّل مواقفه كل خمس دقائق. إذ كان سهل التأثر بالآخرين بشدةٍ، وكان يتفق مع آخر شخصٍ تحدث إليه أو آخر قصاصةٍ قرأها، على الأقل إلى أن يتحدث إلى الشخص التالي.

وعن هذا كتب أحد وزراء الخارجية في عام 1894، قائلاً: «إنه أمرٌ لا يطاق. اليوم شيءٌ وغداً شيءٌ آخر، وبعد بضعة أيامٍ يكون شيءٌ مختلفٌ تماماً».

وكان وزراء فيلهلم ومساعدوه يلجأون إلى الخداع والإلهاء والإطراء لأجل السيطرة عليه. إذ نصح أعز أصدقاء القيصر، فيليب زو يولنبرغ، زملاءه قائلاً: «لكي تقنعه بقبول فكرةٍ ما، عليك أن تتظاهر بأنه صاحب الفكرة. لا تنسوا السكر».

(في كتاب «Fire and Fury»، كتب مايكل وولف عن أنه لأجل إقناع ترامب باتخاذ تصرفٍ ما، يجب على العاملين البيت الأبيض إيهامه بأنه «قد فكر فيه بنفسه»).

والأدعى إلى الخوف هو أنَّ مناصرة فيلهلم لليمين الوطني المتشدد جعلته محاطاً بوزراء آمنوا جميعاً بحتمية نشوب حربٍ أوروبيةٍ، بل كانوا يرونها أمراً مرغوباً فيه.

فمثلاً، تعمَّد ألفريد فون تيربتز، قائد البحرية الألمانية -الذي أدرك في لقائه الأول بالقيصر أنه لم يكن «يعيش في عالم الواقع»- استغلال حقد فيلهلم وغضبه لأجل استخلاص المبالغ الفلكية المطلوبة لبناء بحرية ألمانيةٍ لمضاهاة البحرية البريطانية، وهو مشروعٌ نتج عنه سباق تسلحٍ وأصبح عائقاً مستعصياً أمام مفاوضات السلام.

كان القيصر سريع التأثُّر لكن لم تكن السيطرة عليه ممكنةً قَط

القيصر فيلهلم الثاني

فكان يبرهن على سلطانه بطرقٍ يتعذَّر التنبؤ بها، كما لو كان يرغب في إثبات أنه ما زال القائد، فكان يتدخَّل تدخلاتٍ سافرةً في سياسات مستشاريه أنفسهم ويعزل الوزراء دون سابق إنذار.

وقد اشتكى أشد مساعديه تملَّقاً ذات مرةٍ إلى أحد أصدقائه قائلاً: «أنت لا تملك أدنى فكرةٍ عمَّا منعتُ حدوثه، وكم عليَّ أن أُكَرِّس من وقتي لأجل استعادة النظام حين يُحدِث «سيدنا الأعلى» فوضى».

وكان أعمق أسرار القيصر هو أنَّه كان يعاني انهياراً كاملاً كل بضعة أعوامٍ، بعدما فَضَحت تدخلاته وأخطاؤه عدم أهليته أو أسفرت عن كوارث.

وكان حاشيته يرفعونه من على الأرض، وكان يذهب إلى أحد قصوره، حيث كان يبكي منبطحاً ويشتكي من كونه الضحية.

وبعد الأنين، كان يمشي سريعاً في جنبات المكان، في صمتٍ غير معهودٍ. وأحياناً، كان يسمح للدموع بأن تسقط من عينيه.

وكان يُعيد تصحيح وعيه بالحقيقة -أو اللاحقيقة- تدريجياً، وبعد بضعة أسابيع كان ينهض من جديدٍ بصخبه وعناده المعروف عنه.

لقد أمضيت ستة أعوامٍ في تأليف كتابي عن فيلهلم وأقربائه، الملك جورج الخامس، ملك إنكلترا، والقيصر نيكولاس الثاني.

وقد جعل غرور القيصر فيلهلم وغرابة أطواره منه أكثر الشخصيات الثلاثة الذين كتبت عنهم تسليةً وإمتاعاً.

لكن بعد فترةٍ، أصبحت معايشة فيلهلم -كما يفعل المرء حين يكتب عن شخصٍ آخر لفترةٍ طويلةٍ- أمراً مضنياً. كان قضاء كل ذلك الوقت مع شخصٍ لم يتعلم قط ولم يتغير قط أمراً مثبطاً، بل وخانقاً.

لم يكن القيصر وحده مسؤولاً عن قيام الحرب العالمية الأولى، لكنَّ أفعاله واختياراته ساعدت في إشعال فتيلها. فإذا كان العالم بصدد نشوب صراعٍ دوليٍّ، يبدو أنك لا تحتاج إلى شخصٍ نرجسيٍّ في زعامة إحدى القوى الدولية.

إن حساسية فيلهلم، وتقلُّبه، وحاجته إلى نيل استحسان الآخرين: كل هذه الأشياء لعبت على وترٍ حساسٍ في ألمانيا، التي كانت تمر بنوبة مراهقةٍ تمثَّلت مظاهرها في العجلة في الشعور بالإهانة، والتحمس لفكرة استعراض قواها، وامتلاؤها بشعور الاستحقاق لما لا تملكه.

وفي الوقت ذاته، رفعت استعراضات فيلهلم من حدة التوترات في أوروبا.

القيصر فيلهلم الثاني

وولَّدت دبلوماسيته الشخصية الحمقاء شكوكاً.

ومن ناحيةٍ أخرى، فتحالفه مع اليمين المتشدد وإعجابه الذي يصل إلى مرحلة العبودية بالجيش قرَّبا الدولة شيئاً فشيئاً من الحرب.

وفور أن جاءت الحرب بالفعل في عهده، نجحت الحكومة والجيش في تنحية القيصر جانباً. ولم تقع أفظع الأضرار إلَّا بعدما تنازل فيلهلم عن العرش في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1918.

(وأمضى بقية عمره -حتى عام 1941- في وسط هولندا).

ثم غرقت ألمانيا المهزومة في أعوامٍ من الكساد، واشتدت الضغائن، وسيطرت الكذبة السامة القائلة إنَّ ألمانيا قد «سُرِق منها» نصرٌ مستحقٌّ في الحرب.

لا أشير إلى أنَّ ترامب على وشك التسبب في اندلاع الحرب العالمية الثالثة. لكنَّ التطورات الأخيرة على الصعيد الخارجي -ومن بينها التصرفات الطائشة مع كوريا الشمالية، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والتهديد بِشَنِّ حربٍ تجاريةٍ ضد الصين- توحي باضطراباتٍ يمكن أن تخرج سريعاً عن نطاق سيطرة الولايات المتحدة.

يفترض بعض منتقدي ترامب أن هذه الكوارث المتصاعدة قد تجعله يرخي قبضته على الرئاسة، أو يفقدها حتى.

لكن ربما الدرس الحقيقي المستفاد من القيصر فيلهلم الثاني هو أنَّ رحيل ترمب عن الرئاسة لن يكون بالضرورة نهاية المشاكل التي قد يتسبَّب فيها أو في مفاقمتها، بل قد تكون البداية فحسب.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
كان يبكي ودموعه تتساقط ويشتكي كونه الضحية ثم يعود لبطشه.. ماذا يحدث حين يحكم أحمق مشتَّت سيئ الطباع إمبراطورية؟