غضب الأمير بن سلمان بسبب التحقيق الأممي في الحرب السعودية في اليمن
الأربعاء, 22 أغسطس 2018

غضبة ولي العهد السعودي على كندا لم تكن بسبب التدوينة.. مجلة أميركية تكشف السبب الحقيقي، وكيف يستقوي الأمير بن سلمان بترمب

بالمعايير المتبعة في شبكات التواصل الاجتماعي هذه الأيام، ليس ثمة ما هو خارجٌ عن المألوف في تغريدة وزيرة خارجية كندا كريستيا فريلاند، وكذلك فإن التغريدة لا تمثل أي انحراف عمَّا تقوله حكومات غربية أخرى لسنوات عن سجل حقوق الإنسان الفظيع في السعودية الشيء الذي أغضب الرياض وخاصة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

ويوضح تقرير لمجلة New Yorker الأميركية أن فريلاند تناولت في تغريدتها سمر بدوي، ناشطة حقوق الإنسان التي كرَّمتها إدارة أوباما باعتبارها «امرأة شجاعة»، وشقيقها رائف، المدون المسجون منذ عام 2012 بعد أن انتقد العائلة المالكة السعودية بخصوص أشياء من قبيل منع الاحتفال بعيد الحب.

انتقاد كندي وغضب سعودي

جاء في تغريدة فريلاند: «قلقون للغاية من اعتقال سمر بدوي، شقيقة رائف بدوي، في السعودية. تقف كندا إلى جوار آل بدوي في هذه المحنة الصعبة، وما زلنا نطالب بالإفراج عن رائف وسمر بدوي». أعقبت وزارة الخارجية ذلك بتغريدة دعت فيها إلى إطلاق سراح «جميع نشطاء حقوق الإنسان» المعتقلين بالسعودية، ثم نشرت سفارة كندا في الرياض التغريدة باللغة العربية.

واشتعل غضب المملكة الصحراوية، تقول المجلة الأميركية. وعلى مدار عطلة نهاية الأسبوع، أقدمت على طرد السفير الكندي لدى السعودية واستدعت سفيرها هناك، وجمدت جميع العلاقات التجارية والاستثمارية، وعلقت رحلات شركة الطيران الحكومية إلى تورونتو، وطلبت من آلاف الطلاب السعوديين مغادرة كندا وإكمال دراستهم في دول أخرى.

وأطلقت وزارة الخارجية السعودية تغريدة مضادة: «الموقف الكندي يُعد تدخلاً صريحاً وسافراً في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية، ومخالفاً لأبسط الأعراف الدولية وجميع المواثيق التي تحكم العلاقات بين الدول». وحذرت الوزارة من أن «أي خطوة إضافية من جانب كندا في هذا الاتجاه ستعد اعترافاً بحق المملكة بالتدخل في الشؤون الداخلية الكندية».

صمَّمت كندا على موقفها. وقالت فريلاند في فانكوفر يوم الإثنين 6 أغسطس/آب 2018: «دعوني أكن واضحة معكم، كندا ستظل دائماً داعمة لحقوق الإنسان بكندا وفي جميع أنحاء العالم».

ووليُّ العهد بن سلمان أصبح «حساساً» للنقد

ويؤكد هذا الخلاف تقلَّب الحكومة السعودية؛ بل وربما هشاشتها، في ظل حكم ولي العهد محمد بن سلمان، القائد الشاب ذي النفوذ السلطوي المتزايد، الذي سارع الرئيس ترمب إلى دعمه بمنتهى الحماسة منذ أن تركز زمام السلطة في يده بعد تعيينه فجأةً ولياً للعهد قبل عام. ويعد بن سلمان، البالغ من العمر 32 عاماً، أحد أصغر زعماء الشرق الأوسط. ويملك والده المريض، الملك سلمان، الكلمة الفصل، وإن كان محمد بن سلمان يسيِّر شؤون المملكة السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية بشكل يوميّ.

أصبح بن سلمان حسَّاساً بشكل متزايد للنقد داخل المملكة، وبات أيضاً لا يقبل النقد من القوى الأجنبية الكبرى، حسبما يرى بروس ريدل، الموظف السابق في وكالة «سي آي إيه»، والبنتاغون، ومجلس الأمن القومي، والذي يعمل حالياً في معهد بروكينغز. أخبرني ريدل: «إنه بالغ الحساسية للنقد».

فهل لعلاقته بترمب وقربه من كوشنر دور في ذلك؟

ربما كان دعم ترمب لابن سلمان، والصلة الشخصية بينه وبين صهر ترمب غاريد كوشنر، سبباً في إحساسه بأن لديه حصانة ليفعل ما يحلو له على الساحة الدولية. كانت أول محطة في رحلة ترمب الخارجية بعد توليه منصب الرئيس هي السعودية، في زيارة تولى وليّ العهد الإعداد لها، وصحبتها دعاية مكثفة. أحجمت الإدارة الأميركية، عكس الحكومة في كندا، عن إثارة قضايا حقوق الإنسان مع السعوديين، رغم تقرير مصور صادر في أبريل/نيسان 2018، عن وزارة الخارجية الأميركية، يفصِّل اتساع نطاق الانتهاكات في المملكة.

دونالد ترمب رفقة الأمير محمد بن سلمان

ويزيد طول القسم المخصص للسعودية في تقرير حقوق الإنسان الصادر عن الخارجية الأميركية لعام 2017، على 50 صفحة. ويورد التقرير أبرز الانتهاكات؛ مثل التعذيب والاعتقال العشوائي والقتل خارج نطاق القانون والإعدام دون توفير محاكمة عادلة وفرض قيود على حرية التعبير والحرية الدينية وحرية التجمهر السلمي والاتجار بالبشر والعنف والتمييز ضد النساء وتجريم المثلية الجنسية وعدم تمكين الشعب السعودي من اختيار حكومته عبر انتخابات حرة ونزيهة.

وقال جمال خاشقجي، الذي تقلد عدة مناصب بارزة بصحف سعودية، من منفاه في واشنطن، إن ولي العهد قد أصبح بالفعل أكثر شمولية وسلطوية من أي من الملوك الستة السابقين الذين يحكمون المملكة منذ عام 1953، حين مات الملك سعود، مؤسس الدولة السعودية الحديثة. وأضاف خاشقجي: «الآن هو من يدير المملكة، ويظن أن الجميع ينبغي أن يتعامل معه على هذا الأساس».

كما لجأ إلى تلميع صورته بالخارج

على مدار العام الماضي (20@7)، شن محمد بن سلمان حملة واسعة للتسويق لنفسه في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، فعمل على التقرب من زعماء سياسيين وأصحاب الشركات التكنولوجية الضخمة والمشاهير والشخصيات الاجتماعية والأكاديمية. في الوقت نفسه، يقف ولي العهد خلف أكثر سياسات المملكة الخارجية وحشية منذ هزم بن سعود خصومه من القبائل الأخرى على أرض الجزيرة العربية ليؤسس المملكة في شكلها الحالي.

وكانت الخطوات الأولى التي اتخذها محمد بن سلمان فيما يتعلق بالشؤون الدولية للمملكة محل نقد على نطاق واسع. ويذكر أن بن سلمان هو أول عضو من الجيل الثالث في العائلة المالكة يُختار ليكون وريثاً للعرش.

فهو «متورط» في الكثير من المبادرات «الكارثية»

يقول ريدل: «الحملة ضد كندا هي الأخيرة في سلسلة من المبادرات الكارثية التي اتخذها بن سلمان فيما يتصل بالسياسة الخارجية. ففي عام 2015، حين كان بن سلمان لا يزال وزيراً للدفاع، أقدم على التدخل العسكري في اليمن بما كان له تكلفة عالية على المملكة، وأدى بالضرورة إلى أسوأ كارثة إنسانية في العالم. وبات 22 مليون يمني، نحو 8% من السكان، يعتمدون على المساعدات الإنسانية لمواصلة الحياة اليومية. ولا يجد 16 مليون يمني مياهاً نظيفة للشرب. وتشير التقدير إلى أن 8 ملايين يمني باتوا على شفا حفرة من الدخول في مجاعة.

وفي عام 2017، تولى محمد بن سلمان كِبَر فرض حصار جوي وبحري وبري على قطر، وهي دولة صغيرة في جوار السعودية، تشير التقارير إلى أن وليّ العهد دائماً ما أراد غزوها. وبعد أشهر قليلة، استدعى محمد بن سلمان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وضغط عليه لتقديم استقالته على شاشة التلفزيون السعودي.

وأوضح خاشقجي: «تلك قرارات متسرعة وغير محسوبة». أما ريدل، فقال: «ولي العهد لا يُحسن اتخاذ القرارات ولديه سجلٌ من عدم الكفاءة في هذا الصدد».

وأزمته مع كندا ليست الأولى

كما يملك بن سلمان أيضاً الجرأة على مواجهة الدول الغربية، وضمن ذلك الدول ذات الأهمية لأمن السعودية وتطورها الاقتصادي. ففي عام 2015، وهو العام الذي صعد فيه والده المريض إلى العرش، استدعت السعودية سفيرها إلى السويد، في خلاف أيضاً حول قضية متعلقة بالناشط الحقوقي رائف بدوي. حُكم على المدوِّن الشاب بالسجن 10 سنوات، والجلد 1000 جلدة، وغرامة تزيد على ربع مليون دولار، بعد سخريته من القيود الاجتماعية الصارمة التي تفرضها المملكة على موقعه «الليبراليون السعوديون». واتهمت السلطات السعودية بدوي، وهو أبٌ لثلاثة أطفال، بتقويض الأمن القومي. وكان من المقرر أن يتم توزيع الجلدات المحكوم بها بواقع 50 جلدة أسبوعياً لمدة 20 أسبوعاً، وإن كانت قد توقفت بعد أول دورة. نعتت وزيرة خارجية السويد، مارغو والستروم، الحكم بأنه «يعود إلى القرون الوسطى«، ووصفت الأسرة الحاكمة في السعودية بأنها ديكتاتورية.

وتعمقت الأزمات مع ألمانيا أيضاً، بعد أن انتقد وزير الخارجية الألماني آنذاك، زيغمار غابرييل، السياسات «المغامرة» بالشرق الأوسط في نوفمبر/تشرين الثاني، وهي تصريحات رأت فيها المملكة إشارة إلى تدخلها في اليمن وإشارة إلى أن وزير الخارجية اللبناني كان محتجزاً بالسعودية على غير إرادته. وفي يناير/كانون الثاني 2018، علَّقت ألمانيا صادراتها من السلاح إلى السعودية؛ بسبب الحرب في اليمن. وفي مايو/أيار 2018، قالت مجلة دير شبيغل الألمانية إن ولي العهد السعودي وجَّه بعدم منح أي عقود حكومية إلى شركات ألمانية.
بهذا القدر نفسه من الغضب والاندفاع جاء الرد على تغريدة وزيرة خارجية كندا، والترجمة العربية المنشورة لاحقاً لها، على حد قول خاشقجي.  وأضاف: «هذا هو نمط السلوك الذي يملي السياسة الخارجية السعودية منذ صعود محمد بن سلمان إلى السلطة. لقد عُولمت التغريدة وكأنها إهانة لنفوذ بن سلمان نفسه. ورأي فيها مهاجمة لقدرته على التحكم في الجماهير السعودية».

لكن.. ما الذي يفسر رد الفعل الغاضب جداً؟!

وربما يكون دافع بن سلمان في التصرف على هذا النحو مع كندا هو جزئياً وضع استراتيجية لتحدي الدول المؤيدة لإجراء الأمم المتحدة تحقيقاً حول الانتهاكات السعودية لحقوق الإنسان في اليمن، وضمن ذلك الغارات الجوية التي أودت بحياة مدنيين. وغرد كين روث، المدير التنفيذي لمنظمة هيومان رايتس ووتش يوم الثلاثاء 7 أغسطس/آب 2018: «توقيت مهاجمة ولي عهد السعودية لكندا، بعد احتجاجها على قمع نظامه، يشير إلى أن هدفه الحقيقي هو إثناء الحكومات عن الإقدام على استكمال تحقيق الأمم المتحدة حول جرائم الحرب السعودية في اليمن». وأضاف روث: «حان الوقت لنضاعف دعمنا لتحقيق الأمم المتحدة». ومن المقرر أن تُفتتح الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحضور عشرات من رؤساء الدول، الشهر المقبل (سبتمبر/أيلول 2018) في نيويورك.

وتكذِّب تصرفات ولي العهد الصورة التي يحاول أن يرسمها لنفسه. لديه خطط ضخمة لتنويع اقتصاد المملكة، ليتجاوز قطاع النفط، ولكن منذ الخريف الماضي، اعتقلت الحكومة عشرات من رجال الأعمال البارزين. وتحدث عن «الإسلام المعتدل»، ومع ذلك أيضاً اعتقل بعض رجال الدين المعتدلين! وفتح الطريق، خلال الشهر الجاري، للنساء ليقدن السيارات، ومع ذلك اعتقلت حكومته ناشطات في حقوق المرأة، من بينهن المحامية سمر بدوي. تحدَّت المحامية سمر القيود الثقافية، وضمنها القواعد التي تشترط على المرأة الحصول على إذن وليها قبل إكمال تعليمها، أو الحصول على وظيفة أو جواز سفر للسفر إلى الخارج.

وعلى خلاف ترمب، دائماً ما دعم زعماء كندا آل بدوي. ففي عام 2013، أي بعد عام من  اعتقال بدوي، منح رئيس الوزراء ستيفن هاربر، من حزب المحافظين، زوجة بدوي وأطفاله حق اللجوء السياسي في كندا. ومنحتهم الحكومة الكندية. خلال الصيف الجاري، تحت رئاسة جاستن ترودو، من الحزب الليبرالي، حق المواطنة. وبعد أن دعت كندا إلى إطلاق سراح النشطاء السلميين في السعودية، تعهدت ماري بيير باريل، الناطقة باسم الخارجية الكندية، بالقول: «إن حكومتنا لن تتردد أبداً في دعم تلك المبادئ».


اقرأ أيضاََ

كندا تطلب خبرة دولتين انتقدتا سابقا حقوق الإنسان بالسعودية، ومسؤول يكشف أن بلاده لجأت إلى دول أوروبية وعربية لحل الأزمة

كندا تراجع خسائر الأزمة مع السعودية، والنشطاء: لماذا نستورد النفط من دولة تنتهك حقوق الإنسان؟  

أمامهم شهر لمغادرتهم البلاد.. كيف استقبل المبتعثون السعوديون قرار إبعادهم عن كندا؟

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
غضبة ولي العهد السعودي على كندا لم تكن بسبب التدوينة.. مجلة أميركية تكشف السبب الحقيقي، وكيف يستقوي الأمير بن سلمان بترمب

قصص ذات صلة