مدرب بدرجة معالج نفسي.. كيف يستخدم بيب غوارديولا تكتيكات علم النفس لتحقيق الألقاب؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/07/18 الساعة 10:25 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/07/18 الساعة 10:36 بتوقيت غرينتش
الإسباني بيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي (رويترز)

كان بيب غوارديولا يقف وحيداً خلال احتفالات مانشستر سيتي، يبدو حائراً، أو الوصف الأدق أنه مذهول، بحسب ما تحكيه ملامحه، ورُبما فقد الإحساس بالسمع كذلك للحظات معدودة، لأن لاعبيه كانوا ينادونه، لكنه بقي يتفقد الأرجاء وينظر نحو السماء. لا يكاد يُصدق أنه نجح أخيراً، حقق الهدف الذي كان مستعداً أن يدخل الجحيم لأجله، طارد اللقب لمرات عديدة، وكل مرة اقترب فيها من منصة التتويج، كان يتعثر ليشعر أنه أبعد لهدفه من المرة التي قبلها.

توّج مانشستر سيتي بلقب دوري أبطال أوروبا في 10 يونيو/حزيران 2023. مر أكثر من شهر على المباراة، لكن لأكون صريحاً، مشهد غوارديولا يقف وحيداً لا يزال عالقاً في ذهني حتى اليوم، ويستحيل أن أنساه بهذه السرعة. كنت قد شاهدته مباشرةً على التلفاز، ثم بحثت عنه في يوتيوب لأتأكد من مشاهدته مرة أخرى؛ ما جعل ذلك المشهد مميزاً بالنسبة لي، هو أنه ببساطة لا يُمكن تفسيره من المشاهدات الأولى، أنت تُشاهده وتستمتع به فقط.

تشاء الأقدار أن المشهد نفسه كان قد تكرر في بطولة كأس العالم 2022، لكن بشكل مختلف نوعاً ما، وبطريقة درامية جداً مُلفتة للأنظار.

عندما أرسل غونزالو مونتييل الكرة نحو الشباك في النهائي ضد فرنسا، مُعلناً رسمياً تتويج الأرجنتين باللقب، بدا الملعب للحظات كساحة معركة في العصر الجاهلي. لكن هناك على الخط، يقف ليونيل سكالوني، لا يتحرك، ثابتاً في مكانه وكأنه فقد الإحساس بالزمن، لا يحتفل، زملاؤه يعانقونه بينما يحاول استيعاب الأمور، ثم بعدها بلحظات، ينكسر، رُبما فهم لحظتها أنه بطل للعالم، ومن هول الصدمة، بدا الأمر قبلها وكأنه حلم. 

خلال هذا الموسم أيضاً، هناك تصريح للوتشانو سباليتي يصف المشهدين بشكل ملائم جداً، وكأنه يتحدث عن بيب وليونيل وليس عن نفسه فقط. يقول: "اعتدت على العمل والعمل فقط. لست معتاداً على الاحتفال، ولا أعرف كيف أحتفل. فالسعادة لحظة عابرة في هذه الحياة".

رُبما ذلك يُفسر جيداً تنحّي سباليتي عن تدريب نابولي بعد لقب السكوديتو. تشيزاري برانديللي، الذي اعتزل التدريب منذ عدة أشهر، استطاع أن يتنبأ مستقبل زميله منذ سنتين، عندما قال: "هذا العالم الذي هو جزء مني يمضي بسرعة، أسرع مما تخيلته؛ لذلك قررت التوقف عن الانجراف ومحاولة مجاراته، وذلك حتى أجد ماهيتي".

وهذا قادني لأتساءل: لماذا مدرب حقق لقب البريميرليغ لثلاث سنوات متتالية، أن يستمر لموسم آخر ليُحاول أن يُتوج باللقب للمرة الرابعة على التوالي؟ قد يبدو الجواب بسيطاً وهو: ما المانع برحيله؟ بمعنى أن هذا المدرب يتقاضى أجراً كبيراً ويعمل ببيئة مريحة بالنسبة له ويُحقق النجاحات ومحبوب. لكن الإجابة قد تكون المعنى الآخر من ذلك السؤال. ما هو الشيء الذي قد يحفز مدرباً خسر لقب البريميرليغ، أكثر من مرة، وبسبب جزئيات صغيرة، وأمام المنافس نفسه، أن يستمر لموسم آخر في نفس البطولة؟

يملك يورغن كلوب الإجابة. رُبما لذلك صرّح بعد خسارته نهائي دوري أبطال أوروبا 2022 ضد ريال مدريد، بأنه سيكون متواجداً في نهائي إسطنبول في العام التالي، رغم أن في قرارة نفسه، يعلم تماماً أنه بنسبة كبيرة لن يكون هناك، ليس فقط كطرف يُنافس على أرض الملعب، بل حتى في المنصة الرئيسية، وليس لأنه لا يملك المال ليُسافر إلى تركيا.

يصفه لاعبو ليفربول بأنه الرجل الذي يعلم ما سيقوله دائماً، لأن بإمكان كلوب أن يُلقي محاضرات لساعات طويلة، بدون أن يفتح كتاباً واحداً عن علم النفس. وبعد تلك المحاضرات، يتحول لاعبوه إلى حيوانات بشرية، وأعني بذلك المعنى الإيجابي.

لكن كلوب يعلم، ما يُقال هو مجرد كذبة. ففهمه للطب النفسي هو ميزة، لكنه لن يشفع له عناده. لأن السبب الذي يدفع مارسيلو بيلسا أن يرحل عن ليدز يونايتد رغم شاعريّة القصة، هو السبب نفسه الذي جعل إيطاليا متخلفة بتقديم المواهب في العقد الأخير من الزمن. فأولى خطوات النجاح، تكمن بتقبل الهزائم، وهذا ما استطاع أن يتفرد به بيب.

فقبل أن يصبح مدرباً، سافر غوارديولا إلى إيطاليا، وشاركه خوليو فيلاسكو، مدرب كرة الطائرة الأسطوري، واحداً من أسرار تفوّقه في مهنته، "إن الأمر الجميل بمهنتنا، مهنة التدريب، أن القرارات التي اتخذناها بالماضي، لم نعد نحتاجها بالحاضر".

رُبما تلك العبارة القصيرة تشرح جيداً سيكولوجية بيب، المدرب الذي ليس لديه أي مشكلة أن يتخلى عن فكرة في سبيل فكرة أخرى. ولا يجد عيباً أن يستمع لنصائح تكتيكية من لاعبه الذي يُحضر نفسه أن يكون مُدرباً، أو أن يتعلم من مدرب واعد يصغره بالمعرفة والخبرة سنوات عديدة. أو ينسب الفضل الأول للاعبية، فحينما سُئل قبل نهائي دوري الأبطال الأخير بساعات عن سر نجاحه كانت إجابته بسيطة :  "الفضل في نجاحاتي يعود إلى امتلاك لاعبين جيدين، كان لديّ ليونيل ميسي في الماضي (في برشلونة)، والآن أملك إيرلينغ هالاند. هذا هو نجاحي. أنا لا أمزح. المدرب لا يسجل أي هدف".

في كرة القدم، هناك نوعان من المدربين، من تمت إقالتهم في وقت سابق ومن سيتم إقالتهم في وقت لاحق. وفي تلك الفئتين من المدربين، هناك من يعيشون في القمة أكثر من أقرانهم، وهم أولئك المستعدون لفهم تقلبات الدنيا. فلتبقى على قيد الحياة، عليك دائماً بقبول التغيير.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

مصطفى فرحات
مدون رياضي
مدون رياضي
تحميل المزيد