السبت, 19 يناير 2019

یومیات رجل مثقف في بلاد الخوف!

رحلة في بلاد خوفستان، تمتد من أرض الخوف إلی أرض الاستبداد. ومن حسن حظ حكام هذه البلاد أن شعوبهم لا یفكرون، وإذا فكروا یموتون.

خلال الرحلة، نحاول تقییم حكام أرض الخوف، الذین خذلوا وخدعوا شعوبهم فانساقت وراءهم كالقطعان، یصدّقونهم تارة بالوعد وتارة بالوهم.

لقد أدت الظروف السیاسیة والأزمات دوراً في وصول هٶلاء إلی سدة الحكم، وعندما تَحین الفرصة ینقضّون علی الحُكم في الدولة ویمسكون بزمام الأمور فیها، ویستولون علی مقالید الحكم بالوعود المعسولة والأوهام والخداع، مستغلين الحالة النفسیة والعقلیة للشعب المغلوب علی أمره، مع ظهور قوى إقلیمیة ورجعیة لها مصالحها الشخصیة مع نوعیة هؤلاء الحكام، ومع سیاستهم الرجعیة من البداوة والعصور المتحجرة في خلق أجیال تؤمن بالوهم والإله الأزلي في حل الأزمات الاقتصادیة، من القاٸد إلى الرٸیس المؤمن، والرئیس المنقذ، ورئیس المرحلة والفیلسوف والحكیم، وخادم وحامي البلاد المفدَّى، وتُنسج خیوط من الوهم مثل قصص التراث الأدبي القدیم (إني أرى الملك عاریاً).

ثم یرتدي كلَّ النیاشین والأوسمة رغم أنه لم یشترك مرة واحدة في أي حرب، ثم تتزین كل المیادین بصورة الجنرال عنترة!

ففي أواخر سبعینیات القرن الماضي، كانت أوهام السادات بعد عام 1979، حيث أوهم الشعب بتناول الطعام في «أطباق من الذهب»! فكتب في حینها الدكتور یوسف إدریس كتابه، الذي تُرجم إلى عمل مسرحي تحت عنوان «البهلوان»، وكان بدایة الخلاف بین السادات ویوسف إدریس.

من ینظر إلى حكام هذه البلاد، ومن دون جهد أو عناء، یلاحظ أنهم بهلوانات في سیرك كبیر، وسرعان ما ینقلب هذا البهلوان ویفصح عن وجهه الحقیقي القبیح، فیحكم بالحدید والنار، وعندما یحاول شخص أن یصحو أو یحاول التفكیر یصبح وراء قضبان من حدید.

ویسوق الشعبَ سَوق القطیع، لیحقق رغباته ویصادر الحریات وحق التعبیر، وحتى لو لم یستطع أن یقصف الأقلام، فقد ظهر في بلاد الخوف سلاح جدید بالمناشیر، أو یذوّب الجسد في الأكسید، المهم أن يرضي الجنرال عنترة رغباته الأنانیة ورغبات أسیاده، حتى ولو في بلاد كانت تُسمى من قبلُ مجازاً فلسطین.

وهو یعتبر الشعب وسیلة لا غایة، وهو في الوقت نفسه یحتقر الشعب ویخافه ویسوقه ویؤمن بالنظریة المیكافیلیة «الغایة تبرر الوسیلة» ویعتبرها دستوراً له حتى تصبح الغایة تبرر كل وسیلة.

ثقافة الخوف

وهي فرض عین في بلاد تمتد من المحیط إلی الخلیج، تمتد الآلة القمعیة الطویلة لكل من ٰسوَّلت له نفسه في حق التعبیر والرأي الآخر.

في بلاد الخوف تُقصف وتُقتل الأقلام، وتعاني الأقلام عقدة «أودیب»، وتحتاج علاجاً من الفیلسوف فروید.

في بلاد الخوف جفّت الأقلام، وتساقطت أوراق الشجر بباحة سجون ودواوین معاقل الاعتقالات، في سجون بلا قضبان تمتد من أقصى إلى أقصى.

ولو وجدت الأقلام مناخاً دون خوف ولا تشویه، فالمثقف في بلاد خوفستان أو القارئ ملحد، والنفاق سیاسة، والنصب كیاسة، والنصح فضول، والمشتكي المظلوم مفسد، والشهامة والحمیّة والكرامة مرض.

أصبح العالِم جاهلاً والجاهل عالِماً، فیصبح استبداد النفس علی العقل مؤدياً إلی تغییر الحقائق في الأذهان، فیسوق الناس إلی اعتقاد أنّ طالب الحق فاجر وخارج عن الحاكم.

شعوب اختارت القبول والمذلّة والبلادة والاعتماد علی الحاكم في تسیير أمورهم، ولا تسأل الحكامَ إن كانت ترضى وتوافق علی ما یفعلون.

شعوب قررت أن تنسحب من التاریخ، ومن التزمات العدل والأخوّة والمروءة والتضامن الإنساني، ولا یتألم ضمیرها لرٶیة دموع الأطفال علی شواطئ البحار هرباً من جحیم الحروب في أرض الخوف، والهروب إلی الانتحار في البحار من الیأس والفقر بعد أن فقدوا الأمل، وأبراج الأوهام تسقط وتصبح مدناً من الأقزام بعد الأخرى، وما زال المتحذلقون والبائسون، والنفعیون يتحدثون عن الحق في وجهات النظر المختلفة.

فالشعوب التي لا تعیش حسب متطلبات ومبادئ أخلاقیة، من العدل والحق، ولا ترضى أن تستدرج للأخذ بالمؤقت علی حساب الثابت، في بلاد یخسر المنطقُ والعقلُ مواجهتَه أمام الخوف، ویبقى العقل أسیراً للمعتقد أو العرف السائد في المجتمع، ویبقى التغییر كالجبن المتنحي لا یظهر إلا عندما تكون الظروف مناسبة.

فهل «السترات الصفراء» سوف تهب علی بلاد الخوف في خریف غضب وأعاصیر ویكون شتاءً قارساً علی هؤلاء الحكام، بعد أن أصبحت أرض مهبط الأنبیاء والرسل، والفیروز وكلیم الله، وأرض الحضارات الأولى وبابل والفرات، والشام وقدس الأقداس، وبلاد سبأ وحضرموت، وبلاد عمر المختار خصِبة لبذور الخوف؟

طلقة في الرأس.. طغاة وسلاطین یغادرون أرض الخوف في مشهد درامي، وعلی الهواء مباشرة وأمام شاشات التلفزة تم إطلاق أعیرة ناریة.

طلقة في الرأس.. یغادر الجنرال عنترة في الزي الرسمي وسط جنوده، وعلى مشارف مدینة سبأ القدیمة، كان جنرال آخر یستعد لدخول المدینة، وعلى طریقة أفلام هولیوود حاول مرة أخری أن یلعب مع أصدقاء الأمس وأعداء الیوم.

طلقه في الرأس.. یغادر مسرح الرقص مع الثعابین، حیث لا یستقبل هٶلاء الطغاة التاریخُ إلا في محفل الطغاة.

لقد عجزوا جمیعاً عن وقف عجلة التاریخ، وإنّ جيل الطغاة قصیر حتى وإن طال عقوداً، فدولة الظلم والخوف ساعة.

وفي النهایة، یُعرف علم الجغرافیا بأنه علم الوصف أو الرحالة، لذلك من واجبي المهني والتخصص الأكادیمي في الجغرافیا أن أصف عبر منطقة جغرافیة شدیدة الحساسیة، رحلة قلم لا أملك إلا هو، وأدعو الله أن یكون بآخر یوم في حیاتي ما أكتبه هو الآیة الكریمة «ن ۚ والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجراً غير ممنون (3)» صدق الله العظیم.

في مجتمع أصبح أجمل ابتسامة عند الموت، وأجمل دمعة عندما أكون خائفاً.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
رحلة في عقل مواطن مغفل
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
یومیات رجل مثقف في بلاد الخوف!