الأحد, 20 يناير 2019

«الأنانية السلبية» وانعكاساتها على المنظومة الاجتماعية في تونس

 

 

 

قناعات الفرد تتبلور مع نضوجه واكتسابه خبرات في الحياة، لكن النشأة لها دور مهم، لأنها هي تلك المرحلة التي تضعه على سكة الحياة. الدروس الأولى التي نتلقاها من محيطنا لها أهمية كبيرة لتحديد طريقة تعاملنا مع العالم، ونقطة البداية لحياتنا الاجتماعية، وأصل الأمور بداياتها، ويمكن فهم مدى عمق تأثير تلك الدروس على مستقبل الأفراد.

بحيث إنه يكفي فقط قراءة السيرة الذاتية لبعض من الشخصيات التي كان لها تأثير على الإنسانية، لنكتشف أن الأفراد الذين لقنوهم الدروس الأولى ووضعوهم على سكة الحياة هم من جعلوا منهم تلك الشخصيات التي أثرت فينا. نحن أنفسنا نتذكر بسهولة تلك الدروس الأولى التي تعلمناها من محيطنا، والتي ما زال جزء كبير منها يشكل قناعاتنا، التي بدورنا سنلقّنها لأبنائنا.

لكن هذه الفكرة ليست لتحميل جزء من الذنب لنشأة الفرد وعائلته إن كان قد ارتكب جرماً تجاه المجموعة، لأن الإنسان في مرحلة النضج له ما يكفي من الوعي بأن يغير قناعاته، ويُكوِّن آراءه الشخصية التي ستحدد قراراته وخياراته.

المغزى الحقيقي وراء هذا الطرح، هو أن لنشأة الإنسان دوراً في تحديد انطلاقته في الحياة، وفي بعض الأحيان مصيره، لكن كون نقطة البداية جيدة أو سيئة فإن الإنسان في مرحلة أخرى من حياته سيتحكم في ذلك المسار الذي وُضع فيه، ويغيره إن اقتضى الأمر.

لذلك فإن نشأة الإنسان فقيراً ليست مقياساً لفشله، أو نشأته غنياً أو ذا نسب ليست مقياساً لنجاحه، فخياراته في مرحلة معينة ستحدد مصيره، لكن تغيير وضع مالي أو اجتماعي ليس كتغيير عقلية أو فكر؛ لأن نشأة الإنسان ليست مرتبطة فقط بوضعه المادي أو نسبه، بل أيضاً بتربيته، وتلك الأفكار التي يتلقاها من محيطه (مدرسته الأولى)، وتغيير تلك القناعات الأساسية يشترط فهماً للذات وإرادة للانفتاح على «أنا» آخر، متحرر من قيود تكوينه الأول.

 

على مستوى المجموعة، فإن المجتمع التونسي رغم أنه في طور النضج وفي طريق التطور، لكننا نلاحظ وجود عائق يعطل بشكل كبير ذلك الانتقال، وهذا العائق ليس سياسياً أو اقتصادياً، إنما هو مشكل على مستوى الأفراد ومركّبهم النفسي، الذي يجعل منهم أعداء للمنظومة ونجاحها، وهو ما أسميه «الأنانية السلبية».

ما هي الأنانية السلبية؟ هي الأرضية التي يبنى عليها المركب النفسي للفرد منذ نشأته، ويخضع لقاعدة: بما أنني الأفضل يجب أن أبقى دائماً في موضع القوة، كل شخص أحس أنه يمتلك فكرة أو حقق نجاحاً يعطيه أفضلية عني فهو يشكل تهديداً يجب التخلص منه وإفشاله للحفاظ على مكانتي.

نحن ننشأ في مجتمع يجعل منا أعداء عجلة التطور، فمنذ نعومة أظافرنا تعلمنا ألا نشارك أو نتقاسم مع غيرنا. فإن وصلنا لمستوى يصير فيه الفرد يتمنى فشل الآخر، ويستهين بإنجازاته غيرة منه أو حسداً لما حققه، فإن ذلك هو نتاج الأنانية السلبية.

إن تلك العقلية التي تبني فكر المواطن على حب الذات ودحض الآخر لا يمكن أن تبني إلا مجتمعاً حقوداً انتهازياً وغير متضامن. هذه القيم السلبية يصعب التخلص منها؛ لأنها ترتكز على تلك القيم التي لقنت منذ الطفولة وتطورت لتصبح قناعات، لذلك فإن منبع تغيير الفرد هو الفرد نفسه، لكن يجب أن يرتقي بوعيه لمستوى يمكنه من فهم تلك القناعات، والتخلص من تلك السلبية التي جعلت منه قطباً سالباً في المنظومة.

هذا المركب النفسي هو ما يفسر عدم التوازن الاجتماعي والانشقاقات داخل المنظومة، وما ينجر عنهما من فساد على مستوى عام، انحطاط أخلاقي وفقدان للقيم النبيلة التي تبنى بها الأوطان. إن الفساد على سبيل المثال نتيجة الأنانية السلبية، لأن الفرد الذي قبل ذلك التوجه يرى فقط أن مصلحته وحبه للذات دفعاه للعمل ضد مصلحة المجموعة.

 

انعكاسات الأنانية السلبية تمسّ أيضاً العلاقات بين الأفراد، التي تتميز بالسطحية والريبة وقلة الثقة. مما يفسر فشل العلاقات الإنسانية كالصداقة والحب لأنهما فقدا معناهما الأصلي. النتيجة: وحدة، طلاق، وحقد أكثر تجاه الآخر. أغلب الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا الحب تجدهم لم يعيشوا أو يعرفوا حقيقة ذلك الشعور النبيل.

من شروط ذلك الإحساس التجرد من الأنانية السلبية، لأن الحب لا يعني فقط الغزل، بل هو إحساس عملي يلزم كلا الطرفين قبول سلبيات الشريك قبل خصاله، وتشاركه كل الأحاسيس والمشاعر، حتى الدفينة منها.

فكيف لفرد يتبنَّى عقلية الأنانية السلبية أن يكون فرداً معطاء، دون انتظار مقابل أو أن يؤمن بالثقة. بل بالعكس فإن انجذابه للطرف الآخر كان فقط لملء فراغ عاطفي والإحساس بأنه مهم ولإثبات ذاته.

علاقة مبنية لتلك الغايات تنهار سريعاً، وهو ما يفسر البرود العاطفي والملل الذي يعاني منه بعض الأزواج، والذي تكون نتيجته الطلاق أو الفراق. حتى الألم الذي ينجر عن الفراق هو ألم أناني؛ لأن كلا الطرفين يريان نفسهما الضحية، وهذه طبيعة الإنسان الأناني الذي يعيش في عالمه دون مراعاة غيره.

عندما نحزن أَلَا نحسّ بأننا أتعس أشخاص في العالم؟ إجابة أغلبنا هي «نعم» لكن هل حقيقة، نحن الأتعس في تلك اللحظة؟ بالطبع لا، فالعالم مليء بالحزن والتعاسة، وذلك الألم الذي يدمرنا من الداخل عند انتهاء علاقة ليس كحزن شخص آخر قد فقد إنساناًَ عزيزاً عليه بسبب حرب أو جرم.

ليس هذا تهجماً على الأفراد أو التقليل من حزنهم، ففي النهاية نحن بشر، وتلك المشاعر جزء منا، ويجب احترامها، ولا يمكن مقارنة تعاسة الأفراد لأن الظروف تختلف، لكن الأنانية السلبية تجعلنا حبيسي عالمنا، مما يدفعنا للمبالغة في ردود أفعالنا، خصوصاً السلبية كالغضب والحزن والوحدة.

 

الأنانية السلبية تساهم في تفكيك المنظومة الاجتماعية، لأنها تخلق أفراداً يعيشون في إحساس مستمر بالتهديد، ويبنون نجاحاتهم على فشل الآخرين أو إفشالهم. هذه الأرضية الهشة التي سيخلقها هذا النزاع بين أفراد المجتمع، ستعطل كل سبل التجديد الفكري والرقي بالمنظومة ككل، بل ستكبل الأفراد وتجعلهم منغلقين أكثر على أنفسهم.

الأنانية بشكل عام، أو الأنانية السلبية بشكل خاص لا تحارب روح المواطنة والانتماء لدى المواطن، بل بالعكس فإنها تعطيه نوعاً من الدفع لكي يستثمر من مجهوده داخل المنظومة، ولإعطائها ظاهرياً شكل منظومة اجتماعية عادية.

 لكن بينما الأنانية السلبية تعمل على تدمير فكر المواطن، وتفكك تدريجياً المجموعة، فإنه يوجد نوع آخر من الأنانية، الذي أسميه «الأنانية الإيجابية»، هذا النوع من الأنانية يرتكز على نفس القاعدة الأنانية السلبية، ألا وهي حب الذات، والحفاظ على موضع القوة، لكن بدلاً من تدمير الآخر ودحضه، فإن ذلك يعوض بروح المنافسة الشريفة والطموح.

إن هذه العقلية ستخلق ديناميكية على جميع الأصعدة، لأن الفرد عوض أن يستنزف طاقته لإفشال الآخر سيستثمرها لخلق سبل جديدة وإيجاد حلول فعلية.

 

الأنانية الإيجابية ستصنع مجتمعاً فعالاً يعمل فيه كل مواطن ليكون الأفضل، معتمداً قاعدة «أن أكون الأنجح هي أن أكون الأفضل» عوض قاعدة «أن يكون هو الأفشل هي أن أكون الأفضل» التي تؤسس لها الأنانية السلبية.

على المستوى الإنساني سيكون الأفراد أكثر انفتاحاً على بعضهم البعض، وهو ما سيخلق أرضية لبناء علاقات إنسانية دائمة، تكون فيها قيم التنافس الشريف، والاحترام أساساتها، بالتالي تكوين منظومة اجتماعية متماسكة.

هذا بالضبط الهدف الذي يجب الوصول إليه في المجتمع التونسي، الذي يعاني من الأنانية السلبية التي خلقت مواطناً هشاً رافضاً للتطور والآخر. المعضلة هي في تحقيق تلك النقلة من مركب نفسي سائد للآخر، مع العلم أننا نشأنا في مجتمع مبني على الأنانية وحب الذات.

هنا يأتي دور النخبة التي يجب أن توجد نموذجاً اجتماعياً يرتكز على الأنانية الإيجابية، لترسيخ تلك القيم في الأجيال القادمة، وإنشاء منظومة جديدة. لتحقيق تلك النقلة بين العقليتين يجب خلق رجّة اجتماعية تزعزع تلك القناعات القديمة في فكر المواطن، تدفعه لاعتماد النموذج الاجتماعي الجديد، الوضع العام للبلاد هو فرصة لمراجعة الذات، والمضي قدماً في ذلك التمشي لتحقيق الصحوة الحقيقية للأمة.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
«الأنانية السلبية» وانعكاساتها على المنظومة الاجتماعية في تونس