«هناك دوماً شيء يستحق الكتابة!»

عربي بوست
تم النشر: 2018/11/18 الساعة 13:56 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/12/12 الساعة 10:15 بتوقيت غرينتش
فتاة تبدأ في كتابة شئ ما

آمنتُ منذ صغري بأن أكثرهم قدرة على الكتابة هم أكثرهم شعوراً بالأوجاع، أكثرهم غرقاً في أعماق المعاني، أكثرهم امتلاءً بالتفاصيل، وترحالاً في أمور الحياة، أكثرهم تجرعاً لتساؤلات أذهانهم.

أكثر الذين أحببتُ القراءة لهم هم في الواقع أكثرهم اختباراً للحياة، واختلاطاً بالمصاعب.. فكما يخرج الجنين من رحم أمه ليداعب النور عينيه، ينفرج سن القلم ليعلن كتابة كلمات يُكتب لها الخلود والبقاء في الأذهان كلما كانت حقيقية!

أحببت الكتابة منذ الوهلة الأولى التي أدركت فيها أنه يمكنني البوح للأوراق بما لا أستطيع كثيراً البوح به بلساني، الأوجاع الصغيرة جداً التي لا يمكن إدراك ألمها، والأحلام التي طالما كانت تراودني، قلتُ للأوراق ذات ليلة إني أحلم أن أجمعها وُريقةً وُريقةً، وأضمّها إلى غلاف واحد يحمل اسمي، وأتركها هنا في هذا العالم، بشرط أن تضم شيئاً يستحق القراءة.

في حديثي مع الله مرة قلت له: "ما دُمنا جئنا إلى هنا فلا بد من هدف ما، أريد أن أكون صوتاً يمر إلى الآذان ولا يخرج من الأذن الأخرى، إلا بعد افتعال أثر في الرأس".

أعتدت دائماً على التمسك بأحلامي، فلا أتركها مهما حدث، بل أظلُّ أحاول معها؛ إيماناً بأن ما وُضِع من بذور في روحي لا بد أن يدفن أولاً، ثم ينبت وينمو ثانية، إلى الحد الذي يمكنه من حمل الثمار.

في كل مرة كنت أجد نفسي على حافة التخلي عن أحد الأحلام، وتهاجمني أشباح اليأس، وتهددني بالسقوط إذا أقدمتُ على خطوة أخرى بعد، وأن أتخلى عن أحد تلك الأحلام، وأترك مئات الخطوات في الرحلة، ومائة كلمة تشجيع، ومغامرات ثمينة، لأنعم بحياة هادئة باردة لا أثر فيها لمذاق التعب.

في كل مرة كنتُ أقف فيها على حافة الجرف، وتستدرجني مخاوفي إلى التراجع، كنتُ أُذكِّر نفسي: ليس كل من أقدم على خطوة جديدة كان مصيره السقوط، فهيّا بنا نغزو جزءاً جديداً آخر هنا.

تعاهدت هنا أن أكون قدر ما أستطعت عوناً لكل محتاج، سنداً لكل متألم، أن أحاول أن أجعل عالَمَ مَن أعرفهم أفضل، لم أوجَد في هذا الغد لأكون عالة، لكن يا الله وجدت عندما كبرت العالم يصير مكاناً أسوأ، ويبهت بريقه في أعيننا أكثر فأكثر، وأحلامي أصبحت مهدَّدةً، وكل ما أرجوه ألا ينجح القبح في غزو عالمي الصغير، لعلي يوماً في يوم أنجح في ضمِّ ذاك العالم الكبير إلى عالمي الصغير.

أحتاج يا الله أن أترك هنا بصمةً مختلفة قبل رحيلي، وأن أتحرَّر من قوالب التَّكرار، فخوفي الدائم أن تتكرر القصة لتنتهي بنفس النهايات، لا أريد أن أكون نسخةً، أريد أن أكون لوناً متفرِّداً في لوحة عالمك الذي خلقتني لأجله.

أتذكر دوماً تلك الأبواب التي نجحتُ في فتحها، والأبواتَ التي وجدتُها خلفَها، والتنهّدات التي تتصاعد منّي مع كل باب أنجح في فتحه، لأتقدم إلى باب آخر، وتلك الأبواب التي ظلَّت مغلقة لا أدري ما السبب، لكني أعلم أن لكل هذا حكمة لم أدركها بعد، وكل هذا حتى أصيرَ صوتاً لا صدى.

دائماً عندما أنظر إلى النجوم في السماء أفكّر في أن النجوم لا تصير نجوماً عندما تنطفئ، وأنَّ كونها نجوماً يتطلب منها أن تحترق وهجاً وسط بقاع الظلام، وأي نجم يقبل الاقتران بغيره ينطفئ!

فهناك دوماً شيء يستحق الكتابة، سأظل أكتب عزيزي ما دمت حياً..

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
ريمون رأفت
صيدلي مصري
تحميل المزيد