عمه وخصمه الرئيسي أيضاً.. هل عاد الأمير أحمد بن عبد العزيز من لندن ليزيح محمد بن سلمان من الحكم؟

عدد القراءات
3,584
عربي بوست
تم النشر: 2018/11/04 الساعة 13:55 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/11/04 الساعة 14:21 بتوقيت غرينتش
الأمير محمد بن سلمان وعمه الأمير أحمد بن عبدالعزيز

يتقلَّص عالَم محمد بن سلمان بسرعة، إذ عاد عمه وخصمه الرئيسي، الأمير أحمد بن عبد العزيز ، إلى البلاد أخيراً بعد غياب طويل في لندن، واسُتقبِل استقبال الأبطال. وقد توافد كبار الأمراء للترحيب به، في المطار وفي حفلات الاستقبال التي عُقِدَت بعد ذلك.

ومن ضمن مَن رحبوا به شخصيات مهمة، مثل: رئيس الاستخبارات السابق خالد بن بندر، ونائب وزير الدفاع السابق خالد بن سلطان، وولي العهد السابق مقرن بن عبد العزيز. ومن الإشارات الدالّة على أنَّه لم تظهر أي صور حتى الآن للأمير أحمد مع محمد بن سلمان، رغم وجود تقارير تشير إلى أنَّ محمد بن سلمان وأخاه خالد بن سلمان استقبلاه في المطار.

إنَّني أتفهَّم أن يكون الأمير أحمد قد رفض التقاط صورة مع أيهما، أو أن تُؤخذ عودته على محمل أنها دعم لابن أخيه.

قبل شهرين فقط، كان محمد بن سلمان، بصفته ولي العهد السعودي الحالي، قوياً بما يكفي أن يُقوِّل عمه ما لم يقله، إذ صادف أن توقَّف الأمير أحمد أمام مجموعة من المتظاهرين اليمنيين والبحرينيين خارج منزله في لندن، ليخبرهم بأنَّ عائلة آل سعود لا تتحمل أية مسؤولية عن حرب اليمن. وعندما سأله المتظاهرون عمَّن يكون المسؤول، أجاب الأمير: "الملك وولي العهد، وغيرهم في الدولة".

وفي غضون ساعات، نقلت وكالة الأنباء السعودية التابعة للحكومة عن الأمير أحمد، قوله إنَّ "تفسير" كلامه بأنَّه انتقاد للملك، "غير دقيق". وقالت وكالة الأنباء السعودية إنَّ الأمير أحمد كان يعني ببساطةٍ، أنَّ العائلة المالكة هي المسؤولة، بسبب موقعيهما في الحكومة.

وكما ذكرتُ في ذلك الوقت، تمسَّك الأمير أحمد بتصريحاته الأصلية واتخذ قراره بالبقاء في المنفى. بعد شهرين، لم يتحدث الإعلام السعودي الرسمي عن عودة الابن الضال لمُؤسِّس المملكة، الملك عبد العزيز. ولا يجرؤ محمد بن سلمان الآن على أن يُقوِّل عمه ما لم يقله.

ومنذ عودته هذا الأسبوع، عقد الأمير أحمد العديد من الاجتماعات مع إخوانه وأمراء آل سعود البارزين. وكان هناك نقاش مفتوح حول طريقة التعامل مع الأزمة الحالية. لكن ما كان ذلك سيحدث قبل بضعة أسابيع، عندما كان محمد بن سلمان في وضعٍ يسمح له بفرض الرقابة الكاملة على الأسرة.

لقد تأثر كل عضو في عائلة آل سعود بمقتل الصحافي جمال خاشقجي بالقنصلية السعودية في إسطنبول مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول 2018، إذ أفاد موقع The Daily Beast الأميركي، يوم الجمعة الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بأنَّ كلية كينيدي التابعة لمركز بلفر في جامعة هارفارد ألغت دعوتها للأمير السعودي تركي الفيصل للتدريس أسبوعاً كأستاذ مقيم. وفي مقابلة، قال تركي، ابن الملك الراحل فيصل بن بعد العزيز والسفير السعودي السابق لدى الولايات المتحدة: "تلقيتُ إخطاراً… يقول بأدب جَمّ: "قد لا يكون هذا هو الوقت المناسب لك للحضور وإلقاء محاضرة بسبب قضية خاشقجي".

وفي محاولةٍ لتخفيف أثر عودة عمه، أطلق محمد بن سلمان أيضاً سراح خالد، الشقيق الأصغر للوليد بن طلال.

البحث عن حماية

انتقل محمد بن سلمان، في أقل من أسبوع، من الظهور مزهوّاً على الساحة الدولية إلى البحث عن حماية. وأفعاله التي تنم عن غطرسته في بادئ الأمر مُوثَّقة جيداً. عليك فقط إعادة قراءة المقابلة التي أجراها مع وكالة Bloomberg الأميركية بعد بضعة أيام من مقتل خاشقجي. واستغرق الأمر منه بعض الوقت لينتبه إلى واقع حجم المشكلات التي يواجهها.

بعد أيام قليلة من عملية القتل في القنصلية، أرسل محمد بن سلمان، رئيسَ الاستخبارات خالد بن علي الحميدان، إلى تركيا. لكنَّه عاد وهو يشعر بالقلق بشأن حجم ما كان يعرفه الأتراك حول الحادث، وأبلغ الرياض أنَّ الوضع سيئ للغاية.

وكان مستشار الملك وأمير منطقة مكة المكرمة، خالد الفيصل، هو الشخصية السعودية التالية التي تصل إلى أنقرة. وأغرى "الفيصل" الرئيسَ التركي رجب طيب أردوغان بسلسلة من العروض في اجتماعه معه: تستطيع السعودية مساعدة تركيا بالاستثمارات. وتستطيع شراء أسلحة تركية. لكن وفقاً لمصدرمُطَّلِع، قاطعه أردوغان في خضم حديثه. وسأله دون مواربة: "هل تحاول رشوتي؟". سُمِح لـ "الفيصل" بالاستماع إلى شريطٍ مدته 15 دقيقة عن مقتل خاشقجي. وعاد وهو يعتريه شعورٌ بالفشل.

وفي الليلة نفسها، أجرى الملك سلمان أول مكالمة هاتفية له مع أردوغان. وكانت نتيجتها أن اتُّفِق على إجراء تحقيقٍ مشترك. وتبعتها مكالمة هاتفية أخرى، قال فيها الملك سلمان لأردوغان: "سنتخذ تدابير. وسيُعاقَب الجميع"، وبعدها جاء اعترافٌ سعودي رسمي بأنَّ جريمة القتل وقعت في القنصلية، وأُلقي القبض على فريق الاغتيال المُكوَّن من 15 شخصاً، وأُقِيل اثنان من كبار رؤسائهم.

وأبلغتني مصادر مطلعة على الحديث الذي دار بين الملك السعودي وأردوغان في أثناء المكالمة الهاتفية، أنَّ الملك سلمان بدا كأنَّه يقرأ من ورقة. وقال أحد الحاضرين في مكتب أردوغان: "عندما تسأله سؤالاً، لا يستطيع الإجابة". وكان أردوغان صارماً، وقال لسلمان: "إذا كانت السعودية تريد إنقاذ نفسها، فنحن نريد الجثة".

قال أردوغان هذا مرتين علناً. والسبت 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بدَّد أي شكوك عالقة في أنَّه يمكن شراؤه، إذ كتب في صحيفة The Washington Post الأميركية: "نعرف أنَّ الأمر بقتل خاشقجي جاء من أعلى المستويات في الحكومة السعودية".

وبعدما أعفى الملك من المسؤولية (إذ قال أردوغان إنَّه لا "يصدق ولو لثانية واحدة" أنَّ الملك السعودي سلمان أَمَرَ شخصياً باغتيال خاشقجي)، شبَّه أردوغان عملية القتل بفضيحة ووترغيت.

وكتب: "إنَّ قتل جمال خاشقجي ينطوي على أكثر بكثير من مجموعة من المسؤولين الأمنيين، تماماً مثلما كانت فضيحة ووترغيت أكبر من مجرد عملية اختراق، ومثلما تجاوزت الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر/أيلول مجرد الخاطفين. وكأعضاء مسؤولين في المجتمع الدولي، يجب أن نكشف عن هُويات مُحرِّكي الدمى وراء مقتل خاشقجي، ونكتشف أولئك الذين وضع المسؤولون السعوديون -الذين ما زالوا يحاولون التغطية على القتل- ثقتهم بهم".

لا يمكن أن تكون هناك رسالة أوضح من هذه، بأنَّ ثمن إغلاق هذه القضية هو رأس محمد بن سلمان نفسه.

مهمة الأمير أحمد

هناك سيناريوهان اثنان الآن لما سيُقدِم عليه الأمير أحمد: الأول أن يدفع محمد بن سلمان لإبرام صفقة، يتخلّى فيها الأخير عن منصبه كولي للعهد إلى جانب محفظته من الحقائب الأمنية المتمثلة في وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، مقابل أن يحتفظ بدوره كمُصلِحٍ اقتصادي.

السيناريو الثاني هو أن يسعى لإزاحته. فرئاسة هيئة البيعة، التي على الأقل من الناحية الاسمية تُدقِّق وتُوافق على التعيينات الملكية، شاغرةٌ الآن بعد وفاة مشعل بن عبد العزيز. وفي حال اختير الأمير أحمد رئيساً للهيئة، فسيضطلع بدور صانع الملوك.

تعتمد مهمة الأمير أحمد على عاملين: النطاق الذي يمكنه فيه شحذ الرأي داخل عائلة آل سعود حول أنَّه يجب عمل شيءٍ ما بشأن ابن أخيه، وأنَّ محمد بن سلمان ارتكب الآن أخطاء كثيرة للغاية بما يحول دون التفكير فيه كملكٍ مستقبلي. فهناك الحرب في اليمن، واختطاف رئيس الوزراء اللبناني، وحصار قطر، وفشل عملية الطرح العام الأوليّ لشركة أرامكو، والتخلي عن القدس الشرقية عاصمةً لدولة فلسطين المستقبلية، والآن قتل جمال خاشقجي.

قائمة الأخطاء هذه طويلة، ومُهدَّدة بأن تطول أكثر إن أصبح محمد بن سلمان ملكاً.

والعامل الثاني هو موقف أميركا. تخلى الرئيس دونالد ترمب، منذ فترة طويلة، عن موقفه بأنَّ البيانات السعودية تتمتع بالمصداقية، إذ غيَّر السعوديون بياناتهم بالفعل خمس مرات، كان آخرها نفي النائب العام السعودي، سعود المعجب (الذي وصفه نظيره التركي بأنَّه "أدنى من أدنى مستوى")، أن تكون جثة خاشقجي قد مُنِحَت لـ"متعاونٍ محلي".

وبعدما وُوجِه البيت الأبيض بالاستنتاج الحتمي بأنَّ محمد بن سلمان، الذي يُمثِّل جندي المقدمة بالنسبة لترمب في الشرق الأوسط، أصدر أمر القتل وكانت له صلات وثيقة مع فريق الاغتيال الذي ارتكب الجريمة، بات هذا الأول يناور من أجل كسب الوقت. فقال وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الخميس 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، إن الأمر سيستغرق "بضعة أسابيع أخرى" قبل أن يكون لدى الولايات المتحدة الأدلة الكافية لفرض أي عقوبات.

وتتقلص قدرة البيت الأبيض على الهرولة للدفاع عن تلميذه السعودي، البالغ من العمر 33 عاماً، بسبب رد فعل وسائل الإعلام العالمية، التي تُحدِث على غير العادة تأثيراً في تصرفات الأمير. كان خاشقجي سيشعر بالصدمة والتكريم من حقيقة أنَّ مقتله بات خبراً عالمياً، إذ نُشِر مقالٌ كتبته خطيبته الثكلى، خديجة جنكيز، في صحف Le Monde الفرنسية، وThe Guardian البريطانية، وThe Washington Post الأميركية، وPublico الإسبانية، وDer Speigel الألمانية.

ولن تدع وسائل الإعلام الأميركية ترمب يفلت من هذا المأزق أيضاً. ويسهم خطر فقدان الكونغرس في انتخابات التجديد النصفية، الأسبوع المقبل، كذلك، في تهدئة شراسة ترمب المعتادة بسبب الضغط. فهو يعي أنَّه ربما يتمتع بعد هذه الانتخابات بِحُريةٍ لحماية نفسه، أقل من تلك التي اعتادها حتى الآن.

"الاستقرار"

روِّج صهر ترمب، غاريد كوشنر، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والناطقون بلسان حال محمد بن سلمان في واشنطن المدفوعون بالمال، كل هؤلاء في تناغم تام تقريباً، للحُجّة نفسها: عزل محمد بن سلمان من شأنه زعزعة استقرار المملكة ككل.

هم يُقِرُّون بما يصفونه بـ"عثرات" محمد بن سلمان التي ثبتت، والمتمثلة في: اعتقال الناشطات النساء، والأزمات الدبلوماسية مع ألمانيا وكندا، و"الالتباس" المحيط برئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري (أي اختطافه)، ومقاطعة قطر، والحرب "المُخفِقة" على اليمن.

لكنَّهم بعد ذلك يقولون إنَّ إزاحة محمد بن سلمان من ولاية العهد ليست "واقعية ولا حكيمة".

فكتب علي الشهابي، من معهد الجزيرة العربية بواشنطن: "إعادة النظر في سُلم خلافة العرش ليس من شأنها فقط أن تؤدي إلى إلغاء تعيينٍ وَضع أخيراً حداً لسنواتٍ من عدم اليقين السياسي بشأن انتقال السلطة بين الأجيال المختلفة داخل الأسرة الحاكمة، بل أيضاً قد يُعرِّض الإصلاحات الأساسية التي نجح محمد بن سلمان في الدفع بها للخطر، لأنَّ أي خليفة له قد يتراجع عن الكثير من تلك الإصلاحات بهدف كسب التأييد من طبقة رجال الدين والعناصر الأخرى الساخطة في المجتمع".

ويواصل الشهابي معاناته في التبرير، بقوله بإيجاز: "ولي العهد بالتأكيد ليس ديمقراطيّاً جيفرسونياً"، في إشارة إلى الرئيس الأميركي الراحل توماس جيفرسون. واستدرك: "لكنَّ التاريخ يُرينا أنَّ الدول تكون في أكثر حالات ضعفها خلال اللحظات الانتقالية، وهذا هو بالضبط الوضع بالنسبة لمملكةٍ مُستقطَبة بعمق كما هو حال السعودية، التي يحيطها الخطر المتمثل في صورة الجهاد السُنّي وحركات الجهاد الشيعية المدعومة من إيران الملتزمة بإسقاط المملكة".

بعبارة أخرى، أزيحوا محمد بن سلمان، وستُعرِّضون الدولة للخطر.

لكنَّ هذا الطرح مليءٌ بالإشكاليات. فأولاً، أزاح محمد بن سلمان في أثناء صعوده للسلطة قادة الأمن السعوديين الأقوياء أنفسهم الذين اعتمدت عليهم واشنطن لتأمين استقرار الدولة. وكان ابن عمه، محمد بن نايف، أحد هؤلاء. وقد عُزِل ثُمَّ حطَّت آلة التشويه التابعة لمحمد ابن سلمان من شأنه باعتباره مدمناً للمخدرات.

والإشكالية الثانية هي أنَّ الأشخاص الذين أزاحهم محمد بن سلمان كانوا أكثر خبرةً منه، إذ قضوا عقوداً يتوسعون في الإلمام بأعمالهم. فقضى متعب بن عبد الله سنوات في الحرس الوطني قبل أن يصبح قائداً له. وفي أثناء ذلك، أنشأ متعب شبكات من الولاء. في المقابل، لم يتولَّ محمد بن سلمان أي وظيفةٍ مدة طويلة كافية لإنشاء أي شبكاتٍ من الولاء، بخلاف أولئك الذين اضطُّرَّ الآن إلى إبعادهم.

المرشحون لولاية العهد

توجد وفرة من المرشحين لخلافة محمد بن سلمان. فهناك أخوه الأكبر الذي تلقى تعليمه في جامعة أوكسفورد، فيصل بن سلمان. وهناك كذلك أيٌ من الأسماء المذكورة أعلاه في هذا الموضوع. والقول إنَّه لا يوجد إلا مُنقِذٌ واحد لعائلة آل سعود، التي يبلغ عدد أفرادها 30 ألفاً، هراءٌ صريح. فهناك الكثير والكثير من القادة الأكثر خبرةً وحكمةً من ولي العهد الحالي.

وأيَّاً كان من يتولى السلطة من محمد بن سلمان، فسيكون عليه تطبيق الدروس التي تعلمها من نهاية هذا الأخير.

وكان أفضل من عبَّر عن هذا بوضوح، هو الرجل الذي قتله، إذ كان لدى جمال خاشقجي "مقترحٌ متواضعٌ" لعائلة آل سعود. وكان يتمثَّل في أنَّه يتعين على هذا الإصلاح الاقتصادي، الذي دعمه قلباً وقالباً، أن يأتي مصحوباً بقدرٍ من الإصلاح السياسي. وهذا واضحٌ جداً، لدرجة أنَّه بالكاد يحتاج إلى تكرار، لكنَّها الحقيقة الواضحة التي يأبى الاستمرارُ في دعم محمد بن سلمان قبولَها.

إنَّ ترك محمد بن سلمان في موقعه، والسماح له بالإفلات بقرصة أُذُن فقط، لهو تعريضٌ للمملكة للخطر وسماحٌ لوحشٍ بالعيش يوماً آخر.

– هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني.

 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
ديفيد هيرست
كاتب صحفي بريطاني
ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع Middle East Eye البريطاني، وكبير الكتاب في الجارديان البريطانية سابقاً
تحميل المزيد