ذبح المعارضين وقتل الإيرانيين بالأسلحة الكيماوية .. أوجه الشبه بين صدام حسين ومحمد بن سلمان
الأحد, 18 نوفمبر 2018

محمد بن سلمان هو صدام حسين القادم

يُقال إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان صُدم من رد الفعل العنيف إزاء قتل حكومته صحافي الواشنطن بوست جمال خاشقجي. وفي مكالمة هاتفية أجراها مؤخراً مع جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاره، كان ارتباكه – وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال – ينبع من إعراب واشنطن رسمياً عن سخطها «الذي تحول إلى غضب»، كما عبر عن شعوره «بخيانة الغرب له» وهدد «بالبحث عن شركاء أجانب في مكان آخر».

لا يمثل استنكار السعودية من الولايات المتحدة المرة الأولى التي يفترض فيها حليف استبدادي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط أن بوسعه التصرف كما يشاء وأنه يتمتع بحصانة افتراضية بسبب تحالفه مع واشنطن في مقاومة إيران. في الحقيقة، كان صعود الأمير السعودي المذهل إلى السلطة بالغ التشابه مع حليف سابق للولايات المتحدة تحول إلى عدو لدود لها، والذي كانت واشنطن في البداية تتغاضى عن وحشيته: وهو دكتاتور العراق السابق صدام حسين.

حظي صدام بدعم كبير من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى قبل أن يصير عدو واشنطن الرئيسي بسنوات. وقد انتهى ذلك بعد أن قرر غزو الكويت عام 1990. إلا أن الفترة التي سبقت ذلك الصراع بالإضافة إلى رعاية واشنطن السابقة لصدام، يوفران دروساً مفيدة في السياسة الإقليمية الأميركية اليوم، وفي المخاطر الكبرى لعدم الرد بقوة على واقعة اغتيال خاشقجي.

قال توبي دودج، أحد كبار الاستشاريين المختصين بالشرق الأوسط في معهد لندن الدولي للدراسات الاستراتيجية، لمجلة بلومبيرغ العام الماضي، إن تدعيم محمد بن سلمان التدريجي والوحشي لسلطته، والذي تميز باحتجاز وتعذيب منافسيه المحليين، يستحضر «الهجوم المغير الذي قام به الرئيس الشاب صدام حسين على المعارضة داخل الحزب الحاكم في العراق عام 1979″، وأضاف «تركز السلطة في أيدي شاب واحد طموح لا يمكن توقعه، يشكل إزعاجاً اليوم مثلما كان يشكل في الماضي». أما دعم واشنطن الثابت لصدام خلال فترة الثمانينيات فلم يساعده فقط في هياجه ضد شعبه والدول المجاورة له فحسب، بل شكّل في نهاية المطاف تهديداً للمصالح الأمنية للولايات المتحدة.

بدأت علاقة الولايات المتحدة مع صدام حسين – وفقاً لروجر موريس، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي – عام 1963، عندما قامت وكالة المخابرات المركزية، تحت حكم جون كينيدي «وبالتعاون مع صدام حسين»، بانقلابٍ للإطاحة بحكومة الجنرال عبد الكريم قاسم، الذي كان قد أطاح بالنظام الملكي العراقي المؤيد لأميركا قبل ذلك بخمس سنوات.

إلا أن العلاقات بين الولايات المتحدة وصدام حسين ترسخت فعلاً في فبراير/شباط 1982، عندما أزالت إدارة ريغان العراق من قائمة الإرهاب الخاصة بوزارة الخارجية، ما مهد الطريق لتقديم مساعدات عسكرية للعراق. كان ذلك بعد حوالي 17 شهراً من غزو صدام لإيران، في الوقت الذي كانت فيه القوات العراقية تحتل محافظة خوزستان الإيرانية الغنية بالنفط، والتي سعى العراق إلى ضمها له. في ديسمبر/كانون الأول 1983، أوفد ريغان دونالد رامسفيلد مبعوثاً رئاسياً ليلتقي بصدام ويمهد الطريق لتطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق. ووفقاً لصحيفة الواشنطن بوست، ازداد الدعم الأميركي لصدام خلال الحرب ليشمل «تبادل معلوماتٍ استخبارية على نطاق واسع، وإمدادات بقنابل عنقودية من خلال شركة وهمية تشيلية، وتسهيل حصول العراق على مكونات أولية كيميائية وحيوية».

أما عن استخدام صدام المدمر للأسلحة الكيميائية خلال حرب العراق مع إيران، ضد الأهداف الإيرانية العسكرية والمدنية على حد سواء وضد شعبه كذلك، فهذا لم يثنِ الولايات المتحدة عن تقديم الدعم له. عُقد اللقاء بين رامسفيلد وصدام على الرغم من امتلاك واشنطن وقتها أدلة دامغة على استخدامه الأسلحة الكيماوية بدايةً من عام 1983. قبيل رحلة رامسفيلد في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1983، أخبر جوناثان هاو، المسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية، جورج شولتز وزير الخارجية، عن تقارير المخابرات التي أثبتت لجوء العراق إلى استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الإيرانيين بشكل يومي تقريباً.

وفي حين تلقت إيران بعض الأسلحة من الولايات المتحدة في قضية إيران كونترا، إلا أن واشنطن رجحت كفة الموازين بشكل كبير لصالح صدام. عندما أظهرت الاستخبارت أن إيران تشن هجوماً ضخماً في أوائل عام 1988، يهدد باختراق الخطوط العراقية، كتب ريغان إلى وزير دفاعه «الانتصار الإيراني أمر غير مقبول». ووفقاً لمقال نشر في صحيفة فورين بوليسي عام 2013، كانت الاستخبارات الأميركية تنساب بحرية في جيش صدام قبيل نهاية الحرب، على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين كانوا يدركون تماماً أن جيشه سيهاجم بالأسلحة الكيماوية».

وبحسب وثائق سرية صرحت بها وكالة المخابرات المركزية، فقد تم استخدام ثلثي الأسلحة الكيميائية العراقية خلال الأشهر الثمانية عشر الأخيرة من الحرب، أي عندما بلغ التعاون الأميركي العراقي ذروته. شمل ذلك الإبادة الجماعية لمدينة حلبجة الكردية العراقية باستخدام الأسلحة الكيميائية في مارس/آذار 1988، وقُتل فيها ما يصل إلى 5 آلاف مدني. ومن قبيل المفارقة أن إدارة جورج بوش ستستخدم هذا الهجوم عام 2003 كجزء من تبريرها لغزو العراق، للقضاء على أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة في البلاد وقتها.

بعد أشهر قليلة من هجوم حلبجة في سبتمبر/أيلول 1988، كتب مساعد وزير الخارجية ريتشارد مورفي في مذكرة حول مسألة الأسلحة الكيماوية أن «العلاقة الأميركية العراقية.. ضرورية لتحقيق أهدافنا السياسية والاقتصادية على المدى البعيد». تنتهج إدارة ترمب اليوم نفس المسار عند مناقشة العلاقة الأميركية السعودية، على الرغم من قتل المملكة العربية السعودية لخاشقجي وهجومها المدمر في اليمن، إذ أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مؤخراً أن المملكة العربية السعودية هي «حليف استراتيجي مهم بالنسبة للولايات المتحدة. وأن السعوديين مازالوا خير شريك في العمل معنا».

لم يكن شعور صدام بالدعم غير المشروط من الولايات المتحدة مفاجئاً عشية غزو العراق للكويت. عزز هذا الانطباع اجتماع صدام بسفيرة الولايات المتحدة لدى العراق آنذاك أبريل غلاسبي في 25 يوليو/تموز 1990، قبل أسبوع من غزو الكويت. وأثناء هذا اللقاء المصيري، شددت غلاسبي على «رغبة الرئيس جورج بوش الأب في إقامة صداقة مع العراق» وأن «الرئيس أمرها بتوسيع وتعميق علاقاتنا مع العراق»، وفقاً لبرقية دبلوماسية لخصت الاجتماع. عندما أشار صدام إلى قضية الكويت، التي كان يهدد بغزوها باستمرار، صرحت غلاسبي بأن الولايات المتحدة «لم تتخذ أي موقف فيما يخص هذه الشؤون العربية».

حتى يومنا هذا، يؤكد خبراء أكاديميون مثل الأستاذ بجامعة هارفارد والكاتب الصحافي في مجلة فورن بوليسي ستيفن والت أن «الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر دون قصد للرئيس صدام» لغزو الكويت – كما غزا إيران من قبل – بدون ردة فعل قوية من الولايات المتحدة الأميركية. ويضيف والت أنه على عكس بعض التصورات، كانت غلاسبي «تتبع التعليمات التي أُعطيت لها»، وأنها «فعلت ما كانت تريده إدارة بوش في ذاك الاجتماع الحاسم». كشفت البرقيات الدبلوماسية الأميركية خلال فترة غلاسبي «أنها وسلفها قدما صورة إيجابية للغاية عن النظام العراقي منذ البداية، وتجاهلا جرائم صدام المعروفة، وكانا متأثرين بعدائهم المشترك لإيران إلى حد إغفال أي نقد للنظام»، وفقًا لما ذكرته المجلة الألمانية دير شبيغل.

أخطأت الولايات المتحدة في دعمها للرئيس صدام لمجرد أنه عارض إيران، وهو خطأ ظل يطاردها لعقود. لم يقتصر الأمر على مشاركة أكثر من 500 ألف جندي أميركي في إخراج صدام حسين من الكويت، مما أسفر عن سقوط 382 جريحاً عسكرياً أميركياً، لكنه أدخل الحكومة الأميركية أيضاً في حرب تسببت في إسقاط صدام عام 2003، وهو حدث تجاوز تأثيره التكلفة الإنسانية والمالية التي تكبدها الشعب العراقي والأميركي وأدى إلى صعود مجموعات إرهابية مثل الدولة الإسلامية، وغيرت بشكل معقد ميزان القوى الإقليمي لصالح إيران – التي تولى حلفاؤها الشيعة مقاليد السلطة في بغداد عبر انتخابات ديمقراطية.

تسلك إدارة ترمب اليوم بدعمها لمحمد بن سلمان نفس اتجاه دعم واشنطن المشؤوم لصدام حسين، حتى أن واشنطن استخدمت نفس المبرر في دعمها للرياض، وهو مواجهة إيران. وأيد ترمب عمليات التطهير التي قام بها ولي العهد لخصومه المحليين وأعطاه تفويضاً مطلقاً في مساعيه الفاشلة لإسقاط المتمردين الحوثيين في اليمن بالرغم من أنه يذبح مدنيين، وتحويل قطر إلى دولة تابعة، وإقصاء رئيس الوزراء اللبناني، ومعاقبة كندا بسبب شكايتها المتعلقة بحقوق الإنسان. إن القرار الواضح باغتيال خاشقجي هو آخر قرارات محمد بن سلمان المتهورة التي فشلت الولايات المتحدة في الرد عليها بقوة.

حذر مسؤولو إدارة ترمب بلا خجل عقب مقتل خاشقجي من أن معاقبة المملكة يمكن أن تعرقل حملة الضغط المتصاعدة ضد إيران. لا يجب أن تطغى الرغبة في استنزاف إيران مرة أخرى على التهديد المتنامي الذي يحيط بالمنطقة، المتمثل في ولي عهد سعودي طموح لا يخضع للرقابة ويتزعم عملية القضاء على اليمن وذبح صحافي بارز في ظل سعيه لترسيخ دعائم سلطته المطلقة.

إذا وصل محمد بن سلمان إلى العرش دون أن يعاقب من واشنطن بسبب سلوكه الوحشي، فمن المحتمل أن يبث الرعب في المنطقة لعقود كما فعل صدام. إذا كانت مذبحة خاشقجي السافرة، التي نُفذت في تجاهل تام للأعراف الدولية أو التكلفة السياسية التي ستقع على حلفائه، تعكس استراتيجية جديدة للسعودية، فإن العالم قد يواجه تهديداً أكبر من صدام. لم يظهر ولي العهد رغبته في استخدام القوة ضد الدول المجاورة وحسب، بل لا تزال بلاده تتمتع بثروة نفطية هائلة، مما يمنحه القدرة على الإخلال بنظام الاقتصاد العالمي (رغم أنه لن يصل إلى مستوى الحظر النفطي العربي في 1973) وتهديد أرباح شركات الدفاع الغربية، مع العلم أن المملكة هي ثالث أكبر البلاد إنفاقاً من الناحية العسكرية بعد الولايات المتحدة والصين.

يجب على إدارة ترمب أن توضح الآن العواقب الوخيمة التي يمكن أن تتعرض لها العائلة الملكية السعودية جراء هذه التجاوزات، وأن تتوقف عن دعمها المطلق للمملكة العربية السعودية. يجب على الأقل إنهاء مشاركة الولايات المتحدة في حرب اليمن، ووقف مبيعات الأسلحة، وفرض عقوبات بحسب قانون ماغنيتسكي على جميع المسؤولين السعوديين المتورطين في قتل خاشقجي.

 

هذا المقال مترجم عن مجلة Foreign Policyالأميركية

 

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
حادثة غزة كانت عملية عسكرية إسرائيلية فاشلة لا محاولة اغتيال
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
محمد بن سلمان هو صدام حسين القادم