الأربعاء, 23 يناير 2019
تعليم

أحمد حلمي كان ضحيته أيضاً.. التنمر يغير حياة هذا الشاب المصري من الانتحار إلى شن حملة عنيفة ضده

مصطفى أشراف: لا يمكننا إيقاف التنمر، ولكن يمكننا منع حدوثه، من خلال زيادة الوعي والدفاع عن الشخص الذي يتعرض للتنمر/ Istock
عربي بوست

مصطفى أشرف شاب مصري ذو وجه لطيف، تعلو وجهه ابتسامة دائماً. يحلم بأن تكون مصر خالية من التنمر يوماً ما. أطلق حملة مصرية لمواجهة التنمر بعدما كاد أن ينهي حياته بيده.

فَقَدَ أشرف صديقته المُقربة بعد أن انتحرت لتعرضها للتنمر في المدرسة. لاحقاً، حاول أن يقتل نفسه نتيجة نفس التنمر الذي دفع صديقته، ياسمين، إلى قتل نفسها.

تذكر أشرف وهو يغالب الحزن: «كانت ياسمين دائماً مُنزعجة ومُكتئبة بعض الشيء قبل بلوغها سن الثانية عشرة. ولم تُشاركني حتى ما كان يحدث، لم تكن تقول إلا أنَّها تعرضت للتنمر».

وأكمل أشرف: «فقدت الشخص الوحيد الذي يمكنني التحدث إليه. شعرت بالاكتئاب ثم تحليت بالصبر وضبط النفس».

ما بدأ كتجربة مؤلمة وصادمة لطفل، بعد سنوات، قاد أشرف إلى تأسيس منظمة «Advice Seekers«، وهي منظمة ذاتية التمويل تحارب التنمر.

وتذكر أشرف: «عندما كنت في الحادية عشرة من عمري، كنت أتعرض للتنمر كثيراً بسبب مظهري. كما كان الأطفال الأشرار يسخرون مني لأنني كنت أتحدث الإنكليزية معظم الوقت لأن لغتي العربية كانت ضعيفة».

حاول أشرف أن يقتل نفسه مرتين بسبب التنمر

وتابع أشرف: «لقد كان وقتاً بالغ الكآبة بالنسبةِ لي. كنت وحيداً على الدوام، ولم أكن أرغب في التفاعل مع الآخرين، وهو الأمر الذي مكَّنهم من التأثير فيّ».

عندما كان في الـ 14 من عمره، حاول أشرف الانتحار في منزل أحد أصدقائه عن طريق قطع شرايين يده، ولكن صديقه أوقفه في الوقت المناسب.

وأكمل أشرف: «في تلك الليلة نمت في منزل صديقي إذ كان لدينا مشروع مدرسي قادم. ظل صديقي مُستيقظاً طوال الليل يراقبني خوفاً من أن أكرر محاولتي في الانتحار».

وتابع: «ما فعله جعلني أفكر في أنَّني يجب أن أساعد الآخرين بدلاً من أن أقتل نفسي».

في ذلك الوقت، لم يلجأ أشرف إلى أي نوع من العلاج لكنه اعتمد على والده الذي كان يدعمه. ولكن بعد أربع سنوات، أصيب بالاكتئاب الشديد وحاول الانتحار مرةً أخرى.

وقال أشرف: «إنَّ مساعدة الكثير من الناس كانت تعطيني شعوراً جيداً، ولكن في بعض الأحيان يمكن أن تساعد الآخرين وتفشل في مساعدة نفسك».

وتابع أشرف: «حاولت خنق نفسي باستخدام وسادة، ولكنني لم أنجح. ثم حاولت قطع شرايين يدي، وفشلت أيضاً».

ثم سعى للحصول على مساعدة نفسية

قال أشرف: «عندما كنت في الـ 18 من عمري، انهرت تماماً وبدأت في الذهاب إلى طبيب نفسي وواصلت تلقي جلسات العلاج النفسي لفترةٍ من الوقت لأعالج من الاكتئاب، وهو الأمر الذي ساعدني كثيراً».

عندما أسس أشرف منظمة «Advice Seekers» في عام 2014، روج للمنظمة عبر الإنترنت فقط، ولكنه سرعان ما أدرك أنَّه يريد أن يكون للمنظمة وجود على أرض الواقع.

وأوضح أشرف: «واصلت نشر نصائح حول كيفية مقاومة التنمر.. وتلقيت رسائل من ضحايا والذين كنت أجاوب عليهم من واقع تجربتي الشخصية».

أطلق حملة مصرية لمواجهة التنمر

على الرغم من أنَّ العديد من المدارس رفضت محاولات أشرف لتقديم عروض عندما علمت بعمره، إلا أنَّه لم يستسلم.

وتذكر أشرف: «لم أذهب إلى المدرسة لمدة عام لأنَّني كنت قد أنهيت جميع المواد الدراسية الخاصة بالصف الـ12 في الصفوف 10 و11، ودرست دورات علم النفس. وعندما أدركت أنَّني لدي خوف من المواجهة، تعلمت مهارات التحدث أمام جمهور بالإضافة إلى مهارات لغة الجسد».

تطورت المبادرة ببطء، ولكن بعد عامٍ واحد، فتحت كلية تكنولوجيا المعلومات والإدارة في مؤسسة Modern Academy التعليمية في المعادي بالقاهرة، أبوابها لأشرف، مما أتاح له الفرصة لبدء حملة لمناهضة التنمر في الحرم الجامعي.

ومع تقدم الأمور، انضم إلى أشرف العديد من المتطوعين وأصبحوا مُستشارين لمكافحة التنمر في عدد من المدارس الخاصة والدولية في مصر.

 كان أشرف يبلغ من العمر 18 عاماً تقريباً في ذلك الوقت.

ويعمل أشرف حالياً كمحرر فيديو مستقل عندما لا يكون منشغلاً بالعمل في الدفاع عن قضيته.

وعلى الرغم من أنَّه عُرض عليه منح دراسية من جامعات مرموقة في الولايات المتحدة وإنكلترا، إلا أنَّه قرر عدم استكمال تعليمه العالي من أجل تخصيص وقته لمنظمته Advice Seekers، وأضاف أنَّ «هذا في الوقت الحالي على الأقل».

وعلم ضحايا التنمر كيفية الدفاع عن أنفسهم فلا ييأسوا

أثَّر أشرف، الذي سيبلغ من العمر 21 عاماً قريباً، بالإيجاب على حياة مئات الطلاب.

وقال طالب في المرحلة الإعدادية لموقع Middle East Eye البريطاني، والذي رفض أن يُذكر اسمه أو اسم مدرسته خوفاً من التعرض للتنمر: «كنت ضحية التنمر وفكرت في الانتحار كل يوم».

وأكمل الطالب: «كنت أبحث دائماً عن أعذار حتى لا أذهب إلى المدرسة على الرغم من أنَّني كنت طالباً متفوقاً. كنت أبقى وحيداً معظم الوقت ولا أختلط مع أحد، ولكن بعد أن تواصلت مع متطوعي Advice Seekers، شعرت بتحسن كبير. علموني كيف أدافع عن نفسي».

يعيد تمثيل سيناريوهات التنمر لطلاب الإعدادية

يُنفّذ المتطوعون من Advice Seekers مجموعة من الأنشطة أثناء جلساتهم في المدارس والتي تختلف باختلاف أعمار المُشاركين.

على سبيل المثال، يُقدم لعب الأدوار للطلاب المنتمين إلى الصفوف من الثالث إلى السادس.

وقال أشرف: «نتفاعل مع الطلاب، ونطلب من المعلمين لعب الأدوار معهم حول سيناريوهات التنمر. كما نعرض أيضاً أفلاماً قصيرة تُنتجها المنظمة حول التنمر».

وأضاف أشرف: «عادة ما يبتعد الأطفال عن المسار المرسوم للنشاط، لذلك أجعل المُعلمين يُشاركون. أعرض سيناريوهين، في أحدهما أكون أنا المُتنمر، وفي الآخر، يكون المُعلم هو المُتنمر».

 

والسيناريو المفضَّل وهو عندما يتصرف المُعلم كأنه يتنمر على أشرف، ويردّ أشرف بطريقة جيدة.

وأوضح أشرف: «على سبيل المثال، إذا قال لي أحد المتنمرين إنَّني قبيح، فستكون إجابتي: تراني بهذه الطريقة، ولكنني أعتقد أنَّني وسيم. وفي سيناريو آخر، أجبت قائلاً: أنت هو الشخص القبيح. عند هذه النقطة، أسأل المشاركين: ما الرد الصحيح؟».

أما السيناريو الثالث، فيصور التنمر البدني.

وقال أشرف: «على سبيل المثال، يدفعني مُعلم، فأقوم بدفعه أنا أيضاً. من هذا السيناريو، نُعلّم الطلاب أنَّ العنف ليس هو الحل، وأن الاستجابة للضرب بالضرب تجعل الشخص مُتنمراً أيضاً».

لكنَّ المتنمرين ضحايا لمعاملة سيئة سابقة

وفقاً لطبيبة نفسية ومستشارة في مدرسة دولية بالقاهرة، فإنَّ المُتنمرين وأولئك الأشخاص الذين يتنمرون عليهم كلاهما «ضحية».

وأوضحت الطبيبة، بشرط عدم الكشف عن هويتها: «عادة ما يكون المُتنمرون قد تعرضوا لمِحن نفسية واضطهاد أدى بهم إلى التصرف بهذه الطريقة. بعضهم قد يكون تعرَّض للتنمر من قبل، سواء من قِبل أقرانهم، أو من قِبل والدَين أو أشقّاء مُستبدين».

وأضافت: «إنَّنا نتعامل مع المتنمرين من خلال معالجة الشعور الذي أدى بهم إلى سلوك التنمر.. ولكن لسوء الحظ، لا يلجأ المتنمرون في الغالب إلى المشورة».

90 % من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها ولا تكشفها المدرسة

يتبع مديرو المدارس نهجاً مشابهاً.

وقالت مديرة مدرسة ثانوية في مدرسة دولية بالقاهرة، رافضةً الكشف عن اسمها: «في معظم الحالات، أستخدم التوجيه والنصيحة مع المُتنمرين.. وفي كثير من الحالات يتراجعون. ولكن إذا كان الفعل مُتكرراً، يُحوَّل المُتنمر إلى الأخصائي النفسي بالمدرسة».

وأضافت: «نلجأ إلى الإيقاف المؤقت عن الذهاب إلى المدرسة في حالات التنمر الجسدي، التي لا تكون شائعة مثل التنمر اللفظي».

وعلى الرغم من أنَّه لا يمر يوم واحد دون تلقي ما بين 5 و10 شكاوى من التنمر، تقول مديرة المدرسة إنَّه «لا يتم الإبلاغ عن 90% من الحالات، بسبب الخوف من التنمر في الأساس».

الظاهرة شائعة في مصر بين المراهقين

في مقابلة أُجريت في سبتمبر/أيلول 2018، مع المذيع المصري عمرو أديب ببرنامج «الحكاية» على قناة MBC Masr، قالت هالة أبو خطوة، مديرة الاتصالات في اليونيسيف في مصر، إنَّ نحو 70% من تلاميذ المدارس بمصر، الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17، قد تعرضوا للتنمر، وهو ما يجعله ظاهرة شائعة في البلاد.

بالنسبة إلى متطوعي Advice Seekers، فإنَّ تنظيم حملات في المدارس الحكومية ليس بالأمر السهل.

وقال أشرف: «اقترحنا عقد جلسات في المدارس الحكومية من قبل، وعندما سُئلنا عن مادة الجلسة، واجهنا الرفض. قالوا لنا إنه لا يمكننا التحدث عن الاكتئاب، أو إيذاء النفس، أو الانتحار».

وتساءل أشرف: «إذن، كيف يمكنني أن أحذر الأطفال من عواقب التنمر؟».

أحمد حلمي ومنى زكي يواجهان التنمر

في سبتمبر/أيلول 2018، أي قبل أيامٍ قليلة من بدء العام الدراسي الجديد بمصر، رعى المجلس الوطني للطفولة والأمومة، المدعوم من الحكومة، الحملة الوطنية الأولى التي تدعو فيها إلى إنهاء العنف بين الأقران.

ونُفذت المُبادرة بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم المصرية، وبالتعاون مع منظمة Unicef، وموّلها الاتحاد الأوروبي.

وردد عدد من المشاهير الوطنيين وكذلك الممثلَين أحمد حلمي ومنى زكي، وهُم سفراء اليونيسيف في مصر، رسائل الحملة على شبكات التواصل الاجتماعي، وشاركوا موقفهم ضد التنمر.

واعترف حلمي انه كان ضحية للتنمر في طفولته، وتحديداً السخرية من شكل أذنيه.

شجعت الحملة الأطفال والشباب في جميع أنحاء البلاد على التعبير عن خبراتهم وآرائهم، وحلولهم لوضع حد للتنمر، باستخدام الهاشتاغ الخاص بالحملة #IAmAgainstBullying (أنا ضد التنمر).

بإمكان المدرسين أن يكونوا متنمرين

لا يقتصر الأمر على تعرُّض الطلاب للتنمر من قِبل أقرانهم فقط، ولكن بإمكان المدرسين أيضاً أن يكونوا متنمرين.

خلال الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018، انتحرت إيمان صالح، البالغة من العمر 18 عاماً، بالقفز من شرفة في مدينة الإسكندرية.

وفي رسالة صوتية أرسلتها إلى صديق لها في وقتٍ سابق، اشتكت إيمان من المشرفين بالمدرسة الذين سخروا من بشرتها الداكنة، وشعرها، وطريقتها في ارتداء الملابس، قائلين لها إنَّها تبدو كصبيٍّ ويشككون في أنوثتها.

قدمت والدة الضحية بلاغاً قانونياً في مشرفي المدرسة، مُتهمةً إياهم بأنَّهم سبب انتحار ابنتها. ولا يزال التحقيق مفتوحاً في الواقعة.

وفي الأسبوع نفسه الذي وقعت فيه حادثة الإسكندرية، قام مدرس بالتهكم والسخرية من طفلة في الصف الثامن، تُدعى بسملة علي، بمدرسة في دمياط، التي تقع شمال غربي مصر.

ونقل موقع «الأهرام» الإخباري عن بسملة قولها إنَّ مُدرس اللغة العربية تسبب في بكائها؛ بعد أن «أشار إلى أنَّها (سوداء) في أثناء طرحه سؤالاً على زملائها في الفصل، لتحديد التصريف النحوي في جملة (بسملة طالبة سوداء)».

ولأنَّ الوالدَين اتخذا إجراءات وأبلغا عن الحادث وزارةَ التعليم، أُوقف المُعلم عن العمل، وجرى استجوابه وحبسه احتياطياً عدة أيام. لم يُحدد مصيره بعد.

لا يمكن إيقاف التنمر، ولكن يمكن تعليم مواجهته

في ظل الحملات مثل التي يقودها أشرف من أجل زيادة الوعي بالتنمر على نطاقٍ واسع في مصر، فإن السؤال هو: هل يمكن إنهاء التنمر؟

وقال أشرف: «يقول لي الناس دائماً إنَّني أقوم بحملات منذ 5 سنوات الآن ولم يتوقف التنمر قَط. وإجابتي هي أنَّ التنمر لن ينتهي أبداً. هناك أجيال وأجيال قادمة ستبدأ في التنمر على الآخرين».

وأكمل: «لا يمكننا إيقاف التنمر، ولكن يمكننا منع حدوثه، من خلال زيادة الوعي والدفاع عن الشخص الذي يتعرض للتنمر».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
أحمد حلمي كان ضحيته أيضاً.. التنمر يغير حياة هذا الشاب المصري من الانتحار إلى شن حملة عنيفة ضده