الأحد, 22 يوليو 2018

تشرشل لم يكن متردّداً في قرار الحرب ضدّ هتلر، لم يُجرِ اتصالاً بـِروزفلت، ولم يركب مترو لندن مع الناس.. الأحداث غير الحقيقية في فيلم Darkest Hour!

كما جرت العادة كلّ يوم خميس، نتابع في «عربي بوست» تغطيتنا للأفلام السينمائية المُستوحاة من قصصٍ حقيقية… متى كذبت هوليوود؟ ومتى نقلت الأحداث بدقّة؟

تدور قصة فيلم Darkest Hour في أيار/مايو 1940، حول الأيام الأولى من اندلاع الحرب العالمية الثانية، حين يكون مصير أوروبا الغربية متوقفاً على رئيس الوزراء البريطاني – الجديد حينها – ونستون تشرشل، الذي يتوجّب عليه اتخاذ القرار الأصعب: إما التفاوض مع آدولف هتلر، أو شنّ الحرب عليه؛ ما قد يعني هزيمة مذلّة لبريطانيا وإمبراطوريتها.

الفيلم بدأ عرضه في صالات السينما خلال شهر أيلول/سبتمبر من العام 2017؛ وهو من إخراج جو رايت، وكتابة آنتوني ماك كارتن، وبطولة العظيم غاري أولدمان، الذي تفوّق حدّ الإبداع بأداء شخصية تشرشل. ولم يشكّل نيله جائزة أوسكار كأفضل ممثلٍ، بالإضافة إلى جائزة غولدن غلوب عن فئة أفضل ممثل، مفاجأة بالنسبة لمشاهدي الفيلم.

أولدمان أمسك بأدقّ تفاصيل شخصية تشرشل، الصغيرة قبل الكبيرة، من طريقة التدخين إلى المشي وحتى الصوت، جميعها تفاصيل تُدرَّس. فرئيس الوزراء البريطاني شخصية استثنائية مركّبة وصعبة، وفي الوقت نفسه تلقائية حدّ التهوُّر، بدا واضحاً جداً أن أولدمان اجتهد كثيراً ولم يتمكّن من تجسيدها بالسلاسة التي ظهرت أمامنا على الشاشة.

لكن مهلاً… هل كل الأحداث المذكورة في الفيلم حقيقية؟!

في هذا التقرير، سوف نُجيب على الأسئلة التالية:

  • لماذا استقال رئيس الوزراء نيفيل تشامبرلين؟

استقال تشامبرلين، سلف ونستون تشرشل، بسبب فقدان الثقة في سياسته الخارجية بعدما اضطرَّ الحلفاء إلى الانسحاب من النروج، مما أدّى إلى احتلالها من قِبَل ألمانيا. كان تشامبرلين يقود بريطانيا، بما أصبح يُعرف بـِ «الحرب الهاتفية». وعلى الرغم من توقيع بريطانيا وفرنسا على معاهدات المساعدات العسكرية مع بولندا، لم يقمْ أيّ من البلدين بعملياتٍ هجومية كبيرة بعدما قامت ألمانيا بغزو بولندا في أيلول/سبتمبر 1939. بالإضافة إلى ذلك، رفض حزب العمل والأحزاب الليبرالية الباقية الانضمام إلى الحكومة في حال ترأسها تشامبرلين.

اختيار تشرشل لرئاسة الوزراء حينها كان قراراً، وُصف بـ ِ»المتهوّر»، لأنه شخصية متهوّرة وغير مسؤولة، حتى أن كثيرين كانوا يصفونه بـِ «السكّير المختلّ». وبإدارته للبلاد، كان واضحاً أنه أراد أن يأخذ الحرب إلى مرحلةٍ أكثر نشاطاً، على عكس تشامبرلين، الذي كان أكثر ملاءمة لأن يكون قائداً في زمن السلم. حين غادر رئاسة الوزراء، كان واضحاً أن بريطانيا غير مستعدّة للحرب، بالنسبة إلى أعدائها.

في رحلة البحث عن «ما مدى دقّة Darkest Hour»؟ كان سهلاً أن نحصل على إجابة واضحة: نيفيل تشامبرلين كان مُصاباً بمرض سرطان القولون، وكان يعاني من آلامٍ مستمرّة تقريباً في صيف العام 1940، وتوفّي بسبه في وقتٍ لاحق من العام نفسه (قدَّم تشرشل تأبيناً في جنازته). لذلك، فإن المشهد، الذي يأخذ فيه تشمبرلين المورفين، أصبح له معنى الآن.

  • هل كان تشرشل لئيماً مع موظفيه؟

نعم فعلاً. في فيلم Darkest Hour، قام تشرشل بتوبيخ سكرتيرته الخاصة إليزابيت ليتون (ليلي جيمس) لأنها لم تسمعه صح وكتبت عبارةً غير صحيحة على آلة الطباعة. كانت في يومها الأول من العمل معه، وطلب منها أن تترك العمل بعد أن وصفها بـِ «الحمقاء والغبية». وكما هو الحال في الفيلم، تشرشل لا يحبّ التغيير، كما أنه لا يحبّ آلات الطباعة الصاخبة.

في الحقيقة، لم تحاول إليزابيت العودة مرّة أخرى إلى عملها بعد بضعة أيام. لكن لا يمكن إنكار أن الفيلم صوَّر سلوك تشرشل بدقة مع موظفيه. وبالفعل قامت زوجته كليمنتين لأجل ذلك، بكتابة رسالةٍ إليه، تطلب منه فيها بأن يعاملهم بشكلٍ أفضل.

إليزابيث لايتون الحقيقية أكّدت على أسلوب تشرشل القاسي في التعامل، من خلال مذكراتها Mr. Churchill’s Secretary، التي صدرت العام 1958، كتبت فيها: «هذا الرجل العظيم – الذي يمكنه في أيّ لحظة أن يكون غير صبورٍ، لطيفاً، ساحقاً، كريماً، مُلهماً، صعباً، مزعجاً، مسلّياً، لا يمكن التنبؤ بتصرّفاته، من المستحيل إرضاؤه، ساحراً، متطلّباً، متهوّراً، سريع الغضب والمسامحة – كان شخصية لا يُمكن نسيانها. ستحبّه وتتفانى في العمل لأجله. صعب التعامل معه – نعم، على الأغلب؛ محبّبٌ – دائماً؛ مُسلٍّ – لا يعرف الفشل».

  • هل كانت سكرتيرته إلى جانبه، خلال الأحداث التي صُوّرت في الفيلم؟

لا، دورها في الفيلم خيالي. في الحقيقة، هي لم تصبح سكرتيرة تشرشل الخاصة حتى 5 أيار/مايو 1941، أي في ذروة الحرب. كان ذلك بعد عامٍ على الأحداث في الفيلم. ومع ذلك، ليس من الصعب معرفة سبب تضمينها في الفيلم. كانت سكرتيرته وصديقته المقرّبة طوال فترة الحرب، وأمضت برفقته ساعات طويلة في غرفة قيادة الحرب، داخل مجلس الوزراء تحت الأرض. وقد قامت بذكر الكثير من تفاصيل خبرتها في كتاب مذكراتها العام 1958.

إليزابيت لايتون الحقيقية قامت بالفعل، كما في الفيلم، بتدوين ملاحظات تشرشل وهي جالسة بالقرب من سريره في بعض الأحيان، ورافقته في سيارته الحكومية. لم يستغرقها وقتٌ طويل لتُدرك أنه يملك «قلباً مُحبّاً»، رغم صعوبة التعامل معه. كانت مفتونة بموهبة تشرشل، ككاتبٍ وخطيبٍ، وكتبت عن ذلك «أحياناً، يصبح صوته غليظاً مع عاطفته، وقد تنزل دمعة على خدّه في بعض المناسبات. حين يأتيه الإلهام، كان يتحدّث من خلال حركات يديه، تماماً كما يفعل في خطاباته. تخرج العبارات من فمه مع الكثير من المشاعر، حتى يُخيَّل للسامع أنه مات مع الجنود، أو تعب مع العمّال».

إليزابيث لايتون كانت غير متزوجة خلال الحرب، كما ذكر الفيلم. والتقت بزوجها فرانس نيل خلال احتفالات الفوز في العام 1945 في وايتهول. مهمّتها الأخيرة، في زمن الحرب، كانت تدوين ملاحظات خطاب تشرشل التاريخي، الذي ألقاه في يوم النصر في 8 أيار/مايو 1945.

  • هل كانت زوجة تشرشل، كليمنتين، شخصية محورية في حياته؟

نعم. علاقتهما الودّية تمّ وصفها بدقة في الفيلم. كان بالفعل يطلق عليها اسم Cat (أي القطة)، وهي بالفعل كانت تناديه Pig (أي خنزير). وصحيح أيضاً أن علاقتهما، وعائلتهما عموماً، كانا الداعم الأكبر له في حياته السياسة.

  • هل كان تشرشل متردداً، بشكلٍ كبير، في اتخاذ قرارٍ مفاوضات السلام مع ألمانيا؟

كلا. فعلى الرغم من أن تشرشل كان يردّد أنه سينظر في البنود التي قدّمتها ألمانيا، ضمن وثيقة السلام، إلا أن تشرشل في الحقيقة لم يكن يسعى إلى توقيع اتفاق السلام. بدلاً من ذلك، كان يحاول على الأرجح شراء الوقت حتى يتمّ إجلاء القوات البريطانية بنجاحٍ من شواطئ دنكيرك – التي وُصفت بـِ «المعجزة الحربية». تشرشل لم يكن متردّداً للحظة، فهو كان يعلم أنه لا يمكنه الوثوق بهتلر، وأن مفاوضات السلام ما هي إلا استسلام أخلاقي وضربة ساحقة لأيِّ محاولةٍ من أجل توحيد البلاد.

في 28 أيار/مايو 1940، أعطى تشرشل تعليماته إلى المجلس الحربي قائلاً: «كلُّ واحدٍ منكم يمكنه أن ينهض ويُقصيني من مكاني، إذا كنتُ أتأمّل ولو للحظةٍ واحدة في الاستسلام. إذا كان لا بدَّ لقصة هذه الجزيرة أن تنتهي، فلتنتهِ فقط حين يختنق كلُّ واحدٍ منّا بدمائه على الأرض».

  • هل أجرى تشرشل بالفعل مكالمة هاتفية مع الرئيس روزفلت، في وقتٍ متأخر من الليل، طلباً للمساعدة؟

صحيح أنه في تلك المرحلة من ربيع العام 1940، لم يرغب الأميركيون بأن يكونوا جزءاً من حرب أوروبا.. ومع ذلك، فإن التاريخ لا يرجّح حدوث اتصالٍ في وقتٍ متأخر من الليل، على الإطلاق، كما نشاهد في الفيلم. والسبب بسيط: فخطّ الهاتف المباشر لم يكن موجوداً قبل العام 1943. في فيلم Darkest Hour، تشرشل يسأل روزفلت عن السفن التي اشترتها بريطانيا: «لقد دفعنا ثمنهم بواسطة المال الذي اقترضناه منك». يذكّره روزفلت أنه، بموجب القانون، لا يمكن للولايات المتحدة أن تأتي لإنقاذ بريطانيا. ينتهي المشهد مع تشرشل، الذي يٌقفل الهاتف وهو مُحبط.

لكن ربما كانت المكالمة الهاتفية ترجمة مشهدية للخطاب الحقيقي، الذي كتبه تشرشل إلى روزفلت في 15 مايو 1940، والذي يطلب من خلاله «قرضاً من 40 أو 50 مدمّرة، مئات أنواع الطائرات الحديثة، والمعدّات المضادة للطائرات». في الرسالة، أكد تشرشل على الوضع المزري في أوروبا وضرورة مساعدة الولايات المتحدة.

  • هل أصبح تشرشل والملك جورج السادس صديقين، بعد اجتماعٍ بينهمل في وقتٍ متأخر من الليل؟

كلا. تُشير صحيفة The Telegraph البريطانية إلى أن علاقة الرجلين أخذت وقتاً طويلاً لتتحوَّل إلى صداقة، لا سيما وأن الملك جورج السادس لم يكن معجباً بتشرشل. تمَّ اختصار الوقت في الفيلم. زيارة الملك إلى تشرشل تبدو منطقية نوعاً ما في الفيلم، ولكن بالنظر إلى أن علاقة الرجلين احتاجت إلى وقتٍ طويل (طوال الحرب) من أجل تطوير الاحترام والإعجاب المتبادلين، فإن المشهد يصبح من دون معنى في الترتيب الزمني لأحداث الفيلم.

  • هل صحيح أن تشرشل ركب ميترو لندن، ليلتمس رأي المواطنين في خوض الحرب؟

لا. في الفيلم، نشاهد الملك جورج السادس يقترح على تشرشل، خلال الزيارة التي لم تحصل أساساً في الحياة الحقيقة، أن ينزل بين الناس ويلتمس رأيهم في خوض الحرب أم مفاوضات السلام مع ألمانيا. وبالفعل، نشاهد غاري أولدمان يركب مترو الأنفاق في لندن، وسط دهشة الناس وتأثرهم بخطوته. وعلى الرغم من كونها واحدة من أكثر اللحظات إثارة في الفيلم، إلا أنها غير حقيقة. لا يوجد دليلٌ واحد يذكر أن تشرشل فعل أمراً مماثلاً.

مخرج Darkest Hour جو رايت اعترف بخيالية المشهد، ووصفه بأنه «خيالٌ ناتج عن حقيقةٍ عاطفية». ويقول رايت: «في الكثير من الأحيان، لم يكن أحدٌ يعرف أين تشرشل. وكان معروفاً بحبّه وقربه من الناس».

  • هل كسب غاري أولدمان الوزن ليبدو شبيهاً بتشرشل؟

كلا. وبدلا من ذلك، قام أولدمان بتوظيف فنان الماكياج الأسطوري الياباني كازوهيرو تسوجي، والذي كان تقاعد من قيامه بماكياج الأفلام. عمل تسوجي في السابق على أفلامٍ كثيرة معروفة مثل The Curious Case of Benjamin Button (2008)، وPlanet of the Apes  (2001) وHow the Grinch Stole Christmas (2000).

قال أولدمان (60 عاماً) إنه في سنّه، كان يعلم أنه سيكون من غير الصحّي أن يكسب نحو 22 كيلوغراماً لهذا الدور. وطيلة 48 يوماً من التصوير المستمرّ، حشو البذّة (البدلة) وارتداؤها، بالإضافة إلى وضع الماكياج، كان يستغرق 4 ساعات تقريباً؛ وإزالتها كان يحتاج نحو ساعة.

غاري أولدمان صرَّح، في لقاءٍ مع الممثل ومقدّم البرامج الأيرلندي غراهام نورتون، أنه التقط تسمُّم نيكوتين لأنه كان يدخّن حوالى 12 سيغاراً في اليوم الواحد من أجل تسجيد شخصية ونستون تشرشل. وقال أولدمان: «عانيتُ من آلامٍ كبير في المعدة خلال الأشهر الثلاث، التي أمضيتها في التصوير. وتفاقمت هذه المشاكل كثيراً، لدرجة أني أجريتُ صورة شعاعية للقولون مع حلول عيد الميلاد في العام 2017. «دفعتُ ثمن شخصية تشرشل، لكن الأمر يستحق».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
تشرشل لم يكن متردّداً في قرار الحرب ضدّ هتلر، لم يُجرِ اتصالاً بـِروزفلت، ولم يركب مترو لندن مع الناس.. الأحداث غير الحقيقية في فيلم Darkest Hour!