الأربعاء, 16 يناير 2019
تكنولوجيا

هل سنترك التأليف للآلات الكاتبة والذكاء الاصطناعي؟ البرمجة تعيد تعريف الإبداع وتكتب روايات أدبية

البرمجة تعيد تعريف الإبداع ، ويستعين الروائي روبن سلون بمعاون في روايته الجديدة، وهو جهاز الحاسوب، حسب صحيفة New York Times الأميركية.

قد يُقبل زماننا عما قريب، على فكرة أنَّ مؤلف الرواية شخص يناضل وحيداً في غرفة، مسلَّحاً فقط بالتصميم والإلهام؛ إذ يساعد سلون في كتابه برنامج صُمم بالمنزل، يُنهي الجُمل بالضغط على مفتاح Tab في الحاسوب.

ربما من السابق لأوانه كثيراً إضافة وظيفة «مؤلف روايات» إلى القائمة الطويلة للوظائف التي سيقضي عليها الذكاء الاصطناعي. لكن إذا شاهدت سلون في عمله، فسيتضح سريعاً أنَّ البرمجة على مشارف إعادة تعريف الإبداع.

الحواسيب والذكاء الاصطناعي يبدعان أيضاً

نال سلون الإشادة بعد كتابه الأول Mr. Penumbra’s 24-Hour Bookstore. وهو يؤلف عن طريق كتابة مقتطفات، ثم يرسلها إلى نفسه ويعمل على تحويلها إلى فقراتٍ أطول. تقع أحداث روايته الجديدة، التي ما تزال دون عنوان، في كاليفورنيا بالمستقبل القريب، حيث تحيا الطبيعة من جديد. وفي أحد الأيام، خطَّ سلون هذه الجملة: «عادت حيوانات البيسون إلى الحياة. قطعانها طويلة يصل طولها إلى 50 ميلاً».

عندما أضاف الحاسوب جملة أدبية مناسبة

في مهجعه الذي يعج بالفوضى في مجمعٍ صناعي قريب، جلس للعمل أكثر على جملته المقتضبة. وكتب: «تجتمع أبقار البيسون حول الوادي»، ثم فكر فيما يكتب بعد ذلك، وضغط على مفتاح Tab، فأصدر الحاسوب صوتاً، وحلَّل الجمل القليلة الأخيرة؛ ومن ثم أضاف عبارة «أسفل السماء الصافية».

نالت الجملة إعجاب سلون. وقال: «هذا رائع. أكنتُ سأكتب (سماء صافية) بنفسي؟ ربما نعم وربما لا».

ثم أكمل: «كانت أبقار البيسون تسافر مدة عامين ذهاباً وإياباً»، وبعدها ضغط مجدداً على مفتاح Tab وصدر صوت الحاسوب، ليقترح عليه: «على امتداد المدينة».

وقال سلون: «لم يكن هذا ما أفكر فيه على الإطلاق، لكنَّه جيد. تظهر العبارات الرائعة وأنا أوافق عليها».

لا يمكن تصنيف برنامجه سوى أنَّه أحد ابتكارات الذكاء الاصطناعي. تتعلم الآلة وتسهّل عليه صياغة عباراته وخياله الخاص. وعند مستوى معين، هي فقط تساعده لفعل ما كان يفعله الكُتَّاب الجُدد دوماً؛ أن يستغرقوا تماماً في أعمال أولئك الكُتاب الذين يرغبون في محاكاتهم. على سبيل المثال، كافح هانتر طومسون ليكتب بأسلوب فرانسيس سكوت فيتزجيرالد، فسلك طريقاً مختصراً لتحقيق ذلك الهدف بإعادة كتابة رواية The Great Gatsby عدة مرات .

الكُتّاب هم قُرّاء، والحواسيب أيضاً تقرأ

على أي حال، الكُتّاب هم قُرّاء. وقال سلون: «لقد قرأتُ عدداً لا يُحصى من الكتب والكلمات على مر السنوات، وهذه تغلغلت بدورها في عقلي ثم نضجت معاً بطرقٍ غير معروفة وغير متوقَّعة، وعليه نتجت أمور معينة. لا يمكن أن تكون المُخرَجات سوى نتيجة للمدخلات»، وهنا نقطة مهمة، فالحواسيب أيضاً تستطيع القراءة!

ويمكنها المحاكاة الأدبية

لكن، يمكن توجيه عملية الإدخال في اتجاهاتٍ معينة. فقبل ربع قرن، استخدم مستشار في المراقبة الإلكترونية، يُسمى سكوت فرينش، جهاز ماك ذا إمكانات فائقة، لمحاكاة روايات جاكلين سوزان التي تنضح بالتفاصيل الجنسية. اتبع نهجاً مختلفاً عن نهج سلون. كتب فرينش آلافاً من القواعد بالحاسوب والتي تقترح كيف يُحتمل أن تتفاعل أنواع الشخصيات المختلفة من أعمال سوزان.

استغرق الأمر من فرينش وجهاز الماك 8 سنواتٍ لإنهاء الرواية، وارتأى أنَّه كان بإمكانه أن ينتهي منها بنفسه في عامٍ واحد فقط. ونُشرت روايته Just This Once وعُرضت للبيع، وهو إنجاز كبير في حد ذاته، رغم أنَّها لم تضاهِ نجاح رواية Valley of the Dolls لسوزان، التي احتلت مكاناً في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

بدأ سلون طريقه في تجربة الإبداع بمساعدة الحاسوب، مدفوعاً بأكثر من مجرد «الفضول المبدئي المهووس». وجرَّب كثيرون قبله كتابة الأدب بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

إذا كانت الآلة تستطيع القراءة، فبإمكانها إذاً الكتابة.

استخدمت مجموعة Botnik Studios برنامجاً لاقتراح النصوص لإنتاج 4 صفحات من قصة ألَّفها أحد محبي سلسلة هاري بوتر، ضمت سطوراً مثل: «لقد شاهد هاري بوتر ثم بدأ لتوه في التهام عائلة هيرميوني». وصرَّحت شركة Alibaba Group، شركة التجارة الإلكترونية الصينية، في يناير/كانون الثاني 2018، بتفوق برمجياتها للمرة الأولى على البشر في اختبار عالَمي للقراءة والفهم. إذا كانت الآلة تستطيع القراءة، فبإمكانها إذاً الكتابة.

أراد سلون أن يختبر الأمر. حصل من أرشيف الإنترنت على قاعدة بيانات للنصوص: إصدارات لمجلتَي Galaxy وIF، وهما مجلتا خيال علمي شهيرتان كانتا تصدران في الخمسينيات والستينيات. وبعد عدة محاولات وعثرات، جاء البرنامج بجملة أثارت إعجابه: «مرَّ الزورق ببطء، عابراً ميناء من أحجار الزمرد».

وقال سلون: «قراءة سطر مثل ذلك يدفعك لتقول: (اكتب لي المزيد)».

ويطوّر الذكاء الاصطناعي نفسه مع الوقت

لكن تلك المجلات الأصلية كانت محدودة للغاية ومليئة بالأمثال الشائعة والصور النمطية. لذا، أضاف سلون إلى المجموعة ما يُطلق عليه The California Corpus، التي تتضمن نصوصاً رقمية لروايات كتبها جون ستاينبيك وداشييل هاميت وجون ديديون وفيليب ديك وغيرهم، إضافةً إلى قصائد جوني كاش، والتاريخ المحكي لسيليكون فالي، ومقالات مجلة Wired الأميركية القديمة، وكتاب عن الأسماك، وغيرها. وعلَّق: «البرنامج ينمو ويتغير طوال الوقت».

وعكْس ما فعله فرينش قبل ربع قرن، ربما لن يستخدم سلون مساعِده الحاسوب كنقطة دعاية لطرح الكتاب للبيع بعدما ينتهي من كتابته. فهو يُقيِّد مشاركة الذكاء الاصطناعي في الرواية بدور حاسوب ذكي يضطلع بأحد الأدوار البارزة في الرواية، ما يعني أنَّ غالبية القصة ستكون من وحي إلهامه الخاص. لكن في حين أنَّه لا يملك الرغبة في تسويق البرنامج، فإنَّه مفتون بالاحتمالات. فالكُتَّاب أصحاب المبيعات الضخمة، مثل جون غريشام وستيفن كينغ، كان يمكنهم التسويق نسبياً للبرامج التي تستخدم الكثير من أعمالهم المنشورة، لمساعدة المعجبين لإنتاج نسخ أخرى من رواياتهم.

فهل سنترك التأليف للآلات الكاتبة؟

وبالنسبة للاحتمالات الأبعد، توقَّع أحد كُتّاب الخيال العلمي من منطقة خليج سان فرانسيسكو، منذ فترة طويلة، وقتاً يترك فيه الروائيون مهمة التأليف لـ»الآلات الكاتبة» الحاسوبية. وفي رواية «The Silver Eggheads» لفريتز ليبر عام 1961، يقضي «الروائيون» البشر وقتهم في صقل الآلات وتحسين سمعتهم. وعند محاولتهم التمرد وسحق الآلات، يجدون أنفسهم قد نسوا كيفية الكتابة.

أنهى سلون فقرته وأصبحت بهذا الشكل:

«اصطفَّت حيوانات اليبسون على طول 50 ميلاً تحت أشعة الشمس الدافئة، وتجمعت حول الوادي أسفل السماء الصافية. كانت تسافر مدة عامين، ذهاباً وإياباً على امتداد المدينة. إنَّها تطوف في الضواحي الخارجية، تنخر وتدمدم، مشكِّلةً مصدراً للإزعاج فترة وجيزة، قبل العودة إلى نقطة البداية مرة أخرى، رحلة مستمرة كانت قد توقفت وعادت الآن مرةً أخرى». وقال الكاتب: «يعجبني ذلك، لكنَّه ما يزال بدائياً، ما سيأتي بعد ذلك سيجعل هذه الآلة تبدو كأنها جهاز راديو بلوري يعود إلى قرنٍ مضى».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هل سنترك التأليف للآلات الكاتبة والذكاء الاصطناعي؟ البرمجة تعيد تعريف الإبداع وتكتب روايات أدبية