كواليس محادثات تامبا.. واشنطن تضغط على الجيش اللبناني وتربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/26 الساعة 12:18 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/26 الساعة 12:18 بتوقيت غرينتش
المحادثات بين لبنان وإسرائيل تتعثر وأمريكا تضغط على بيروت/ عربي بوست

كشفت معلومات حصل عليها "عربي بوست" أن المحادثات اللبنانية الإسرائيلية العسكرية التي استضافها مقر القيادة المركزية الأميركية بولاية فلوريدا انتهت من دون تفاهمات عملية، وسط خلافات متصاعدة بين واشنطن وبيروت حول الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان.

مصدر حكومي لبناني رفيع قال إن إسرائيل تمسكت بربط أي انسحاب إضافي من الأراضي اللبنانية بإحراز تقدم ملموس في نزع سلاح حزب الله، بينما أصر الوفد اللبناني على أن وقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة يجب أن يشكلا المدخل الأساسي لأي ترتيبات أمنية جديدة.

المحادثات اللبنانية الإسرائيلية لم ترتقِ إلى مستوى المفاوضات السياسية الفعلية، واقتصرت على مناقشة التفاصيل العسكرية والتقنية للمقترح الأميركي، في ظل غياب استعداد إسرائيلي لتقديم التزامات، واستمرار الخلاف حول صلاحيات الجيش اللبناني وآليات التحقق من تنفيذ الإجراءات الأمنية جنوب نهر الليطاني.

تحفظات لبنانية وضغوط أميركية

أبدت قيادة الجيش اللبناني تحفظات على المشاركة في جولة تامبا، استناداً إلى تقدير عسكري يرى أن الظروف الحالية لا تسمح بتحقيق اختراق. كما تخشى القيادة أن تضعها الاجتماعات المباشرة مع ضباط إسرائيليين، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية، أمام التزامات تتجاوز قدراتها التنفيذية، وفق المصدر الحكومي.

رغم هذه التقديرات، مارست واشنطن ضغوطاً على السلطة السياسية اللبنانية لضمان انعقاد المحادثات اللبنانية الإسرائيلية في موعدها. ودفع ذلك رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى التمسك باستمرار المسار الأميركي، باعتباره القناة المتاحة لمعالجة الوضع الأمني على الحدود.

وحاولت قيادة الجيش تجنب تكريس آلية اتصال عسكري مباشر مع الجانب الإسرائيلي، وطرحت إمكانية مشاركة السفير سيمون كرم، رئيس الوفد اللبناني في المفاوضات السياسية، ما يبقي التواصل ضمن إطار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة.

لكن الجانب الأميركي تمسك بالطابع العسكري للاجتماعات، وبمشاركة الضباط المعنيين مباشرة بالترتيبات الميدانية. ولا يرتبط التحفظ اللبناني بمبدأ التفاوض، وفق المصدر، وإنما بمحاولة إسرائيل الانتقال من آلية المراقبة والتحقق التي تديرها واشنطن إلى صيغة تنسيق عملياتي مباشر بين الجيشين.

تعتبر المؤسسة العسكرية اللبنانية أن هذا التوجه يتجاوز طبيعة مهمتها، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية. ويثير ذلك مخاوف من أن تتحول الترتيبات المقترحة إلى التزامات ميدانية جديدة من دون مقابل واضح على صعيد الانسحاب الإسرائيلي.

خيارات لبنان لتجاوز الجمود

قال مصدر دبلوماسي أوروبي يتابع المحادثات اللبنانية الإسرائيلية إن الجانب الأميركي يعمل على إعداد ترتيبات أمنية مرحلية تستند إلى المناقشات السابقة في روما. وتشمل إعادة انتشار الجيش اللبناني، وتحديد مناطق تجريبية يبدأ فيها تنفيذ الإجراءات الأمنية، ووضع آليات مشتركة للتحقق من خلو هذه المناطق من السلاح غير الشرعي.

تناولت النقاشات إجراءات تفتيش الممتلكات الخاصة، وآلية التعامل مع الأسلحة التي تتم مصادرتها، والجهة المسؤولة عن التحقق من النتائج، إضافة إلى تحديد المناطق التي يمكن الانتقال إليها خلال المرحلة الثانية من تنفيذ الاتفاق.

يتمحور الخلاف الأساسي حول تسلسل الخطوات؛ إذ تطالب إسرائيل بتنفيذ إجراءات نزع السلاح والتحقق منها قبل الانسحاب، بينما يرفض لبنان أن يتحول استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي إلى أداة ضغط دائمة على الجيش والحكومة.

يتضمن المقترح الأميركي اعتماد منطقة تجريبية واسعة نسبياً، يتولى الجيش اللبناني تنفيذ الإجراءات الأمنية داخلها خلال مهلة قد تمتد إلى شهرين أو أكثر، على أن تشكل نتائج هذه المرحلة أساساً للانتقال إلى ترتيبات أوسع.

في المقابل، لا تزال إسرائيل تتمسك بمفهوم المنطقة الأمنية داخل الأراضي اللبنانية، التي تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن امتدادها على مساحة تقارب 700 كيلومتر مربع، مع ربط الانسحاب منها بنزع سلاح حزب الله.

يعكس ذلك تبايناً في تصور الطرفين للمرحلة المقبلة، بين إصرار إسرائيلي على نزع السلاح قبل الانسحاب، ومسعى لبناني لمنع تكريس وجود عسكري إسرائيلي مفتوح المدة.

وفي مواجهة الجمود المتوقع، طرحت بيروت على الإدارة الأميركية 3 خيارات، في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وتراجع فرص التوصل إلى تفاهمات سياسية في المرحلة الحالية، وفق المصدر الحكومي اللبناني.

يقوم الخيار الأول على الاتفاق على منطقة تجريبية كبيرة يتولى الجيش اللبناني تأمينها وتنفيذ الإجراءات المتعلقة بالسلاح داخلها، خلال الفترة الفاصلة بين الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل الحكومة الجديدة. ويتيح ذلك الحفاظ على المسار الأمني من دون الدخول في التزامات سياسية نهائية.

أما الخيار الثاني، فيتمثل في مواصلة المباحثات بصورة ثنائية بين لبنان والولايات المتحدة، والتركيز على الملفات التي يمكن تحقيق تقدم فيها من دون مشاركة إسرائيلية مباشرة، وفي مقدمتها تثبيت الحدود، وتحرير الأسرى اللبنانيين، واستكمال الترتيبات التقنية المتعلقة بانتشار الجيش.

ويتضمن الخيار الثالث إعلان تجميد مؤقت للمفاوضات السياسية إلى حين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، انطلاقاً من تقدير لبناني بأن حكومة بنيامين نتنياهو لا تبدو مستعدة حالياً لتقديم تنازلات يمكن البناء عليها في أي اتفاق.

كان لبنان يميل إلى تجنب عقد جولات سياسية إضافية من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية لا تحقق نتائج ملموسة، لكن واشنطن أصرت على استمرار الاجتماعات العسكرية للحفاظ على قنوات التواصل ومنع انهيار المسار التفاوضي.

ولا تتوقع بيروت تحقيق اختراق سياسي قبل اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية، خصوصاً أن نتنياهو يوظف ملف أمن شمال إسرائيل ونزع سلاح حزب الله ضمن خطابه الانتخابي.

واشنطن توسع الضغوط

لم تعد الضغوط الأميركية مقتصرة على الترتيبات العسكرية في جنوب لبنان، بل امتدت إلى ملفات أمنية وقضائية داخلية، في مقدمتها قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر وبلدة القصر، ومسار تنفيذ قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح، وفق المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست".

وتناول الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالرئيس جوزيف عون 3 ملفات رئيسية، هي مستقبل المفاوضات مع إسرائيل، والتحقيقات في قضية المتفجرات، وقانون مقاطعة إسرائيل.

في ملف المتفجرات، شدد روبيو على ضرورة استكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، باعتبار أن القضية تتصل بالأمن الداخلي والاستقرار. كما طالب بموقف لبناني أكثر وضوحاً بشأن تنفيذ قرارات نزع السلاح، وربط إحراز تقدم في المفاوضات الأمنية بإظهار نتائج عملية على الأرض.

وتطرق الاتصال أيضاً إلى قانون مقاطعة إسرائيل، إذ طرح الجانب الأميركي ضرورة مراجعة القيود القانونية التي تمنع التواصل المباشر مع الإسرائيليين، مع إدراك واشنطن أن تعديل القانون أو إلغاءه يتطلب مساراً تشريعياً داخل مجلس النواب اللبناني.

يعكس جمع هذه الملفات في الاتصالات الأميركية توجهاً لدى واشنطن للتعامل مع قضية سلاح حزب الله باعتبارها ملفاً متكاملاً، يشمل الحدود الجنوبية والإجراءات الأمنية الداخلية والعلاقة المستقبلية بين لبنان وإسرائيل.

وترافقت هذه الضغوط مع تباين بين المسؤولين اللبنانيين والأميركيين بشأن قدرة الجيش على تنفيذ قرارات حصرية السلاح، خصوصاً في المناطق التي يحتفظ فيها حزب الله بنفوذ عسكري وأمني.

وتقوم مقاربة قيادة الجيش على تنفيذ الإجراءات بصورة تدريجية، وتجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى احتكاك مسلح واسع أو تهدد الاستقرار الداخلي، في حين يدفع بعض المسؤولين الأميركيين باتجاه تسريع التنفيذ وإظهار نتائج ملموسة خلال فترة زمنية أقصر.

ترافق هذا التباين مع تصاعد الانتقادات السياسية والإعلامية الموجهة إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وظهور دعوات تطالب بتغيير القيادة العسكرية أو اعتماد مقاربة أكثر حزماً في التعامل مع سلاح حزب الله.

لكن المصدر الحكومي شدد على ضرورة التمييز بين الضغوط السياسية والمطالب المتعلقة بتغيير قيادة الجيش، موضحاً أن الخلاف الأساسي يتمحور حول الوسائل والجدول الزمني لتنفيذ القرارات الحكومية، وليس حول مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة السياسية.

من جانبه، قال المصدر الدبلوماسي الأوروبي إن بعض الدوائر الغربية ترى أن الجيش اللبناني يمتلك القدرة على توسيع انتشاره وتعزيز إجراءات ضبط السلاح، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الانتقال إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله قد يؤدي إلى تداعيات داخلية يصعب احتواؤها.

ولا تتعلق المسألة بالقدرات العسكرية وحدها، بل أيضاً بالغطاء السياسي المطلوب لأي عملية أمنية واسعة، ومدى قدرة الحكومة على الحفاظ على التوازن الداخلي إذا تحولت إجراءات نزع السلاح إلى مواجهة مفتوحة.

ويضع ذلك المؤسسة العسكرية أمام معادلة دقيقة بين تنفيذ القرارات الحكومية والاستجابة للمطالب الأميركية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة داخلية لا تتوافر لها تسوية سياسية واضحة.

خلاف حكومي بسبب ملف المتفجرات

تزامنت هذه التطورات مع خلاف داخل مجلس الوزراء اللبناني بشأن إحالة ملفي المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر والقصر إلى المجلس العدلي، بعدما طالب وزير العدل عادل نصار باتخاذ القرار قبل انتهاء التحقيقات.

وتمسك رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بضرورة استكمال التحقيقات القضائية والأمنية قبل اتخاذ قرار الإحالة، تجنباً لتحويل القضية إلى مواجهة سياسية قد تنعكس على عمل المؤسسات الأمنية والقضائية، وفق المصدر الحكومي.

في المقابل، أيد وزراء القوات اللبنانية الإحالة الفورية، باعتبار أن القضية تمس الأمن القومي والسلم الأهلي. وأدى الخلاف إلى مغادرتهم جلسة مجلس الوزراء اعتراضاً على عدم إقرار الطلب.

وأوضح المصدر أن موقف رئيسَي الجمهورية والحكومة لا يعني استبعاد إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وإنما تأجيل القرار إلى حين استكمال المعطيات القضائية وتحديد المسؤوليات بصورة واضحة.

وأضاف أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أبدى قلقاً متزايداً من ارتفاع مستوى التوتر السياسي، ولا سيما مع تزامن قضية المتفجرات مع الضغوط الأميركية المتعلقة بسلاح حزب الله وقانون مقاطعة إسرائيل.

ويكشف هذا الخلاف عن حساسية الملفات الأمنية المطروحة داخل لبنان، في وقت تتقاطع فيه التحقيقات القضائية مع مطالب خارجية بتسريع إجراءات حصرية السلاح. كما يبرز التحدي الذي تواجهه الحكومة في التعامل مع القضية من دون الإضرار بعمل المؤسسات أو توسيع الانقسام السياسي.

تحذيرات أميركية وأوروبية

بالتوازي مع المسار التفاوضي، نقلت قنوات أميركية وفرنسية تحذيرات إلى المسؤولين اللبنانيين بشأن احتمال انخراط حزب الله في أي مواجهة عسكرية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، وفق المصدر الدبلوماسي الأوروبي.

تضمنت الرسائل التي وصلت إلى بيروت تحذيراً من أن أي مشاركة عسكرية للحزب في مواجهة إقليمية قد تؤدي إلى رد إسرائيلي واسع، لا يقتصر على المواقع العسكرية في جنوب لبنان، بل قد يمتد إلى البنية التحتية التابعة للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى.

ونُقلت هذه التحذيرات أيضاً عبر قنوات سياسية إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، بهدف إيصالها إلى قيادة حزب الله، في ظل مخاوف غربية من أن يؤدي أي تصعيد إقليمي إلى انهيار الترتيبات الأمنية الجاري بحثها.

ويقوم التقدير الأوروبي على أن إسرائيل قد تستغل أي تدخل عسكري للحزب لتوسيع عملياتها داخل لبنان وفرض وقائع أمنية جديدة، خصوصاً أن القيادة الإسرائيلية تربط أمن الجبهة الشمالية بإضعاف القدرات العسكرية لحزب الله.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية في ظل تعثر المفاوضات بشأن الانسحاب الإسرائيلي، إذ يخشى الجانب الأوروبي أن يؤدي انتقال المواجهة إلى المستوى الإقليمي إلى تقويض المسار التفاوضي، ومنح إسرائيل مبرراً لتوسيع عملياتها، ما يفرض واقعاً أمنياً جديداً داخل الأراضي اللبنانية.

حزب الله ينتظر التفاوض الأميركي الإيراني

لم تحقق الاتصالات السياسية الهادفة إلى فتح حوار مباشر بين حزب الله ورئاسة الجمهورية تقدماً، رغم المحاولات الداخلية والخارجية لإيجاد صيغة تسمح بمناقشة مستقبل السلاح والترتيبات الأمنية، وفق المصدر الحكومي اللبناني.

ولا تبدو قيادة الحزب مستعدة، في المرحلة الحالية، للدخول في تفاهمات منفصلة عن التطورات الإقليمية، إذ تفضل انتظار اتضاح مسار المواجهة والتفاوض بين الولايات المتحدة وإيران قبل اتخاذ قرارات تتعلق بمستقبل قدراتها العسكرية.

ويتعامل الحزب مع الضغوط الحالية باعتبارها جزءاً من محاولة لفرض تنازلات متدرجة عليه، ويخشى أن يؤدي القبول بإجراءات أولية إلى مطالب إضافية تتجاوز ما يمكنه تقديمه سياسياً وأمنياً، بحسب المصدر.

كما جرت اتصالات غير مباشرة عبر أطراف ثالثة لاستكشاف إمكانية فتح حوار معه، من دون التوصل حتى الآن إلى تفاهم بشأن جدول الأعمال أو مستوى التمثيل.

في المقابل، يرى المصدر الدبلوماسي الأوروبي أن استمرار الجمود في الحوار الداخلي يزيد صعوبة مهمة الجيش اللبناني، لأنه يترك المؤسسة العسكرية أمام مطالب تنفيذية متصاعدة من دون تسوية سياسية واضحة تحدد كيفية التعامل مع سلاح حزب الله.

ويتوقع المصدر استمرار الضغوط الأميركية للحفاظ على المسار العسكري مع إسرائيل خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع محاولة دفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات إضافية في ملف حصرية السلاح.

وتشير تقديرات المصادر إلى أن اجتماعات تامبا، رغم محدودية نتائجها، كشفت انتقال الخلاف من التفاصيل التقنية المتعلقة بالانتشار والانسحاب إلى مسألة أوسع تتصل بدور الجيش اللبناني وحدود قدرته على تنفيذ الترتيبات المطلوبة، في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية وغياب التفاهم السياسي الداخلي.

تحميل المزيد