كشفت مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" أن إسرائيل تستغل فترة تأجيل الجولة الجديدة من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية لتثبيت وقائع ميدانية جديدة في جنوب لبنان، عبر تحركات عسكرية وهندسية للجيش الإسرائيلي على 3 محاور رئيسية.
الهدف، وفق القراءة السائدة داخل المؤسسات الرسمية اللبنانية، هو دخول أي جولة تفاوضية مقبلة بخريطة ميدانية مختلفة، تتضمن أكبر قدر ممكن من التلال والطرق والعقد والمناطق الحاكمة التي تستطيع إسرائيل فرض سيطرتها الأمنية عليها.
وتبرز دير ميماس في هذا السياق باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية، بعدما تحولت حادثة وقعت فيها مؤخراً إلى خلاف مباشر حول الجهة التي تملك حق إدارة الحركة داخل أرض لبنانية وضعتها إسرائيل ضمن ما تسميه "المنطقة الأمنية".
لا تتوقف المخاوف اللبنانية عند دير ميماس، إذ تحدثت مصادر عسكرية لـ"عربي بوست" عن تحركات عسكرية إسرائيلية في قطاعات الشرق والوسط والغرب، وسط خشية من أن تتحول العمليات المؤقتة إلى وقائع ثابتة تستخدم لاحقاً كمرجع في المفاوضات.
دير ميماس.. اختبار "الخط الأصفر"
في 10 سبتمبر/ أيلول 2026، أقام الجيش اللبناني نقطة مراقبة مؤقتة عند أطراف دير ميماس، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان "MCG4L"، بهدف مواكبة الأهالي أثناء توجههم إلى أراضيهم الزراعية.
في 18 سبتمبر/ أيلول، اقتربت قوة إسرائيلية من النقطة وألقت قنابل صوتية في محيطها، قبل أن يعزز الجيش اللبناني وجوده ويدخل الطرفان في حالة استنفار. وأعلن الجيش رسمياً أن الاتصالات عبر مجموعة التنسيق أدت إلى مغادرة القوة الإسرائيلية المكان، ثم عودة عناصر الجيش إلى مركزهم الأساسي في البلدة.
لكن مصادر حكومية تقول إن أهمية الحادثة تتجاوز تفاصيل الاحتكاك العسكري، إذ إن النقاش الذي أعقبها تناول موقع ما تسميه إسرائيل "الخط الأصفر"، وهو خط عمليات إسرائيلي لا تعترف به الدولة اللبنانية باعتباره حدوداً أو بديلاً من الخط الأزرق.
وبحسب المعلومات المتوافرة لدى الجانب اللبناني، يجري التعامل مع دير ميماس باعتبارها إحدى النقاط التي تحاول إسرائيل فيها فرض تفسيرها الخاص لنطاق سيطرتها الأمنية.
تكمن الإشكالية، وفق المصادر، في أن تثبيت هذا الواقع لفترة طويلة قد يحول خطوط العمليات العسكرية المؤقتة إلى نقاط مرجعية في أي مفاوضات مقبلة.
لذلك يتمسك الجيش بالحفاظ على وجوده في المناطق التي يستطيع الوصول إليها، حتى عندما لا تسمح الظروف العسكرية له بالدخول في مواجهة مباشرة مع القوات الإسرائيلية.
3 محاور لإعادة رسم جنوب لبنان
لا تنظر المؤسسات اللبنانية إلى دير ميماس باعتبارها حالة منفصلة. وتقول مصادر عسكرية لبنانية لـ"عربي بوست" إن الجيش يتابع تحركات إسرائيلية على 3 محاور رئيسية في الجنوب، وسط قلق من الانتقال من عمليات التوغل والهدم الموضعية إلى محاولة إنشاء نطاق أمني أكثر تماسكاً جغرافياً.
يقوم هذا التصور، بحسب المصادر، على السيطرة على التلال والممرات والطرق الحاكمة، ما يمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على المراقبة والتحكم بالحركة في مناطق واسعة من الجنوب.
يمتد المحور 1 في القطاع الشرقي، من المنطقة المحيطة بالنبطية وعلي الطاهر باتجاه كفرتبنيت ودير ميماس وبرج الملوك وكفركلا. وكانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق تدمير أنفاق في مرتفعات علي الطاهر، فيما شهدت المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة عمليات عسكرية وهندسية واسعة.
تقول المصادر إن السيطرة على المرتفعات لا تُقرأ فقط في إطار البحث عن منشآت حزب الله، بل أيضاً ضمن محاولة الإمساك بنقاط تسمح بالمراقبة والسيطرة النارية على المحاور التي تربط شمال الليطاني بجنوبه.
أما المحور 2 فيتركز في القطاع الأوسط، وخصوصاً محيط شقرا وحداثا ووادي الحجير ووادي السلوقي. وتراقب الأجهزة اللبنانية احتمال تكثيف العمليات الإسرائيلية في هذه المنطقة، باعتبار أن الوديان والمسارات الموجودة فيها كانت تاريخياً جزءاً من البنية الجغرافية التي يستخدمها حزب الله للحركة والانتشار.
في القطاع الغربي، يمتد المحور 3 من المنصوري باتجاه مجدل زون وزبقين والمناطق الواقعة شرق الساحل. ووفق المعلومات اللبنانية، تربط إسرائيل عملياتها هناك بادعائها وجود أنفاق ومستودعات ومنشآت عسكرية لحزب الله.
لكن بيروت تخشى أن يؤدي استمرار التقدم الإسرائيلي في هذه المنطقة إلى توسيع نطاق الإشراف العسكري على الطرق المؤدية إلى صور.
تشير المعطيات الميدانية المتداولة لبنانياً إلى نمط متكرر: توغل محدود، يتبعه منع المدنيين من الوصول إلى منطقة معينة، ثم عمليات تجريف أو هدم وإنشاء سواتر أو فتح طرق عسكرية، قبل أن تدخل المنطقة الجديدة في الاتصالات السياسية والعسكرية باعتبارها واقعاً قائماً.
وهذا تحديداً هو السيناريو الذي تخشى بيروت تكراره على أكثر من محور قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.
الجولة 8 تتجه إلى التأجيل
بالتوازي مع التطورات الميدانية، يمر المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي بمرحلة انتظار. وتقول مصادر دبلوماسية عربية مطلعة على الاتصالات إن الخلاف لم يعد متعلقاً بالتفاصيل التقنية فقط، وإنما بتسلسل الخطوات بين الطرفين.
ويريد لبنان، وفق المصادر، ربط أي تقدم إضافي بانسحاب إسرائيلي واضح وخفض العمليات العسكرية، بينما تصر إسرائيل على ربط الانسحاب بتحقيق تقدم ملموس في ملف سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني.
كانت الجولة التالية من المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة متوقعة خلال سبتمبر/ أيلول، قبل أن تتجه الاتصالات إلى تأجيلها. وأعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال زيارته النبطية أنه لا توجد مفاوضات جديدة في الوقت الحالي، بينما أفادت تقارير بأن الجولة المرتقبة لن تُعقد قبل أكتوبر/ تشرين الأول.
تضيف المصادر الدبلوماسية أن المشكلة بالنسبة إلى بيروت هي أن فترة الفراغ التفاوضي ليست هادئة ميدانياً. ففي الوقت الذي تتوقف فيه المفاوضات، تستمر إسرائيل في العمليات والتوغلات والهدم وتغيير بعض الوقائع على الأرض.
وبذلك، تصبح نقطة البداية في الجولة المقبلة مختلفة عن تلك التي انتهت عندها الجولة السابقة، وهو ما يزيد أهمية ما يجري على الأرض خلال فترة الانتظار.
لهذا تتعامل الحكومة اللبنانية مع تحركات الجيش في النبطية ومناطق أخرى باعتبارها جزءاً من محاولة إثبات قدرة الدولة على الانتشار، وفي الوقت نفسه توفير حجة سياسية أمام واشنطن والعواصم الأوروبية للمطالبة بانسحاب إسرائيلي مقابل كل خطوة لبنانية قابلة للتحقق.
معركة على دور الجيش واليونيفيل
تقول مصادر حكومية إن الخلاف حول الجيش اللبناني أصبح في صلب المفاوضات غير المباشرة. فإسرائيل تريد من الجيش أن يكون الجهة المسؤولة عن منع إعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله، ولا تعتبر مجرد الانتشار العددي كافياً.
أما الحكومة اللبنانية فتريد أن يقترن توسيع انتشار الجيش في جنوب لبنان بانسحاب إسرائيلي متدرج، لأن تكليف المؤسسة العسكرية بإدارة مناطق تحت النار أو بمحاذاة قوات إسرائيلية سيضعها أمام احتكاكات متكررة، على غرار ما حدث في دير ميماس.
هنا تبرز أيضاً مسألة مستقبل اليونيفيل، فقد ناقش اجتماع باريس في 17 سبتمبر/ أيلول الاحتياجات العسكرية والأمنية اللبنانية والخيارات المطروحة للمرحلة التي تلي الانسحاب المقرر لقوة الأمم المتحدة. وشملت الخيارات ترتيبات دولية محتملة لدعم الجيش في مجالات التدريب والتجهيز والاستخبارات والمراقبة.
وتقول مصادر دبلوماسية عربية إن النقاش لا يتعلق فقط بكيفية تعويض العدد العسكري الذي توفره اليونيفيل، بل أيضاً بمن سيتولى وظيفة الاتصال والفصل والتحقق الميداني بين لبنان وإسرائيل.
جبل الشيخ يدخل الحسابات اللبنانية
بالتوازي مع جنوب لبنان، تراقب بيروت التحركات الإسرائيلية في جبل الشيخ والجنوب السوري. وتقول مصادر أمنية لبنانية لـ"عربي بوست" إن أهمية المنطقة بالنسبة إلى إسرائيل لا ترتبط فقط بالجبهة السورية، بل بقدرتها على مراقبة المثلث الذي يصل جنوب سوريا بالبقاع الغربي والقطاع الشرقي من جنوب لبنان.
وسجل الجانب اللبناني خلال الفترة الأخيرة عمليات تجريف وفتح طرق وإدخال تعزيزات إلى مواقع إسرائيلية في منطقة جبل الشيخ.
ولا توجد لدى المصادر معطيات تؤكد وجود قرار إسرائيلي بالتقدم من هناك إلى داخل الأراضي اللبنانية، لكنها تعتبر أن توسيع البنية العسكرية في المنطقة يمنح إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة البقاع الغربي وجبل الريحان وإقليم التفاح والطرق الواصلة بينها وبين الجنوب.
في المقابل، تقول مصادر مقربة من حزب الله لـ"عربي بوست" إن الحزب لا يتعامل مع التطورات الجنوبية باعتبارها ملفاً لبنانياً منفصلاً عن المواجهة الإقليمية.
بحسب المصادر، فإن تقدير الحزب هو أن شكل التسوية التي ستنتهي إليها المواجهة في مضيق هرمز وباب المندب والعلاقة الأمريكية–الإيرانية سيؤثر مباشرة في لبنان، سواء في ملف وقف العمليات الإسرائيلية أو سلاح الحزب أو شكل الحكومة والتوازنات الداخلية.
يأتي ذلك بينما يشهد الإقليم تصعيداً متزايداً في الممرات البحرية، إذ أعلنت إيران أخيراً استهداف ناقلة نفط في مضيق هرمز، بالتزامن مع استمرار اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب بفعل عمليات الحوثيين.
وتقول المصادر إن لبنان حاضر ضمن الاتصالات الإقليمية، لكن ليس بوصفه الملف 1، فالأولوية الأمريكية والخليجية الحالية هي منع انتقال التصعيد في هرمز وباب المندب إلى مواجهة إقليمية أوسع. وفي المقابل، تحاول بيروت منع استخدام فترة الانتظار لإعادة رسم الوضع الميداني في الجنوب.
أخطر السيناريوهات.. تثبيت الوضع القائم
تقول المصادر الدبلوماسية إن المفارقة الأساسية تتمثل في أن استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" قد يصبح بحد ذاته عاملاً يدفع نحو تصعيد إضافي.
إذ إن غياب اتفاق جديد يسمح لإسرائيل بمواصلة العمليات تحت عنوان منع حزب الله من إعادة بناء قدراته، بينما يمنح الحزب وإيران مبرراً لربط الساحة اللبنانية بالتسويات الإقليمية.
في الوقت نفسه، لا تستطيع الدولة اللبنانية تنفيذ انتشار مستقر في مناطق تبقى عرضة للضربات والتوغلات، ما يجعل مهمة الجيش مرتبطة باستمرار بحدود الحركة التي تسمح بها الظروف الميدانية.
لهذا ستكون الأسابيع المقبلة مرحلة اختبار للمعادلة الجديدة: إسرائيل تحاول تثبيت أكبر قدر ممكن من الوقائع قبل الجولة التفاوضية المقبلة، بينما يحاول لبنان توسيع انتشار الجيش وربط كل خطوة أمنية لبنانية بخطوة مقابلة من الجانب الإسرائيلي.