سوريا والانضمام إلى “حلف مكة”.. مصادر تكشف تفاصيل تحركات الشرع في الرياض وأين وصل النقاش

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/08 الساعة 18:18 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/08 الساعة 18:18 بتوقيت غرينتش
هل باتت سوريا قريبة من الانضمام إلى "حلف مكة"/ عربي بوست

كشفت معلومات دبلوماسية سورية وعربية مطلعة على المشاورات الإقليمية أن مسألة انضمام دمشق إلى "حلف مكة" باتت مطروحة للنقاش الجدي، بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض ولقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

بحسب المصادر، لم يصل النقاش حتى الآن إلى قرار نهائي بشأن العضوية في الحلف الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، لكن هناك توجهاً لإيجاد صيغة تسمح لسوريا بالمشاركة في بعض أوجه التعاون الأمني والعسكري قبل حسم مسألة الانضمام الرسمي إلى الحلف.

تأتي هذه التطورات بعد الإعلان عن تفعيل الترتيبات الدفاعية المعروفة باسم "حلف مكة"، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية في اليمن واحتمالات تجدد المواجهة الأميركية الإيرانية، ما يضع العلاقات السورية السعودية أمام مرحلة جديدة تتجاوز التعاون السياسي والاقتصادي إلى تفاهمات أمنية ودفاعية أوسع.

الرياض تبحث عن صيغة أمنية مع دمشق

قال مصدر دبلوماسي سوري لـ"عربي بوست" إن دمشق تنظر إلى علاقتها مع السعودية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لإعادة تموضعها العربي والإقليمي، وتسعى إلى تحويل الدعم السياسي والاقتصادي السعودي إلى شراكة طويلة الأمد تشمل التنسيق الأمني والدفاعي.

وفق المصدر، فإن أهمية زيارة الرئيس السوري الأخيرة تكمن في توقيتها، إذ جاءت بعد تفعيل آليات الدفاع المشترك بين السعودية وشركائها الإقليميين، وبالتزامن مع العمليات العسكرية في اليمن، ما جعل الملفات الأمنية حاضرة إلى جانب الملفات الاقتصادية.

ويشير المصدر إلى أن دمشق تدرك أن تثبيت موقعها الإقليمي لم يعد مرتبطاً فقط بإعادة الإعمار، بل بقدرتها على بناء شبكة علاقات تساعدها في التعامل مع التهديدات المحيطة بها، خصوصاً الاعتداءات الإسرائيلية والتحركات العسكرية على الحدود ونشاط المجموعات المرتبطة بإيران.

في هذا السياق، تشير المعلومات إلى لقاء مطول جرى بين الشرع ووزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، عقب اجتماع الرئيس السوري بولي العهد، فضلاً عن تولي وزير الدفاع السعودي وداع الشرع لدى مغادرته المملكة.

ويرى المصدر الدبلوماسي العربي أن هذه المسارات تعكس اهتماماً سعودياً بتطوير العلاقة الأمنية مع دمشق، ضمن توجه أوسع لإعادة تنظيم التحالفات الإقليمية، خصوصاً أن الرياض تنظر إلى سوريا باعتبارها حلقة جغرافية مهمة بين الخليج وتركيا وشرق المتوسط.

لكن النقاش حول "حلف مكة" لا يتعلق فقط بموقع سوريا السياسي، وإنما بطبيعة الالتزامات التي قد تترتب على أي صيغة تعاون مع الحلف، وحدود مساهمة دمشق في منظومة الدفاع المشترك وانعكاسات ذلك على علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

يكشف المصدر الدبلوماسي السوري أن دمشق تدرس خيارين أساسيين: الانضمام التدريجي إلى الترتيبات الدفاعية، أو الاكتفاء في المرحلة الأولى بالتنسيق الأمني والاستخباراتي والعسكري مع الدول المشاركة، من دون إعلان العضوية الرسمية.

أما المصدر الدبلوماسي العربي، فيوضح أن أحد التصورات المطروحة يقوم على الفصل بين العضوية السياسية والمشاركة العملياتية، ما يسمح لسوريا بالمساهمة في مجالات محددة، مثل تبادل المعلومات بشأن الجماعات المرتبطة بإيران، وأمن الحدود والتدريب والتأهيل العسكري.

ولا يستبعد المصدر الدبلوماسي أن تتطور هذه التفاهمات مستقبلاً إلى مشاركة سورية في مهام أمنية أو عسكرية مرتبطة بأمن السعودية، سواء عبر وحدات منظمة أو مساهمات محدودة، لكن ذلك يبقى مشروطاً باتفاقات سياسية وعسكرية لم يُعلن التوصل إليها.

ويعتبر أن السيناريو الأقرب حالياً هو توسيع التعاون من دون استعجال الانضمام الرسمي، خصوصاً أن دمشق لا ترغب في استفزاز إسرائيل أو الانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة، فيما تنشغل الدول المشاركة في الحلف بملفات اليمن والبحر الأحمر وإيران.

تركيا وباكستان.. بناء شبكة دفاعية جديدة

لا تنحصر حسابات دمشق بالسعودية، فالعلاقة الاستراتيجية مع تركيا تمنحها فرصة لتطوير قدراتها العسكرية والأمنية، في وقت تبحث فيه عن شركاء قادرين على توفير المعدات والتقنيات الدفاعية والتدريب.

إذ كشف المصدر الدبلوماسي السوري في تصريح لـ"عربي بوست" عن وجود مباحثات متقدمة مع باكستان بشأن التعاون العسكري والتقني، خصوصاً في المجالات المرتبطة بإعادة تأهيل القوات السورية وتطوير قدراتها الدفاعية.

ويشير إلى أن دمشق تنظر إلى الخبرات التركية والباكستانية باعتبارها أحد الخيارات المتاحة لتعزيز قدراتها، خصوصاً في المعدات التقنية واللوجستية والتدريب، مع إبقاء تفاصيل الاتفاقات المحتملة خاضعة للمفاوضات.

في المقابل، يرى المصدر الدبلوماسي العربي أن انضمام سوريا إلى ترتيبات دفاعية تشارك فيها تركيا وباكستان يمكن أن يفتح أمامها قنوات إضافية للحصول على الدعم العسكري، ويمنحها ثقلاً سياسياً في مواجهة الضغوط الإسرائيلية.

يضيف المصدر أن السعودية تسعى، من خلال توسيع التعاون مع أنقرة وإسلام آباد، إلى تنويع خياراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها الحصري على الولايات المتحدة، في ظل التباينات بشأن حدود الانخراط الأميركي في الحرب ضد الحوثيين.

وتتحدث المعلومات المتداولة عن ترتيبات لإرسال مستشارين عسكريين ومعدات تقنية تركية وباكستانية إلى المملكة، بالتوازي مع تفعيل بروتوكولات التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات، ما قد يؤسس لشبكة دفاعية إقليمية تتجاوز التعاون الثنائي التقليدي.

في هذا السياق، لا تبدو سوريا أمام خيار منفصل عن إعادة ترتيب شبكة علاقاتها الإقليمية، إذ إن أي تعاون مع "حلف مكة" سيتقاطع مع علاقاتها بتركيا وقطر وباكستان، ومع طبيعة الشراكة الدفاعية التي تعمل السعودية على تطويرها.

وتشير المعطيات التي يقدمها المصدران إلى أن دمشق تسعى إلى توسيع هامش خياراتها الأمنية والعسكرية، من دون الانتقال سريعاً إلى التزامات قد تفرض عليها الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة.

إسرائيل.. بناء توازن مع إبقاء التفاوض مفتوحاً

يشكل العامل الإسرائيلي أحد أبرز دوافع دمشق لتوسيع شبكة تحالفاتها، وفق المصدر الدبلوماسي السوري، الذي يؤكد أن القيادة السورية لا ترغب في إغلاق قنوات التفاوض مع إسرائيل، لكنها ترفض أن تصبح هذه المفاوضات خيارها الوحيد.

يوضح المصدر أن الاتصالات السورية الإسرائيلية، التي تجري بصورة متقطعة وبرعاية أميركية، لم تنتج حتى الآن ترتيبات كافية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، ما يدفع دمشق إلى البحث عن أدوات إضافية لتحسين موقعها التفاوضي.

من هذا المنطلق، يمثل توثيق العلاقات مع السعودية وتركيا وقطر، وتوسيع التعاون العسكري مع باكستان، محاولة لبناء توازن سياسي وأمني يمنع إسرائيل من التعامل مع سوريا باعتبارها طرفاً يفتقر إلى الخيارات البديلة.

ويعتبر المصدر الدبلوماسي العربي أن انضمام سوريا إلى "حلف مكة"، إذا تحقق، سيحمل رسالة سياسية واضحة إلى إسرائيل بشأن اتساع شبكة الشراكات الإقليمية لدمشق، لكنه لن يعني بالضرورة التزام الدول المشاركة بخوض مواجهة عسكرية دفاعاً عن الأراضي السورية.

ويشير إلى أن الهدف السوري هو رفع الكلفة السياسية لأي تصعيد إسرائيلي جديد، بالتوازي مع الحفاظ على العلاقة مع واشنطن واستمرار المساعي الدبلوماسية.

في الوقت نفسه، فإن صيغة التعاون التي يجري بحثها لا تبدو، وفق المصادر، مرتبطة فقط بالتهديد الإسرائيلي، وإنما تتصل أيضاً بالتطورات في اليمن والبحر الأحمر والتوتر الأميركي الإيراني.

تأتي النقاشات بشأن الدور السوري المحتمل في وقت يشهد فيه اليمن تصعيداً عسكرياً، بالتزامن مع استمرار التوتر الأميركي الإيراني، ما يضع "حلف مكة" أمام اختبار فعلي لقدرته على تحويل التفاهمات السياسية إلى تنسيق ميداني.

ويقول المصدر الدبلوماسي العربي إن السعودية تنظر إلى التهديدات المرتبطة بالحوثيين باعتبارها جزءاً من تحدٍّ أمني أوسع يشمل حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب والمنشآت الحيوية.

ويضيف أن التعاون مع تركيا وباكستان يوفر للرياض خيارات إضافية في الدعم التقني والعسكري والاستخباراتي، خصوصاً في ظل عدم استعداد واشنطن للانخراط في جميع السيناريوهات العسكرية المطروحة.

اليمن وإيران.. ما الدور الذي يمكن أن تلعبه دمشق؟

في هذا السياق، يبرز الدور السوري المحتمل من خلال المعلومات المتوافرة لدى دمشق بشأن نشاط المجموعات المرتبطة بإيران في سوريا والعراق ولبنان، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يمنحها أهمية في مراقبة التحركات العابرة للحدود.

لكن المصدر الدبلوماسي العربي يستبعد أن تكون الأولوية الحالية إدخال القوات السورية مباشرة في الحرب اليمنية، معتبراً أن دمشق لا تزال منشغلة بإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية.

ويرى أن الاختبار الأكبر للحلف سيظهر في كيفية التعامل مع أي تصعيد إيراني جديد يستهدف دول الخليج أو حركة الملاحة بين مضيق هرمز وباب المندب، خصوصاً أن تركيا وباكستان تحاولان الجمع بين توسيع التعاون الدفاعي مع الرياض والحفاظ على قنواتهما السياسية مع طهران.

في موازاة التقارب السوري السعودي، تتجه بيروت ودمشق إلى مقاربتين مختلفتين في إدارة علاقاتهما الخارجية، رغم حرص البلدين على الحفاظ على علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة.

بحسب المصدر الدبلوماسي العربي، تمتلك سوريا هامشاً أوسع لتنويع شراكاتها، مستفيدة من علاقتها الاستراتيجية مع تركيا والسعودية وقطر، بينما تتركز الجهود اللبنانية على تثبيت العلاقة مع واشنطن والحصول على ضمانات مرتبطة بالترتيبات الأمنية في الجنوب.

ويشير المصدر إلى أن لبنان يسعى إلى تعزيز علاقاته مع الإمارات وقبرص واليونان، وتوسيع انخراطه في مشاريع الربط الاقتصادي والطاقة في شرق المتوسط، لكنه لا يزال بعيداً عن الترتيبات الدفاعية التي يجري تطويرها ضمن "حلف مكة".

وتكتسب هذه المقارنة أهمية في ضوء استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، والمفاوضات المتعلقة بالترتيبات الأمنية، والبحث في مستقبل القوة الدولية التي قد تحل محل اليونيفيل.

يقول المصدر إن دولاً أوروبية أبدت استعداداً للمشاركة في ترتيبات أمنية بديلة، لكن واشنطن وتل أبيب تتمسكان بإعطاء الأولوية للتفاهمات المنبثقة عن مسار التفاوض القائم، بينما تحاول بيروت الحفاظ على دور للأمم المتحدة والشركاء الأوروبيين.

في المقابل، تسعى دمشق إلى استخدام علاقاتها الإقليمية لتحسين موقعها في التفاوض مع إسرائيل، من دون التخلي عن القنوات الأميركية.

وبذلك، فإن الحسابات الأمنية السورية لا تتجه نحو اختيار محور واحد، وإنما نحو توسيع شبكة العلاقات التي يمكن أن تمنح دمشق مساحة أكبر في التعامل مع الضغوط الإسرائيلية والإقليمية، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

البعد الاقتصادي لـ"حلف مكة"

لا تقتصر المكاسب المحتملة للتقارب السوري مع "حلف مكة" على الجوانب الدفاعية، إذ يبرز البعد الاقتصادي والجغرافي بوصفه عنصراً أساسياً في الحسابات السورية والسعودية.

يقول المصدر الدبلوماسي السوري إن دمشق تسعى إلى استعادة دورها بوصفها نقطة ربط بين الخليج وتركيا وأوروبا، عبر مشاريع النقل البري والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات، بما فيها إعادة إحياء خط الحجاز.

وتبرز كذلك أهمية الممرات المحتملة لنقل النفط والغاز العراقي عبر الأراضي السورية نحو البحر المتوسط، باعتبارها أحد الخيارات التي قد تقلل الاعتماد على مضيق هرمز.

ويرى المصدر العربي أن دمج سوريا في هذه المشاريع يمنح السعودية وتركيا فرصاً لتطوير خطوط الربط الإقليمي، ويعزز موقع دمشق في الحسابات الاقتصادية والأمنية، خصوصاً في ظل التنافس على الممرات التجارية وأمن الطاقة.

وتشير المعطيات التي يقدمها المصدران إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من الاتصالات السورية السعودية، بالتوازي مع توسيع المشاورات مع تركيا وباكستان بشأن التعاون العسكري والتقني، من دون حسم قرار الانضمام الرسمي إلى "حلف مكة".

تحميل المزيد