بعد أيام قليلة من توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/ آب 2026، بدا أن الاتفاق أنتج مفارقة سياسية لافتة.
ففي حين قالت إيران إنه "لا مدعاة للقلق" من الاتفاق، وإن أي ترتيبات أمنية تقودها دول المنطقة بعيداً عن التدخلات الخارجية يمكن أن تكون تطوراً إيجابياً، قرأت صحف ومراكز أبحاث إسرائيلية الاتفاق باعتباره خسارة لإسرائيل ومؤشراً على تحول قد يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية ويمنح دول الاتفاق هامشاً أوسع لبناء منظومة أمنية مستقلة عن الترتيبات التقليدية التي قادتها الولايات المتحدة لعقود.
ويكشف هذا التباين أن أهمية الاتفاق تتجاوز بنود الدفاع المشترك، لتعكس تحولاً أوسع في الطريقة التي تعيد بها قوى الشرق الأوسط تعريف أمنها وتحالفاتها. وبين هذين الموقفين يبرز السؤال الأهم: لماذا احتاجت 3 دول ترتبط جميعها بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة إلى إنشاء إطار دفاعي جديد في هذا التوقيت؟
⭕️ علّقت الخارجية الإيرانية على اتفاقية #مكة للدفاع المشترك بين #السعودية وتركيا وباكستان، معتبرةً أن دول المنطقة أدركت أن الأمن ليس "سلعة يمكن شراؤها من وسطاء كاذبين".
— عربي بوست (@arabic_post) August 10, 2026
◾️ وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن أي ترتيبات أمنية تحدد مصادر التهديد بصورة صحيحة ستسهم في تعزيز أمن… pic.twitter.com/3bNmJVyv7v
نستعرض في هذا التقرير مجموعة من التساؤلات التي فرضها الاتفاق على مستقبل الأمن الإقليمي: لماذا ظهر الآن؟ ولماذا احتاجت إليه تركيا رغم عضويتها في حلف الناتو؟ وما الذي يضيفه كل طرف إلى هذا التحالف؟ وكيف قرأت طهران وتل أبيب الاتفاق؟ وما أبرز الدول المرشحة للانضمام إليه؟
لماذا ظهر الاتفاق الآن؟ وهل كانت حرب إيران نقطة التحول؟
تشير الوقائع إلى أن الاتفاق لم يولد بسبب الحرب الأمريكية على إيران، لكنه اكتسب أهميته السياسية والاستراتيجية بسببها.
ففي يناير/ كانون الثاني 2026، أي قبل اندلاع الحرب، كشف وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني، رضا حياة حراج، في تصريحات لوكالة رويترز، أن مشروع الاتفاق كان قيد التفاوض منذ نحو 10 أشهر، ما يؤكد أن فكرة إنشاء إطار دفاعي ثلاثي سبقت التوتر العسكري الأخير.
لكن الحرب غيّرت البيئة التي كانت تُناقش فيها تلك المفاوضات. فقد أظهرت المواجهة أن أي صدام واسع بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل يمكن أن يمتد سريعاً إلى الخليج، ويهدد منشآت الطاقة وخطوط الملاحة والاقتصادات الإقليمية، حتى بالنسبة للدول التي لا تشارك مباشرة في القتال.
وجاء الاتفاق ضمن اتجاه أوسع تسعى فيه دول الشرق الأوسط إلى بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالاً، بعدما أصبحت الضمانات الأمريكية أقل يقيناً في نظر كثير من العواصم الإقليمية، خصوصاً مع تغير أولويات واشنطن بين إدارة وأخرى، بحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

وقال أحد الأشخاص الذين تم إطلاعهم على محادثات الاتفاق لفايننشال تايمز: "لا تستطيع الولايات المتحدة القيام بهذه المهمة، لذا فإن ذلك يساعد على سد الفجوة وهناك حاجة إلى بنية أمنية جديدة في المنطقة".
وقالت بورجو أوزجليك، الباحثة في معهد الخدمات الملكية المتحدة في لندن، لفايننشال تايمز، إن الاتفاق "يتماشى أيضاً مع تفضيل الولايات المتحدة الأوسع نطاقاً لتقاسم الأعباء الإقليمية بشكل أكبر".
وأضافت: "في الوقت نفسه، تتوافق مع نهج "الحلول الإقليمية للمشاكل الإقليمية" الذي طالما دعت إليه أنقرة".
وتصل صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إلى استنتاج مشابه، معتبرة أن الحرب مع إيران سرّعت البحث عن ترتيبات دفاعية جديدة، لكنها لم تكن السبب الوحيد، إذ تراكمت خلال السنوات الماضية مؤشرات دفعت دول المنطقة إلى الاعتقاد بأن عليها تطوير أدوات ردعها وتنسيقها الأمني بصورة أكبر، حتى مع استمرار علاقاتها العسكرية الوثيقة مع الولايات المتحدة.
وبحسب الصحيفة، اعتمدت طهران في دفاعاتها بشكل كبير على الضربات الانتقامية عبر الخليج العربي، التي فاقت هجماتها على إسرائيل، واستهدفت مواقع اقتصادية وثقافية، فضلاً عن قواعد وسفارات أمريكية. كما أطلقت إيران صواريخ على تركيا، العضو في حلف الناتو، والتي تستضيف قاعدة مهمة للقوات الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تصطدم إسرائيل بتركيا في سوريا، وشنّت هجوماً صاروخياً على قادة حماس في قطر العام الماضي، الأمر الذي أثار قلق دول الخليج التي لم تتلق سوى القليل من التحذيرات، وافترضت أن علاقتها مع الولايات المتحدة ستمنع مثل هذه الضربات.

فيما تواجه السعودية أيضاً تهديداً متزايداً في اليمن المجاور، حيث بدأت ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران بمهاجمة القوات العسكرية المعارضة المدعومة من المملكة، وإطلاق النار على ناقلات النفط السعودية العابرة للبحر الأحمر.
ونقلت وول ستريت جورنال عن سنان أولجين، الدبلوماسي التركي السابق ومدير مركز الأبحاث EDAM في إسطنبول، قوله عن الاتفاق: "إنه استجابة لهذين العاملين المزعزعين للاستقرار، لأن الدول الثلاث تنظر إلى عدم استقرار المنطقة بشكل عام من منظور مماثل، وتعزوه إلى كل من إسرائيل وإيران".
لماذا تحتاج تركيا إلى تحالف دفاعي إضافي وهي عضو في الناتو؟
بحسب محللين، يأتي انضمام تركيا، الدولة العضو في الناتو، إلى الاتفاق باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتنويع الشراكات وتعزيز النفوذ الإقليمي.
ووصف تيم شاتيل، زميل باحث في برنامج الأمن الدولي في مركز تشاتام هاوس، هذه السياسة التركية بمفهوم "التحوط الاستراتيجي".
وأضاف شاتيل أن المكاسب التركية لا تكمن في الحصول على ضمانات دفاعية جديدة، بل في 3 عناصر رئيسية:
- توسيع النفوذ السياسي الإقليمي.
- تعزيز صادرات الصناعات الدفاعية التركية.
- إقامة شراكات إنتاج عسكري مع السعودية وباكستان، ما يمنح أنقرة دوراً أكبر في رسم التوازنات الأمنية الإقليمية.
ماذا يضيف كل طرف إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك؟
لا يُنظر إلى اتفاق مكة بوصفه مجرد تحالف بين 3 دول، وإنما باعتباره محاولة للجمع بين 3 أنواع مختلفة من عناصر القوة، بحيث يعوض كل طرف ما ينقص الطرفين الآخرين. ولهذا، فإن القيمة الاستراتيجية للاتفاق لا تكمن في حجم الجيوش فقط، وإنما في تكامل الأدوار بين التمويل والتكنولوجيا والقدرات العسكرية.
وقالت وكالة أسوشيتد برس الأمريكية إن الاتفاق يجمع بين الدول الثلاث ذات الأغلبية السنية، السعودية الغنية بالنفط وباكستان النووية، بالإضافة إلى تركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وصناعة دفاعية سريعة النمو. ومن شأن هذه الاتفاقية أن تعزز التعاون والردع في ظل تزايد حالة عدم اليقين الإقليمي والتهديدات الناجمة عن الحرب في إيران.
وتتفق صحيفة فايننشال تايمز مع هذا التقييم، مشيرة إلى أن أنقرة تسعى إلى زيادة صادراتها الدفاعية إلى الخليج، ويمكن للتحالف الثلاثي أن يجمع بين عائدات الرياض النفطية وجيوش أنقرة وإسلام آباد المتمرسة في القتال وقدراتها الإنتاجية الدفاعية.
وقال مسؤولون لوكالة الأناضول إن "اتفاقية مكة تمثل المقابل الاستراتيجي المعاصر لمسؤولية تاريخية في التعاون بين تركيا وباكستان والسعودية. ولا تستند العلاقات بين تركيا وباكستان والسعودية إلى المصالح بين الدول فحسب، وإنما أيضاً إلى روابط التاريخ المشترك والإيمان والأخوة والتضامن".
وقال المحلل زكريا شاهين لقناة سي إن إن التركية: "إن اتفاقية الدفاع الموقعة هنا تتجاوز كونها مجرد اتفاقية دفاعية؛ فهي اتفاقية ستعود بفوائد اقتصادية كبيرة على المستقبل. أعتقد أنها ستكون لها آثار بالغة الأهمية، لا سيما بالنظر إلى أن تركيا وباكستان والسعودية دول قوية في المنطقة ولها تأثير رادع".

وأضاف: "عند تقييم هذا الاتفاق، من الضروري النظر بشكل منفصل في الإيرادات الاقتصادية النهائية وتدفق الإيرادات المحتمل الذي قد ينشأ بعد اتفاقية مكة للدفاع. وبناءً على ذلك، أتوقع أيضاً، نظراً للازدحام الحالي في مضيق هرمز في الخليج العربي، أن تنضم دول خليجية أخرى إلى هذا الاتفاق الثلاثي في المستقبل".
وتتعاون تركيا وباكستان بالفعل في تطوير الطائرات دون طيار، في حين وقعت السعودية صفقات كبيرة لشراء وتدريب الطائرات دون طيار مع شركة الدفاع التركية بايكار.
وتمنح باكستان الاتفاق بعداً مختلفاً. فهي تمتلك أحد أكبر الجيوش في العالم الإسلامي، وخبرة طويلة في العمليات العسكرية، إضافة إلى قاعدة صناعية دفاعية متنامية.
لكن العامل الأكثر أهمية هو أنها الدولة الوحيدة بين أطراف الاتفاق التي تمتلك سلاحاً نووياً، وهو ما يمنح التحالف وزناً ردعياً إضافياً، حتى وإن لم يتضمن الاتفاق أي نص معلن يتعلق بالردع النووي أو المظلة النووية المشتركة.
ويؤكد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) أن باكستان تبقى إحدى الدول الـ9 المالكة للسلاح النووي عالمياً، بينما يشير مركز بيلفر، وهو مركز أبحاث في كلية هارفارد كينيدي، إلى أنه لا توجد أدلة على أن الاتفاق أنشأ تلقائياً مظلة نووية للدول الثلاث، وهو تمييز بالغ الأهمية في قراءة الاتفاق بصورة دقيقة.
كيف قرأت إيران الاتفاق؟
تباينت ردود الفعل الإيرانية على الاتفاق بين الترحيب بحذر من جهة وتصريحات ناقدة من جهة أخرى.
وقال متحدث وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الإثنين 10 أغسطس/ آب، إنه لا شيء يدعو طهران إلى القلق من "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" الموقعة بين تركيا والسعودية وباكستان.
وخلال مؤتمره الصحفي الأسبوعي تطرق بقائي إلى الاتفاقية التي وقعتها الدول الثلاث، بحسب التلفزيون الرسمي الإيراني.
وأضاف بقائي: "عندما يتعلق الأمر بـ 3 دول تربطنا بها روابط دينية وتاريخية وحضارية عميقة، وهي تركيا وباكستان والسعودية، فلا يوجد ما يدعونا للقلق من أن تكون هذه الاتفاقية موجهة ضد إيران".
ورأى أن الاتفاقية تمثل مؤشراً على توصل دول المنطقة إلى قناعة مفادها أنها لا تستطيع الاعتماد على ادعاءات الولايات المتحدة وبعض الأطراف من خارج المنطقة بشأن توفير الأمن.
وأضاف، في إشارة إلى إسرائيل: "إن أي خطة تستند إلى الحقائق الجيوسياسية والتاريخية للمنطقة، وتكون شاملة ومتكاملة، وتحدد العدو والتهديد بشكل صحيح، لديها فرصة للمساعدة في تعزيز الأمن ومنع عدم الاستقرار والانتهاكات من قبل العدو الصهيوني وحلفائه".
⭕️ قال وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار إن اتفاقية #مكة للدفاع المشترك بين #باكستان و #تركيا و #السعودية "دفاعية بحتة" ولا تستهدف أي دولة، مؤكداً أنها مفتوحة أمام دول المنطقة المستعدة لتبني مبادئها، وتهدف إلى دعم السلام والاستقرار والازدهار الإقليمي.
— عربي بوست (@arabic_post) August 9, 2026
⭕️ وأوضح دار أن… pic.twitter.com/l6HjT36pQz
في المقابل، انتقد إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، الاتفاق، قائلاً إنه لن يجلب الأمن إلى السعودية.
فيما قلّل عبد الرضا داوري، المحلل السياسي الإيراني السابق، من شأن المخاطر التي يشكلها الاتفاق الدفاعي الجديد على طهران ضمن سعيها لفرض سيطرتها على مضيق هرمز، بحسب ما نقلت عنه أسوشيتد برس.
وأضاف أن إيران أثبتت بالفعل قدرتها على مواجهة اثنتين من أقوى القوى العسكرية في العالم، وهما الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
كيف قرأت إسرائيل الاتفاق؟
حتى الآن، لم تصدر الحكومة الإسرائيلية موقفاً رسمياً شاملاً من اتفاق الدفاع المشترك، لكن الاتفاق حظي باهتمام واسع في الصحافة ومراكز الأبحاث الإسرائيلية، التي تناولته بوصفه أحد أبرز التحولات في البيئة الأمنية الإقليمية منذ اندلاع الحرب مع إيران.
وتتركز القراءة الإسرائيلية الأكثر تداولاً حول تأثير الاتفاق على موقع إسرائيل في ترتيبات الأمن الإقليمي ومستقبل مسار التطبيع مع السعودية.
ففي مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست، قال الباحث يوئيل غوزانسكي، رئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، إن الاتفاق "ليس تطوراً مثالياً لإسرائيل"، لكنه في الوقت نفسه "لا يغلق الباب بالكامل أمام التطبيع" بين الرياض وتل أبيب.
وأرجع انضمام السعودية إلى الاتفاق إلى سعيها لتوسيع خياراتها الأمنية في ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية، محذراً من أن التقارب السعودي مع تركيا وباكستان، اللتين تتبنيان مواقف حادة تجاه إسرائيل، قد يؤثر في مواقف الرياض مستقبلاً.

كما شدد على أن الاتفاق "لن يكون موجهاً رسمياً ضد إسرائيل"، رغم أن الدول المشاركة فيه تبدي قلقاً متزايداً من السياسات الإسرائيلية في المنطقة.
ورأت صحيفة هآرتس أن الاتفاق بين الدول الثلاث، بينما لا يشكل بالضرورة تهديداً عسكرياً جديداً، قد يعيد تشكيل المنطقة وفقاً لرغباتها.
وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت إن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل خسارة كبيرة لإسرائيل والولايات المتحدة؛ فهو يُظهر خيبة أمل دول الخليج من الولايات المتحدة وفشلها في نزع سلاح إيران.
هل هناك دول أخرى مرشحة للانضمام؟
منذ توقيع الاتفاق برز اسم مصر بوصفها أبرز الدول المرشحة للانضمام للدول الثلاث.
وبينما أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بعد توقيع الاتفاق أن القاهرة مرشحة للانضمام مستقبلاً بعد استكمال بعض الترتيبات الفنية، يتم طرح أسئلة عديدة حول أسباب الغياب المصري عن هذا التحالف، خاصة أنه يأتي بعد أيام من موقف مصري بدا أكثر بعداً عن الانضمام إلى التحالف البحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة، والذي جاء أيضاً بمبادرة سعودية.
يأتي ذلك بينما قال مصدر مصري مسؤول لعربي بوست إن الموقف المصري له عدة أبعاد، أولها تأكيد القاهرة على أنها لن تنزلق إلى صراعات يمكن أن تزيد المشهد تعقيداً في الشرق الأوسط، والحفاظ على مسافة آمنة من الجميع تُمكنها من الدخول كوسيط دون أن يتحول الصراع الآني بين إيران والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية شاملة في المنطقة.
لكن المصدر ذاته لم يغلق الباب نهائياً أمام انضمام مصر للتحالف الثلاثي، مشيراً إلى أن "التحالف مرحب به كونه لا يضم أطراف تهدف إلى تصعيد الأوضاع في المنطقة (دون أن يوضح ماهية هذا الطرف)".