كوكايين الساحل في ليبيا.. تفاصيل شبكة طرق سرية تمتد من النيجر إلى بنغازي وصولاً إلى الموانئ

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/30 الساعة 10:19 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/30 الساعة 10:19 بتوقيت غرينتش
مسارات تهريب الكوكايين من الصحراء الكبرى إلى سواحل ليبيا/ عربي بوست

لم تعد ليبيا بالنسبة إلى شبكات الكوكايين مجرد محطة على طريق طويل يبدأ من أميركا اللاتينية وينتهي في أوروبا أو الشرق الأوسط، داخل الأراضي الليبية نفسها تتغير أيدي الشحنات، وتتفرع الطرق بين الصحراء والموانئ، وتنتقل الحمولة من شبكة إلى أخرى قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من الرحلة.

في السلفادور، عند المثلث الصحراوي بين ليبيا والنيجر والجزائر، لا تنتظر الشحنات طويلاً، وفق مصدر مطلع في جنوب ليبيا تحدث إلى "عربي بوست". الاتصالات تكون قد سبقت وصولها، والمستلم معروف، وما إن تصل الحمولة حتى تنتقل إلى جهة أخرى تتولى مواصلة الطريق.

لكن وراء هذه النقطة الصغيرة تمتد شبكة أكبر. عمليات ضبط متكررة في النيجر، ومسارات قديمة عبر الساحل، وشبكات مرتبطة بطرق التهريب في فزان، ثم طرق تتجه إلى الكفرة وبنغازي، بالتوازي مع شحنات تصل مباشرة من أميركا اللاتينية إلى الموانئ الليبية.

تكشف هذه الخريطة أن تجارة الكوكايين في ليبيا لا تتحرك عبر طريق واحد أو جهة واحدة، بل عبر ممرات برية وبحرية وشبكات تتغير مع تغير السيطرة على الأرض، وتظهر في هذه الشبكة أسماء قديمة ارتبطت بطرق التهريب، وقادة وفاعلون محليون.

وتكشف التقارير الدولية وعمليات الضبط الرسمية عن حجم عابر للحدود يصعب اختزاله في شحنات منفردة. وتتبع "عربي بوست" مسار الكوكايين من غرب أفريقيا إلى الحدود الليبية، وما يحدث بعد دخوله فزان، وصولاً إلى بنغازي والخمس، لرسم خريطة الطرق والشبكات التي تجعل من ليبيا إحدى حلقات هذا المسار الدولي.

من زيندر إلى منطقة "السلفادور"

كشفت عمليات الضبط في النيجر أن الطريق المؤدي إلى ليبيا لا يعتمد على رحلة واحدة أو شبكة مؤقتة، وإنما على مسارات قابلة للتكرار عبر عدة دول. في مايو/ أيار 2026، ضبطت السلطات النيجرية أكثر من 268 كيلوغراماً من الكوكايين داخل 233 رزمة مخبأة في شاحنة قادمة من أكرا.

أعادت أجهزة مكافحة المخدرات بناء خط سير الشحنة، التي خرجت من غانا، ومرت بلومي في توغو، ثم كاندي في بنين وسوكوتو في نيجيريا، قبل دخول النيجر عبر كوني ومارادي وزيندر، وكانت وجهتها النهائية المفترضة ليبيا عبر الحزام الساحلي الصحراوي.

لكن أهمية القضية لم تكن في كمية المخدرات وحدها. فقد قالت التحقيقات النيجرية إن الرأس المشتبه به للشبكة هو حمادو سامي عيسى، الملقب بـ"المالي"، والمطلوب بموجب مذكرة توقيف دولية، وربطته أيضاً بشحنة أخرى بلغت 51.7 كيلوغراماً من الكوكايين، ضبطت في غايا في 29 سبتمبر/ أيلول 2025.

قبل ذلك، في يناير/ كانون الثاني 2022، ضبطت السلطات النيجرية 214.635 كيلوغراماً من الكوكايين داخل سيارة تابعة لبلدية فاشي كانت تتحرك نحو ديركو قرب الحدود الليبية، وقالت السلطات آنذاك إن الشحنة جاءت من مالي وكان مسارها يقود إلى ليبيا ثم أوروبا.

تشير هذه الوقائع إلى أن الطريق لم يكن مجرد ممر استخدم في عملية واحدة، وإنما جزء من شبكة قادرة على تكرار عمليات النقل عبر أكثر من دولة، قبل أن تصل الشحنات إلى المرحلة الليبية.

لا تبدأ هذه الشبكات من الصفر عند الحدود، إذ إن الطريق بين النيجر وليبيا يحمل تاريخاً أقدم من عمليات 2025 و2026، وتظهر فيه أسماء ارتبطت لسنوات بحركة التهريب في شمال النيجر.

أحد أبرز هذه الأسماء شريف ولد عابدين، المعروف في شمال النيجر بلقب "شريف كوكايين". كان رجل أعمال ونائباً سابقاً، وامتلك شركة نقل، ووصفته تقارير وتحقيقات متخصصة بأنه أحد أبرز تجار المخدرات في أغاديز حتى وفاته عام 2016، وأنه استطاع لسنوات إدارة علاقات سياسية وأمنية حول طرق التهريب في شمال النيجر.

من الشخصيات المرتبطة بشبكته غومور إيتوا بيديكا، القائد السابق في تمرد الطوارق بين عامي 2007 و2009. وذكر تقرير أممي يعود إلى عام 2020 أن بيديكا كان على اتصال بالمهدي هماو، الذي كان يشغل مستودعاً عثر فيه على مخدرات وكان مسؤولاً عن نقلها لاحقاً باتجاه ليبيا.

كما وصف التقرير بيديكا بأنه من المقربين من شريف ولد عابدين، وأنه كان يتولى نقل شحناته في شمال النيجر قبل وفاة الأخير، لكن هذه الشبكة القديمة لم تختفِ بالكامل.

وفق تقرير "GI-TOC" لعام 2026، فإن بيديكا، بعد تراجع نشاطه عقب انقلاب النيجر، عاد منذ الربع الأخير من 2025 ليظهر كفاعل مهم في شبكات حماية مرتبطة بحركة الكوكايين والقنب حول أغاديز، ويصف الشبكة القديمة بأنها من الشبكات التي سهّلت انتقال الكوكايين من غاو إلى النيجر ثم ليبيا.

بذلك، فإن ما يصل إلى الحدود الليبية لا يبدو، وفق هذه المعطيات، نتيجة طريق عشوائي، بل حصيلة تراكم شبكات وأسماء وخبرات امتدت لسنوات.

من خليج غينيا والمغرب إلى السلفادور وفزان

بحسب مصدر "عربي بوست"، فإن النيجر ليست مصدراً للكوكايين وإنما منطقة عبور ضمن سلسلة أوسع. وقال المصدر إن جزءاً من الكوكايين يصل إلى خليج غينيا، وخصوصاً عبر توغو، فيما تصل كميات أخرى من أميركا اللاتينية بحراً إلى المغرب، قبل أن تدخل مسارات الصحراء الكبرى باتجاه الشرق والجنوب الشرقي.

يتقاطع هذا التصور مع البيانات الدولية التي توثق تزايد أهمية توغو وبنين وغانا في نقل الكوكايين نحو الساحل، وكذلك دور المغرب كمركز لاستقبال وإعادة توزيع الشحنات القادمة عبر الأطلسي.

لكن الشبكات، وفق المصدر، لم تنشئ هذه الطرق من الصفر، إذ إن الممرات الحالية هي امتداد لطرق قوافل وتجارة قديمة ربطت غرب أفريقيا والساحل بشمال القارة، قبل أن تتحول في مراحل مختلفة إلى طرق للسجائر والوقود والبشر والسلاح ثم المخدرات.

في قلب هذه الشبكة تأتي السلفادور بوصفها لحظة انتقال، لا مجرد نقطة جغرافية. فالتنسيق يتم مسبقاً، وتصل السيارة ويكون المستلم معروفاً، ثم تنتقل الحمولة إلى مجموعة أخرى دون الحاجة إلى إبقائها أياماً في المكان.

تحدثت "GI-TOC" عن تقديرات ميدانية بمرور ما بين 60 و70 كيلوغراماً من الكوكايين شهرياً عبر ممر السلفادور، إلى جانب استخدام بلدات أصغر في مرزق لتخزين الشحنات بعد اضطراب بعض طرق القطرون.

تكمل معلومات مصدر "عربي بوست" هذه الصورة، إذ يقول إن السلفادور تمثل نقطة التسليم، بينما يمكن أن يحدث التخزين أو تقسيم الحمولة لاحقاً، بحسب الجهة التي ستتولى المرحلة التالية من الرحلة.

لا يرى المصدر أن فزان سوق رئيسية لاستهلاك الكوكايين، بل منصة لإعادة توزيعه، فالكوكايين مرتفع السعر، والكميات الكبيرة التي تصل إلى الجنوب تستهدف، وفق المصدر، المرور إلى شبكات أخرى أكثر من استهداف المستهلك المحلي.

جزء من هذه الشحنات يتحرك نحو الجنوب الشرقي والكفرة، وجزء يتجه إلى مناطق في الشرق، فيما تصل بعض الشحنات إلى بنغازي قبل الدخول في مرحلة أخرى من إعادة التصدير.

هذا لا يعني غياب السوق المحلية، لكنه يفسر الفارق بين تجارة التجزئة وتجارة مئات الكيلوغرامات، إذ إن الشحنة الكبيرة تحتاج إلى رأس مال وحماية ومركبات واتصالات ونفوذ يمتد عبر أكثر من منطقة.

يقول المصدر إن تجارة الكوكايين والهيروين بهذا المستوى تختلف عن تجارة الحبوب والمواد الأقل ثمناً، إذ تظل في يد عدد محدود من الفاعلين القادرين على العمل عبر شبكات دولية.

فزان: طريق قديم يعاد تنظيمه

وجود شبكات مخدرات مسلحة في فزان ليس ظاهرة بدأت مع موجة الكوكايين الحالية. ففي تقرير فريق خبراء مجلس الأمن لعام 2016، ورد اسم بحر الدين ميدون بوصفه قائد المجموعة المعروفة باسم "درع الصحراء 8" العاملة في فزان، وقال التقرير إن المجموعة كانت منخرطة في تهريب السلاح والمخدرات.

أشار التقرير إلى أن سيطرة الجماعات المسلحة على الأراضي ونقاط التفتيش كانت تجبر المهربين على التعامل معها. وذكر في وقائع ميدانية اعتراض قافلة في شمال النيجر عام 2015 كانت تنقل مخدرات من النيجر إلى ليبيا، وكان ركابها من التبو الليبيين والتشاديين المقيمين في مرزق.

بمعنى آخر، تعود المعادلة القديمة نفسها اليوم في صورة أكثر ربحاً وتنظيماً: الطريق موجود، ومن يملك الأرض أو الحماية يستطيع أن يفرض نفسه على من يستخدمه. لكن التحول الأهم خلال السنوات الأخيرة يتعلق بمن بات يسيطر على هذه الطرق.

إذ قال تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الصادر في مارس/ آذار 2026 إن مجموعات محلية في الجنوب كانت، قبل إبعاد حسن الزادمة، تحقق إيرادات مستمرة من تهريب الوقود والأسلحة والمخدرات تحت إشرافه.

وبعد إبعاده، قال التقرير إن المناطق التي كان يسيطر عليها انتقلت إلى صدام حفتر، وإن الكتيبة 87 تولت مناطق حدودية وطرق تهريب رئيسية، بينما أعيد تنظيم شبكات التهريب تحت قادة جدد موالين لصدام.

واعتبر فريق الخبراء أن ذلك أعاد تركيز السيطرة على ممرات تربط ليبيا بالنيجر وتشاد والسودان. وهذه نقطة أساسية في التحقيق، لأنها تجعل ملف الكوكايين مرتبطاً أيضاً بالتغير في بنية السيطرة على الطرق نفسها، وليس فقط بحركة المخدرات.

الكفرة: عقدة الجنوب الشرقي

في الجنوب الشرقي تظهر عقدة أخرى هي الكفرة، حيث يقود عبد الرحمن هاشم الكيلاني كتيبة "سبل السلام". وقال فريق خبراء الأمم المتحدة إن الكتيبة عززت، بين يناير/ كانون الثاني 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026، سيطرتها على سلاسل الإمداد العابرة للجنوب، مستفيدة من روابطها المحلية وشبكاتها في منطقة الكفرة.

أضاف التقرير أن هذه السيطرة امتدت إلى طرق تستخدم في نقل مقاتلين وأسلحة ووقود باتجاه السودان، وأن إعادة الترتيب منحت "سبل السلام" نفوذاً لوجستياً واسعاً على طرق الجنوب الشرقي.

قال مصدر "عربي بوست" إن الكفرة تدخل كذلك ضمن مسارات إعادة توزيع المخدرات القادمة من الغرب والجنوب الغربي، ما يجعلها نقطة تقاطع بين التجارة الصحراوية والخطوط المتجهة شرقاً.

لكن ما يثبته تقرير الأمم المتحدة يتعلق بالسيطرة على طرق وسلاسل إمداد وحركة مقاتلين وأسلحة ووقود، بينما تأتي المعلومات المتعلقة بدخول الكفرة في إعادة توزيع المخدرات من مصدر "عربي بوست".

صدام حفتر في التقارير الأممية

يفصل التحقيق هنا بين مستويين من المعلومات، فتقرير الأمم المتحدة يثبت إعادة تنظيم مناطق التهريب والطرق تحت قادة موالين لصدام حفتر، لكنه لا يقول إن صدام يدير تجارة الكوكايين شخصياً.

أما مصدر "عربي بوست" فيذهب أبعد من ذلك، إذ يقول إن صدام أصبح صاحب النفوذ الأوسع في تجارة الكوكايين الكبيرة التي تمر عبر الجنوب والشرق، وإن شبكة ترتبط به تتحكم في أجزاء رئيسية من الحركة بين فزان وبنغازي.

يضيف المصدر أن هذه الشبكة لا تعمل فقط في المخدرات، بل تستفيد أيضاً من الإيرادات المرتبطة بحركة السيارات والبضائع والرسوم والإتاوات على المسارات القادمة من النيجر.

بحسب المصدر، يمثل الكوكايين أحد أكثر الأنشطة قيمة داخل هذه المنظومة، لأنه لا يتعلق بتجارة محلية صغيرة، وإنما بشحنات موجهة إلى أسواق خارجية.

وضمن الأسماء التي يضعها المصدر داخل الشبكة الجنوبية، يبرز آغلس محمد أحمد أبلل، وهو ضابط من الطوارق.

الاسم معروف علناً في المشهد العسكري في أوباري. ففي فبراير/ شباط 2019 ظهر آغلس بصفته آمر الكتيبة 173 مشاة المتمركزة في أوباري، وكان ضمن قادة كتائب أعلنت انضمامها إلى القيادة العامة.

بحسب مصدر "عربي بوست"، فإن آغلس من الشخصيات المرتبطة بشبكات الحركة والتهريب في الجنوب، ما فيها تجارة الكوكايين، بحكم موقعه وصلاته المحلية في منطقة أوباري والطوارق.

ويظهر اسم آخر هو حسن وشي، الذي يصفه المصدر بأنه تاجر مخدرات من التبو وله حضور داخل شبكات الجنوب. وبحسب المصدر، عمل حسن وشي في مرحلة سابقة ضمن شبكة كانت على علاقة بصدام حفتر، قبل أن تتحول العلاقة بينهما إلى خصومة حادة.

يقول المصدر إن الخلاف نشأ على خلفية شحنات كبيرة من المخدرات، إذ حدث استيلاء على شحنة مرتبطة بأحد الطرفين، ثم جاءت واقعة أخرى في الاتجاه المقابل، وهو ما أنهى علاقة التعاون وحولها إلى صراع على النفوذ والتجارة.

ويضيف أن حسن وشي أصبح لاحقاً داعماً لـ"غرفة عمليات تحرير الجنوب"، وهي من التشكيلات المناوئة لقوات القيادة العامة في الجنوب، وأن الخلاف لم يعد تجارياً فقط، بل امتد إلى الاصطفاف المسلح. كما يقول المصدر إن وشي يمتلك علاقات خارج ليبيا، بينها علاقات في الإمارات، استخدمها ضمن شبكة اتصالاته التجارية والسياسية.

رحلة التهريب من سبها إلى بنغازي

يرسم مصدر الجنوب مساراً أكثر تحديداً للمرحلة الشرقية، إذ يقول إن بعض الشحنات تصل من السلفادور إلى سبها، ثم تتحرك شرقاً نحو بنغازي، التي تمثل إحدى نقاط إعادة التوزيع إلى الخارج.

بحسب المصدر، يمكن إخراج الكوكايين بوسائل مختلفة، بينها النقل الجوي وأمتعة المسافرين والشحن التجاري، وفي بعض الحالات الطائرات الخاصة.

ويقول إن الإمارات من بين الوجهات المهمة، إلى جانب أسواق أخرى في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا.

تتقاطع الوجهة العامة مع تقرير فريق خبراء مجلس الأمن، الذي قال إنه حدد شبكة دولية تنقل الكوكايين من الساحل عبر ليبيا إلى أوروبا والشرق الأوسط.

لكن بنغازي تكشف في الوقت نفسه عن مسار آخر لا يعتمد على الطريق الصحراوي وحده.

ففي مارس/ آذار 2024، ضبطت السلطات نحو 128 كيلوغراماً من الكوكايين الخام داخل حاويتين قادمتين من الإكوادور إلى ميناء بنغازي. وقال مكتب النائب العام إن الشحنة كان يفترض نقلها إلى مدينة البيضاء، وإن أحد المقبوض عليهم أقر بانتمائه إلى جماعة إجرامية منظمة أدخلت مواد مخدرة إلى ليبيا أكثر من مرة بمساعدة ضابط في حرس الجمارك.

هذه القضية تكشف أن الشرق الليبي لا يستقبل فقط تدفقات محتملة قادمة من فزان، وإنما يوجد أيضاً على خط بحري مباشر مع أميركا اللاتينية.

الغرب الليبي في مسار تجارة الكوكايين

لا تقف الشبكة عند الجنوب والشرق، إذ يظهر الغرب الليبي أيضاً في مسار تجارة الكوكايين، وفق المعطيات الدولية الواردة في التحقيق.

حسب تقرير "GI-TOC" لعام 2026، فإن عبد الغني الككلي، المعروف بـ"غنيوة"، كان منخرطاً بصورة مباشرة في تجارة الكوكايين، وإن مقتله في طرابلس في مايو/ أيار 2025 أعاد ترتيب تحالفات الجماعات المسلحة وفتح المجال أمام توسع دور فاعل أمني آخر في الغرب.

كما يقول التقرير إن أحمد الدباشي، الذي كان خاضعاً لعقوبات أممية بسبب تهريب البشر، كان وفق مصادر "GI-TOC" منخرطاً بعمق في تجارة الكوكايين، وإن مقتله في ديسمبر/ كانون الأول 2025 لم يوقف النشاط، بل انتقل جانب منه إلى فاعل أمني آخر لم يسمه التقرير.

تشير هذه المعطيات إلى أن تجارة الكوكايين ليست "شبكة فزان" فقط، وإنما سوق ليبية أوسع يمكن أن تتغير مراكزها عندما يموت قائد أو تتغير السيطرة على منطقة.

مسار بحري مستقل للتهريب

الصورة نفسها تظهر في غرب ليبيا، حيث تكشف عمليات الضبط في الموانئ عن مسار بحري مستقل عن خط الساحل والصحراء.

في فبراير/ شباط 2023، ضبطت السلطات في ميناء الخمس 269 كيلوغراماً من الكوكايين داخل حاوية دجاج مجمد قادمة عبر خط البرازيل وإسبانيا وإيطاليا.

وفي أبريل/ نيسان 2024، ضبطت السلطات 269 كيلوغراماً أخرى في الميناء نفسه، هذه المرة داخل 8 مستوعبات قادمة من الإكوادور.

قبل ذلك، في ديسمبر/ كانون الأول 2020، ضبطت جمارك مالطا 612 كيلوغراماً من الكوكايين داخل حاوية خرجت من الإكوادور ومرت بكولومبيا، وكانت في طريقها إلى ليبيا.

بذلك تكشف عمليات الضبط الرسمية عن وجود مسار بحري لا يعتمد على ممرات الساحل والصحراء، وإنما يصل مباشرة إلى الموانئ الليبية من أميركا اللاتينية.

هنا تبرز العقدة الأساسية في التحقيق: هل نحن أمام طريقين منفصلين للكوكايين، أحدهما بري يعبر الساحل وفزان والآخر بحري يصل إلى الموانئ، أم أن المسارين يلتقيان لاحقاً داخل شبكة ليبية واحدة لإعادة التوزيع؟

المعطيات الواردة في التحقيق تثبت وجود المسارين، لكنها لا تكفي وحدها للجزم بأنهما يشكلان شبكة موحدة. ففي الوقت الذي تربط فيه تقارير دولية الطريق البري بشبكات تمتد من الساحل إلى ليبيا ثم أوروبا والشرق الأوسط، تكشف قضايا الضبط في بنغازي والخمس عن مسارات بحرية مباشرة قادمة من أميركا اللاتينية.

أما المعلومات التي يقدمها مصدر "عربي بوست"، فتضع السلفادور وفزان وسبها والكفرة وبنغازي ضمن سلسلة إعادة توزيع برية، وتربطها بشبكات نفوذ محلية، مع الإشارة إلى أن بعض هذه الروابط تبقى في إطار رواية المصدر ولا تثبتها التقارير الأممية بصورة مباشرة.

في الحالتين، فإن الصورة التي تخرج من التحقيق لا تتعلق بشحنة واحدة أو طريق واحد، بل بمنظومة تتحرك فيها الحمولة بين أيدٍ مختلفة، وتستفيد من طرق صحراوية قديمة، ومناطق نفوذ مسلحة، ومنافذ بحرية وجوية، قبل أن تصل إلى مراحل أخرى من إعادة التوزيع خارج ليبيا.

تحميل المزيد