صدام حفتر في تشاد.. مصادر تكشف كواليس إعادة ترتيب خطوط الإمداد في الحرب السودانية

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/28 الساعة 16:49 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/28 الساعة 16:49 بتوقيت غرينتش
صدام خليفة حفتر/ عربي بوست

كشفت مصادر عسكرية في بنغازي، إلى جانب مصدر خاص تحدث لـ"عربي بوست"، أن زيارة صدام حفتر إلى العاصمة التشادية أنجمينا لم تقتصر على ملفات التعاون الأمني وتأمين الحدود، كما ورد في البيانات الرسمية، بل شملت أيضاً بحث إعادة ترتيب خطوط الإمداد المرتبطة بالحرب السودانية. 

وجاءت الزيارة بالتزامن مع التطورات العسكرية الأخيرة في كردفان، حيث عزز الجيش السوداني قواته داخل الإقليم، وتحديداً في ولاية شمال كردفان، مع انضمام حركات مسلحة للقتال إلى جانب الجيش السوداني، إضافة إلى مناقشة تأمين المحاور الصحراوية في جنوب ليبيا من أي تهديدات محلية.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست"، جاءت الزيارة في وقت تواجه فيه شبكات الإمداد التقليدية ضغوطاً متزايدة، بعد تكثيف الجيش السوداني استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف التحركات اللوجستية، ما دفع القائمين على هذه الشبكات إلى البحث عن مسارات بديلة أقل عرضة للرصد.

ولم تقتصر المباحثات على تطورات الحرب السودانية، بل تطرقت أيضاً إلى تصاعد نشاط مجموعات مسلحة في الجنوب الليبي، وفي مقدمتها المجموعة التي يقودها محمد وردقو، والتي تتحرك في مناطق قد تكتسب أهمية متزايدة إذا تغيرت مسارات الإمداد بين ليبيا وتشاد والسودان.

لماذا يُعاد ترتيب خطوط الإمداد؟

أعلنت القيادة العامة في شرق ليبيا أن اللقاء بين صدام خليفة حفتر والرئيس محمد إدريس ديبي تناول "رفع مستوى التنسيق العسكري والأمني، وتعزيز التعاون في تأمين الحدود ومواجهة التهديدات المشتركة"، من دون الكشف عن تفاصيل الملفات التي ناقشها الجانبان.

لكن، وفق مصادر عسكرية في بنغازي ومصدر خاص تحدثوا إلى "عربي بوست"، فإن جدول أعمال الزيارة تجاوز هذه العناوين، ليشمل إعادة ترتيب خطوط الإمداد المرتبطة بالحرب السودانية، بالتزامن مع التطورات العسكرية الأخيرة في كردفان، إضافة إلى بحث آليات حماية طرق العبور في جنوب ليبيا.

ويقول مصدر خاص لـ"عربي بوست" إن الهدف الرئيسي من هذه الترتيبات لا يتمثل في إيجاد ممر جديد للأسلحة، بقدر ما يركز على ضمان استمرار وصول الوقود إلى قوات الدعم السريع.

وأضاف أن الوقود أصبح الحلقة الأكثر حساسية في المنظومة اللوجستية لقوات الدعم السريع، لاعتمادها بصورة كبيرة على العربات رباعية الدفع في التنقل بين دارفور وكردفان، ما يجعل أي اضطراب في إمدادات الديزل والبنزين ينعكس مباشرة على قدرتها على المناورة ونقل المقاتلين والذخائر.

وتنسجم هذه الرواية مع ما وثقته دراسات صادرة عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (GI-TOC)، التي أشارت إلى أن تجارة الوقود بين جنوب ليبيا وتشاد والسودان تحولت منذ اندلاع الحرب إلى أحد أبرز مكونات اقتصاد الحرب، إلى جانب شبكات تهريب السلاح والذهب والمقاتلين.

كما أشار فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، في أكثر من تقرير، إلى أن الوقود والمعدات العسكرية شكّلا جزءاً من خطوط الإمداد التي وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر دول الجوار، ومن بينها ليبيا وتشاد.

المثلث الحدودي في السودان ومصر وليبيا/ عربي بوست
المثلث الحدودي في السودان ومصر وليبيا/ عربي بوست

لماذا تغيّرت طرق الإمداد؟

بحسب المصادر التي تحدثت إلى "عربي بوست"، لم يعد الطريق المباشر الذي يربط جنوب شرق ليبيا بشمال السودان يوفر الدرجة نفسها من الأمان التي كان يتمتع بها في المراحل الأولى من الحرب.

وتقول المصادر إن تكثيف عمليات الاستطلاع الجوي، إلى جانب الضربات التي استهدفت قوافل لوجستية في شمال السودان خلال الأشهر الأخيرة، دفع القائمين على شبكات الإمداد إلى البحث عن مسارات أطول، لكنها أقل عرضة للرصد والاستهداف.

ويتقاطع ذلك مع التطورات الميدانية في كردفان، حيث ربطت تقديرات عسكرية وتقارير إعلامية بين تقدم الجيش السوداني وتعطيل جزء من خطوط الإمداد القادمة من الغرب، الأمر الذي رفع أهمية البحث عن بدائل قادرة على الحفاظ على تدفق الإمدادات.

وبحسب المصادر، فإن إعادة ترتيب هذه الشبكات لا تعني إنشاء ممر واحد جديد، بقدر ما تعكس محاولة لبناء منظومة أكثر مرونة، تسمح بتغيير طرق العبور تبعاً للمتغيرات العسكرية، وتحدّ من تأثير الاستهداف المتكرر للقوافل اللوجستية.

محاور جديدة للدعم في حرب السودان

يكشف مصدر خاص لـ"عربي بوست" أن أحد المسارات التي يجري بحثها يبدأ من جنوب ليبيا، ثم يعبر شمال تشاد عبر محور أوزو–فادا–أم جرس، أو عبر نقاط صحراوية أخرى قريبة من الحدود الليبية، قبل أن يتجه نحو مناطق غرب دارفور.

ويضيف المصدر أن الفكرة لا تقوم على إنشاء طريق ثابت، وإنما على شبكة من المسارات البديلة التي يمكن تغييرها باستمرار وفقاً للتطورات العسكرية، وانتشار القوات، وحركة الطائرات المسيّرة، بما يحد من مخاطر الرصد والاستهداف.

ولم يتمكن "عربي بوست" من التحقق بصورة مستقلة من اعتماد هذا المسار أو بدء استخدامه، إلا أن الجغرافيا التي تحدث عنها المصدر تتوافق مع ما أظهرته خرائط الأمم المتحدة والدراسات المتخصصة، التي بينت أن شبكات الإمداد بين ليبيا وتشاد ودارفور تعتمد على مسارات متعددة يجري تعديلها باستمرار وفقاً للظروف الميدانية.

ولا يبدو اختيار هذا المحور عشوائياً؛ فأوزو تمثل بوابة طبيعية بين جنوب ليبيا وشمال تشاد، فيما تعد فادا وأم جرس عقدتين رئيسيتين في شبكة الطرق الصحراوية المؤدية إلى شرق تشاد وغرب دارفور، وهو ما يمنحهما أهمية متزايدة في حال تغيرت مسارات الإمداد التقليدية.

ويرى المصدر أن أي إعادة تنظيم لخطوط الإمداد لا يمكن أن تتم بمعزل عن تشاد، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لأن استقرار الطرق الواقعة داخل أراضيها يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار الحركة بين جنوب ليبيا وغرب السودان.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة عنوان "التنسيق الأمني" الذي أعلنته البيانات الرسمية باعتباره إطاراً واسعاً يسمح للطرفين بمناقشة ملفات تتجاوز أمن الحدود التقليدي، لتشمل إدارة الحركة على المحاور الصحراوية الممتدة بين البلدين.

الجنوب الليبي في اجتماع أنجمينا

بحسب المصدر الذي تحدث إلى "عربي بوست"، لم تقتصر زيارة صدام حفتر إلى أنجمينا على مناقشة التطورات المرتبطة بالحرب السودانية، بل شملت أيضاً ملفات أمنية داخل الجنوب الليبي، في مقدمتها تصاعد نشاط غرفة عمليات تحرير الجنوب بقيادة محمد وردقو.

وخلال الأشهر الأخيرة، أعلنت الغرفة تنفيذ عمليات استهدفت مواقع تابعة لقوات حفتر في جنوب ليبيا، وهو ما دفع، وفق المصدر، إلى بحث سبل الحد من قدرة هذه المجموعة على التحرك في المناطق القريبة من الحدود التشادية.

ويضيف المصدر أن هذا الملف اكتسب أهمية إضافية بعد انضمام شخصيات بارزة من حراك غضب فزان إلى الغرفة، الأمر الذي منحها بعداً سياسياً واجتماعياً يتجاوز نشاطها العسكري، وجعلها أكثر تأثيراً في معادلات الجنوب الليبي.

ولا تكمن أهمية محمد وردقو، وفق المصدر، في حجم القوات التي يقودها فحسب، وإنما في طبيعة المناطق التي ينشط فيها، إذ تتحرك مجموعاته بالقرب من الطرق الصحراوية التي تربط القطرون وتاجرهى وأوزو بالحدود التشادية، وهي محاور قد تزداد أهميتها إذا أُعيد رسم خطوط الإمداد بين ليبيا وتشاد والسودان.

ويرى المصدر أن تأمين أي مسار جديد يقتضي أولاً تحييد المجموعات المسلحة المحلية، ومنعها من تهديد القوافل أو استغلال حالة الاحتقان الشعبي في فزان، خصوصاً في ظل أزمة الوقود التي يعيشها سكان الجنوب الليبي.

حرب لا تُحسم في المدن فقط

تشير تقارير الأمم المتحدة والمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود إلى أن الحرب السودانية لم تعد تقتصر على السيطرة على المدن، بل تحولت أيضاً إلى صراع على الطرق الصحراوية وشبكات النقل والوقود، التي باتت تمثل شرياناً رئيسياً لاستمرار العمليات العسكرية.

فكلما نجح أحد أطراف الحرب في تعطيل ممر لوجستي، سعت الأطراف الأخرى إلى فتح ممر بديل، مستفيدة من الطبيعة المفتوحة للحدود الممتدة بين ليبيا وتشاد والسودان، وهو ما جعل الجغرافيا الصحراوية جزءاً من معادلة الصراع.

وفي هذا السياق، تبدو زيارة صدام حفتر إلى أنجمينا جزءاً من إعادة ترتيب أوسع للبيئة الأمنية في جنوب ليبيا وشمال تشاد، بالتوازي مع التحولات التي فرضتها الحرب السودانية على حركة التجارة والتهريب والإمداد العسكري.

ولا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن لقاء صدام حفتر والرئيس محمد إدريس ديبي تناول بصورة مباشرة إنشاء مسار جديد لإمداد قوات الدعم السريع أو تقييد تحركات محمد وردقو، إلا أن المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" من مصادره، إلى جانب تزامن الزيارة مع التطورات العسكرية في السودان، وما وثقته تقارير الأمم المتحدة والتحقيقات الدولية بشأن تغير شبكات الإمداد بين ليبيا وتشاد ودارفور، تشير إلى أن الزيارة حملت أبعاداً تتجاوز عنوان "التنسيق الأمني" الذي ورد في البيانات الرسمية.

وبذلك، لم تعد الحرب السودانية تُدار فقط من جبهات الخرطوم أو الفاشر أو كردفان، بل أيضاً عبر الطرق الصحراوية الممتدة بين الكفرة وأوزو وفادا وأم جرس، حيث أصبحت القدرة على تأمين مسارات الوقود والإمداد عاملاً حاسماً في موازين الصراع الإقليمي.

تحميل المزيد