متعلقة بسلاح حزب الله وانسحاب إسرائيل.. مصادر تكشف الرسائل التي تلقاها نواف سلام في نيويورك

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/29 الساعة 09:56 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/29 الساعة 09:56 بتوقيت غرينتش
اشتراطات واشنطن وتل أبيب تعرقل أي تقدم في الملف اللبناني/ عربي بوست

كشفت معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصدر حكومي لبناني مطلع على الاتصالات التي رافقت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك، أن واشنطن لم تتخلَّ عن مسار الملف اللبناني، لكنها لم تعد تتعامل معه كملف منفصل عن المواجهة الإقليمية الأوسع.

ولا تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعدة حالياً لاستخدام ثقلها لدفع إسرائيل إلى خطوات ميدانية، من قبيل الانسحاب من بعض المناطق في الجنوب اللبناني، قبل ظهور تقدم لبناني يمكن قياسه في ملف سلاح حزب الله، وهو الشرط الذي تضعه واشنطن وتل أبيب.

بحسب المصدر، عادت بيروت من نيويورك بانطباع بأن المرحلة المقبلة ستكون أقرب إلى "الضغط والانتظار"، فلا تسوية قريبة ولا رغبة أميركية معلنة في حرب إسرائيلية واسعة، مقابل استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً. وهو ما يجعل العقدة الأساسية مرتبطة بكيفية الانتقال من "اتفاق الإطار" إلى خطوات متبادلة على الأرض.

تحاول الحكومة اللبنانية الدفع باتجاه معادلة تبدأ بانسحاب إسرائيلي واضح، بالتوازي مع انتشار الجيش وبسط سلطة الدولة، وتنتهي بترتيبات أمنية وعسكرية حصرية للدولة في الجنوب. لكن الخلاف لا يزال قائماً حول من يقدم الخطوة الأولى، وما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي سيكون سابقاً على الإجراءات اللبنانية أم نتيجة لها.

محاولة تعديل معادلة التفاوض

جاء خطاب سلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليعكس الموقف الذي حمله الوفد اللبناني إلى نيويورك. وشدد رئيس الحكومة على أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة التي تتحدث باسم لبنان وتتفاوض عنه، وجدّد التزام حكومته بحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة.

في المقابل، وضع سلام الانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان وإعادة الإعمار ضمن المعادلة نفسها، مطالباً بتحويل الإطار التفاوضي القائم إلى خطوات عملية مرتبطة بجدول زمني وآلية للتحقق من التنفيذ. ويقول المصدر الحكومي إن الهدف هو منع اختزال المفاوضات في سؤال واحد يتعلق بما ستفعله الدولة اللبنانية بسلاح حزب الله.

تريد بيروت، وفق المصدر، إعادة بناء المسار على أساس "التنفيذ المتبادل"، بحيث يقابل انتشار الجيش اللبناني وتوسيع سلطة الدولة انسحاب إسرائيلي واضح ومحدد. كما تطالب بآلية أميركية أو دولية للتحقق، تمنع عودة القوات الإسرائيلية إلى المناطق التي تنسحب منها.

تشكل هذه المسألة إحدى العقد الأساسية أمام استكمال نموذج "المناطق التجريبية"، إذ ترى بيروت أن مطالبة الجيش ببسط سلطته في مناطق لا تزال خاضعة للاحتلال أو للنيران الإسرائيلية تضع المؤسسة العسكرية أمام مهمة صعبة، بينما يطالب الجانب الإسرائيلي بإثبات قدرة الجيش على منع عودة البنية العسكرية لحزب الله قبل توسيع الانسحاب.

وكان سلام قد حمل معه إلى نيويورك 3 ملفات مترابطة، هي دعم الجيش، ومستقبل "اليونيفيل" أو القوة التي قد تخلفها، ومسار حصر السلاح والتفاوض مع إسرائيل.

الجنوب يتحرك أسرع من الدبلوماسية

تواجه الحكومة اللبنانية مشكلة أساسية تتمثل في تغير الوقائع الميدانية بوتيرة أسرع من المسار السياسي. وتشير المعطيات إلى أن بيروت باتت تتعامل مع انتهاء مهمة "اليونيفيل" بصيغتها الحالية باعتباره تحولاً استراتيجياً، وليس مجرد إعادة تنظيم لمهمة دولية.

وتدخل القوة الدولية تدريجياً مرحلة التحضير لتفكيك منشآتها ومواقعها جنوب الليطاني، ما يطرح سؤال الجهة التي ستتولى مراقبة المنطقة وطبيعة الانتشار اللبناني الذي سيحل محلها، خصوصاً في المواقع الواقعة داخل أو بمحاذاة مناطق العمليات الإسرائيلية.

يقول المصدر الحكومي إن نقاشات سلام في نيويورك لم تستهدف إعادة إنتاج "اليونيفيل" بالصيغة نفسها بعدما أصبح هذا الخيار شديد الصعوبة، بل منع نشوء فراغ أمني ودولي في الجنوب. وكان سلام قد حذر علناً من هذا الفراغ ودعا إلى ترتيبات دولية تواكب المرحلة التالية لانتهاء مهمة القوة الدولية.

لكن جوهر المشكلة لا يتعلق باسم القوة المقبلة بقدر ما يرتبط بصلاحياتها. فهناك أفكار متداولة حول وجود دولي أو أوروبي يؤدي وظائف المراقبة والتحقق ومساندة الجيش اللبناني، إلا أن أي صيغة من هذا النوع تصطدم بسؤالين:

هل تقبل إسرائيل بقوة جديدة ذات غطاء سياسي فعلي؟ وهل تقبل الدول المشاركة بإرسال جنود إلى منطقة قد يجدون أنفسهم فيها بين العمليات الإسرائيلية واحتمال الاحتكاك مع "حزب الله"؟

تشير المعطيات كذلك إلى تحفظات لدى بعض الدول العربية على المشاركة المباشرة في قوة ذات وظيفة أمنية مرتبطة بملف السلاح.

واشنطن تغيّر أدوات الضغط

على خلاف الانطباع الذي تولد في بيروت خلال الأسابيع الماضية عن تراجع الاهتمام الأميركي، يقول المصدر الحكومي إن الاتصالات أظهرت أن واشنطن لم تغلق المسار اللبناني، لكنها انتقلت، بحسب وصفه، "من سياسة الدفع السريع إلى إدارة الجمود".

ولا تبدو الولايات المتحدة في وارد الضغط على إسرائيل للقيام بانسحاب واسع من دون مقابل أمني واضح، وفي الوقت نفسه لا تريد، وفق القراءة اللبنانية، انفجار مواجهة واسعة جديدة تجعل المسار السياسي بلا معنى.

تستمر بالتوازي الاتصالات العسكرية اللبنانية الأميركية، فيما تتناول النقاشات إمكان تطوير نموذج جديد لتسليم مناطق إلى الجيش اللبناني، إذا أمكن الاتفاق على آلية تحول دون عودة القوات الإسرائيلية إليها لاحقاً.

ودخلت منطقة مرتفعات "علي الطاهر" ومحيطها ضمن الأفكار المطروحة باعتبارها مرشحة لأن تصبح نموذجاً تجريبياً إضافياً. لكن الخلاف بقي قائماً حول التسلسل: إسرائيل تريد تقدماً لبنانياً في السيطرة الأمنية ومنع نشاط حزب الله، بينما تريد الحكومة اللبنانية الانسحاب أولاً أو، في الحد الأدنى، ضمانات أميركية ملزمة بألا يكون الانسحاب مؤقتاً.

ويقول المصدر الحكومي إن المشكلة الأساسية أصبحت في "من يقوم بالخطوة الأولى"، وهي عقدة عطلت عملياً البناء على الجولات التفاوضية السابقة.

وكشفت الزيارة في الوقت نفسه حدود القدرة اللبنانية، إذ تنظر الولايات المتحدة، بحسب قراءة المصدر، إلى لبنان باعتباره جزءاً من لوحة إقليمية تشمل إيران وأمن إسرائيل ومستقبل الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران في أكثر من دولة. وبالتالي لم يعد توقيت التسوية اللبنانية مرتبطاً حصراً بالمفاوضات بين بيروت وتل أبيب.

جاء لقاء سلام بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليضيف بعداً آخر إلى هذا المسار. فقد أكد سلام أن لبنان لا يريد أن يتحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية، ودعا إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية الإيرانية قائمة على احترام سيادة الدولتين، كما طُرح خلال اللقاء موضوع تعيين سفير إيراني جديد في بيروت.

حزب الله: السلاح ليس ملفاً تقنياً

على الجانب الآخر، يقدم مصدر مقرب من حزب الله لـ"عربي بوست" قراءة مختلفة للمسار الجاري، ويقول إن الحزب لا يتعامل مع قرار حصر السلاح باعتباره إجراءً إدارياً تستطيع الحكومة وضع جدول زمني لتنفيذه بمعزل عن الواقع العسكري في الجنوب.

بحسب المصدر، لا يقوم موقف الحزب على رفض النقاش إلى ما لا نهاية، لكنه يرفض صيغة يكون فيها التخلي عن السلاح مقدمة للتفاوض على الانسحاب الإسرائيلي، بدلاً من أن يكون نتيجة لمسار يضمن الانسحاب ويحدد مستقبل الوضع الأمني في الجنوب.

يريد الحزب، وفق المصدر، نقل النقاش من سؤال "متى يُسلّم السلاح؟" إلى أسئلة تتعلق بمصير الاحتلال والضمانات الأمنية ودور الجيش وآلية منع الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى مستقبل مفهوم "المقاومة" بعد أي تسوية.

وتظهر هذه المقاربة أيضاً في خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي لم يقدم مؤشراً على قبول الحزب بالصورة الحالية لخطة حصر السلاح، وربط أي نقاش جدي في الملف بمسار الانسحاب الإسرائيلي.

"علي الطاهر" غيّرت في معادلة الحزب

يقر المصدر المقرب من الحزب بأن التطورات الميدانية الأخيرة وضعته أمام معضلة مختلفة، فالتوسع الإسرائيلي والسيطرة على مواقع استراتيجية في الجنوب وشمال الليطاني جزئياً، وفق المعطيات الواردة في المادة، دفعا الحزب إلى إعادة صياغة حجته السياسية حول وظيفة السلاح.

ولم يعد النقاش داخل البيئة المحيطة بالحزب، بحسب المصدر، متعلقاً فقط بقدرة السلاح على ردع إسرائيل، بل بكيفية الحفاظ على أوراق القوة في وقت تستطيع فيه إسرائيل فرض وقائع ميدانية جديدة.

ولهذا يركز خطاب الحزب بصورة متزايدة على أن وظيفته في المرحلة الحالية هي منع إسرائيل من تحويل تفوقها العسكري إلى شروط سياسية دائمة، وليس الادعاء بإمكان العودة سريعاً إلى المعادلات التي كانت قائمة قبل الحرب.

ويفسر ذلك، بحسب المصدر، تمسك الحزب بعدم إعطاء إشارة مجانية إلى استعداده للتخلي عن السلاح قبل معرفة شكل التسوية النهائية.

وتراقب الحكومة اللبنانية كذلك خطاب حزب الله الداخلي، خصوصاً بعد إشارة نعيم قاسم إلى حق المواطنين في التظاهر والاحتجاج على الملفات المعيشية، وقرأت أوساط حكومية هذه الإشارة باعتبارها رسالة تتجاوز الشق الاجتماعي.

ويقول مصدر حكومي لـ"عربي بوست" إن الحكومة لا تعتبر أن الحزب اتخذ قراراً بإطلاق مواجهة سياسية في الشارع، لكنها تراقب إمكانية استخدام الضغط الاجتماعي تدريجياً لرفع تكلفة القرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح.

في المقابل، يرفض المصدر المقرب من الحزب اختزال الموقف باعتباره تحضيراً لإسقاط الحكومة، ويقول إن قيادة الحزب ترى أن تحميل بيئتها وحدها كلفة الحرب والدمار، بالتزامن مع ممارسة ضغط سياسي وأمني عليها، سيجعل الاحتقان الاجتماعي أمراً يصعب ضبطه.

لكن النتيجة، وفق المعطيات نفسها، أن المواجهة حول السلاح بدأت تنتقل تدريجياً من الجنوب وطاولة المفاوضات إلى التوازنات الداخلية اللبنانية.

شهر اختبار لا شهر تسوية

المحصلة التي عاد بها سلام من نيويورك، وفق المصدر الحكومي، ليست وجود تسوية جاهزة، وإنما استمرار قناة التفاوض ضمن شروط أكثر صعوبة. ولا يزال احتمال إعادة تنشيط المسار قائماً، سواء عبر قناة سياسية أو من خلال المحادثات العسكرية التي تشارك فيها الولايات المتحدة.

لكن انعقاد أي جولة جديدة سيحتاج إلى تفاهم مسبق حول هدف ملموس، بدلاً من العودة إلى مفاوضات مفتوحة بلا نتائج. وتضع المصادر أمام المرحلة المقبلة 3 اتجاهات عملية: استئناف التفاوض حول منطقة محددة ينسحب منها الإسرائيلي وينتشر فيها الجيش اللبناني مع آلية تحقق، أو استمرار الوضع الحالي من ضربات واحتلال محدود وضغط سياسي من دون حرب شاملة أو تسوية.

أما الاحتمال الثالث، فيتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى مطالبة بيروت بخطوات إضافية في ملف السلاح قبل ممارسة ضغط أكبر على إسرائيل. وهذه الاحتمالات تظل، وفق المادة، ضمن القراءات المطروحة للمرحلة المقبلة وليست تسوية محسومة.

لكن مصدراً حكومياً لبنانياً يلفت إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في الفارق بين سرعة المسارين: "الدبلوماسية تتحرك ببطء، فيما تتغير الوقائع على الأرض يوميا".

وبين هذه المسارات يدخل لبنان مرحلة قد تكون أطول من المتوقع، في وقت لا يريد فيه أي طرف تقديم الخطوة الأولى، بينما يستمر ميزان القوى على الأرض في التغير قبل أن تصل المفاوضات إلى تحديد شكل التسوية النهائية.

تحميل المزيد