لم يكن إعلان الجيش الإسرائيلي تحقيق "السيطرة العملياتية" على مرتفعات علي الطاهر مجرد تطور ميداني في واحدة من أكثر جبهات جنوب لبنان حساسية، بل جاء بعد أسابيع من القتال والحصار ومحاولات التقدم، وفي ظل اتصالات سياسية ودبلوماسية مكثفة هدفت إلى منع تحول المعركة إلى مواجهة أوسع.
بحسب معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصادر عسكرية لبنانية ودبلوماسية غربية، فإن معركة مرتفعات علي الطاهر تزامنت مع اتصالات غير مباشرة بين إيران وأمريكا، إلى جانب وساطات إقليمية ودولية، بحثت كيفية احتواء التصعيد ومنع انتقاله من جبهة جنوب لبنان إلى مواجهة إقليمية مباشرة.
كانت واشنطن تدرك أن عملية إسرائيلية واسعة للسيطرة على المرتفعات يمكن أن تستدعي رداً إيرانياً أو تدفع حزب الله إلى توسيع نطاق المواجهة، ولذلك تحركت عبر أكثر من قناة في محاولة لوضع سقف للتصعيد، من دون أن يعني ذلك اتفاقاً أميركياً–إيرانياً على مصير المرتفعات أو منع إسرائيل من تنفيذ العملية.
في الميدان، تمكنت القوات الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة من تثبيت وجودها في أجزاء أساسية من مرتفعات علي الطاهر والوصول إلى عدد من المنشآت الموجودة تحت الأرض، بعدما ركزت عملياتها خلال أسابيع على محاصرة المنطقة وقطع طرق الوصول إليها واستهداف محيطها بالنيران والغارات الجوية.
بحسب مصدر عسكري لبناني مطلع على التطورات، فإن التحول الأهم لم يكن مجرد وصول القوات الإسرائيلية إلى المرتفعات، وإنما تراجع قدرة حزب الله على الاحتفاظ بها كنقطة عسكرية متماسكة، بعد استهداف خطوط الإمداد والاتصال والمداخل المؤدية إلى المواقع الموجودة داخلها.
هل سقطت فعلاً مرتفعات علي الطاهر؟
يحتاج وصف ما جرى بأنه "سقوط كامل" لعلي الطاهر إلى بعض الدقة، وفق المصدر العسكري اللبناني، إذ إن المرتفعات ليست موقعاً عسكرياً واحداً يمكن السيطرة عليه دفعة واحدة، وإنما مساحة جبلية تضم نقاطاً ومنشآت ومسارات تحت الأرض.
لكن النتيجة العسكرية الأساسية أصبحت واضحة، وهي فقدان حزب الله القدرة على استخدام المنطقة بالطريقة التي كانت قائمة سابقاً، أو الحفاظ عليها كنقطة عسكرية متماسكة.
كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن أن قوات الفرقة 36 حققت "سيطرة عملياتية" على المرتفعات فوق الأرض وتحتها، وأنها دخلت مسارين تحت الأرض وعثرت داخلهما على غرف عمليات ومستودعات أسلحة وغرف إقامة وتجهيزات تسمح بالبقاء لفترات طويلة.
حسب ما أعلنه جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإن العمل مستمر لتعطيل هذه المنشآت، قبل إعادة انتشار القوات وفقاً لتقييم الوضع الميداني.
تشير مصادر عسكرية لبنانية إلى أن إسرائيل اتبعت قبل الدخول المباشر سياسة استنزاف تدريجية، تضمنت استهداف المداخل ومسارات الإمداد ومراقبة الحركة حول المرتفعات، بالتوازي مع استخدام مكثف للاستطلاع الجوي والنيران، قبل الانتقال إلى العمليات البرية.
بالنسبة إلى حزب الله، فإن فقدان القدرة على استخدام مرتفعات علي الطاهر بحرية يمثل ضربة مهمة لبنيته العسكرية في هذا القطاع، لكنه لا يعني انتهاء قدراته في المنطقة الممتدة شمال الليطاني، ولا يعني بالضرورة أن إسرائيل باتت قادرة على السيطرة بالطريقة نفسها على جميع المواقع التي تعتبرها جزءاً من البنية العسكرية للحزب.
المعركة سبقتها رسائل إلى واشنطن
خلف التطورات العسكرية، كانت المرتفعات قد تحولت خلال الأسابيع السابقة إلى إحدى أكثر النقاط حساسية في الاتصالات الأميركية مع إيران والوسطاء الإقليميين، بحسب مصادر دبلوماسية غربية تحدثت إلى "عربي بوست".
تقول المصادر إن إيران نقلت إلى الولايات المتحدة، عبر سلطنة عُمان وقطر، تحذيراً من شن إسرائيل هجوماً شاملاً على علي الطاهر، وأبلغت الجانب الأميركي بأن عملية من هذا النوع يمكن أن تدفعها إلى التدخل والرد.
هذه الرسالة، وفق المصادر، فتحت مرحلة جديدة من الاتصالات، لم يكن هدف واشنطن خلالها منع أي عملية إسرائيلية في المنطقة، بقدر ما كان منعها من تجاوز سقف معين يؤدي إلى دخول إيران بصورة مباشرة في المواجهة.
بحسب المصادر الدبلوماسية الغربية، أنتجت الاتصالات اللاحقة "تفاهمات غير مباشرة" بين واشنطن وطهران حول إدارة التصعيد، لكنها لم تصل إلى مستوى اتفاق سياسي معلن أو تفاهم مكتوب بشأن مستقبل علي الطاهر.
تشدد المصادر على أن الحديث لا يدور عن اتفاق أميركي–إيراني على "تسليم" المرتفعات لإسرائيل، وإنما عن تفاهم أوسع يتعلق بقواعد إدارة المواجهة ومنع التصعيد.
بهذه الصيغة، أصبح ممكناً تنفيذ العملية الإسرائيلية من دون أن تتحول إلى الشرارة التي كانت طهران قد حذرت منها، فيما عمل الوسطاء على الفصل بين السيطرة العسكرية على الموقع وبين توسيع العملية إلى مناطق أخرى.
في الوقت نفسه، بقي الباب مفتوحاً أمام ترتيبات لاحقة تتعلق بشكل الانتشار الإسرائيلي ومستقبل المرتفعات ضمن أي تسوية أوسع في جنوب لبنان.
لماذا "مرتفعات علي الطاهر" بهذه الأهمية؟
لا ترتبط أهمية المعركة في مرتفعات علي الطاهر باعتبارها موقعاً مرتفعاً فحسب، وإنما بموقعها الجغرافي وطبيعة البنية العسكرية التي أنشأها حزب الله في المنطقة على مدى سنوات.
تقول مصادر عسكرية لبنانية إن مرتفعات علي الطاهر تشكل عقدة جغرافية وعسكرية مهمة بسبب ارتفاعها وإشرافها على مساحة واسعة من المحاور المحيطة بالنبطية وإقليم التفاح.
كما تضم المنطقة شبكة من المنشآت التي لم تكن مخصصة للحماية فقط، وإنما كانت جزءاً من بنية أوسع للقيادة والسيطرة والتخزين والتحرك بعيداً عن المراقبة الجوية، وهو ما يفسر حجم التركيز الإسرائيلي عليها خلال الفترة الماضية.
لهذا، لم تبدأ إسرائيل بالهجوم البري المباشر، وإنما سبقت ذلك بعملية استنزاف هدفت إلى إضعاف قدرة الموقع على الصمود، عبر ضرب المداخل ومسارات الإمداد ومراقبة الحركة المحيطة به.
مع انتقال القوات الإسرائيلية إلى داخل المنطقة، أصبحت المعركة مرتبطة بسؤال أكبر من السيطرة على المرتفعات: هل ستبقى العملية محدودة زمنياً، أم ستتحول علي الطاهر إلى جزء ثابت من المنطقة الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها في جنوب لبنان؟
أين ذهب مقاتلو حزب الله؟
تقول مصادر عسكرية لبنانية إن المعطيات المتوافرة لدى المؤسسة العسكرية والأمنية تشير إلى أن الجزء الأكبر من عناصر حزب الله الموجودين داخل المنطقة لم يبق حتى المراحل الأخيرة من العملية.
بحسب المصادر، حصل انسحاب تدريجي من عدد من المواقع مع اشتداد الحصار والضغط العسكري، ما يعني أن المواجهة في مراحلها الأخيرة لم تتحول إلى معركة دفاع حتى آخر عنصر داخل الأنفاق.
لا تقدم المصادر أرقاماً دقيقة لعدد العناصر الذين كانوا موجودين داخل المرتفعات أو الذين قتلوا خلال المعارك، لكنها ترى أن الانسحاب التدريجي ساهم في تسريع انتقال أجزاء واسعة من الموقع إلى السيطرة الإسرائيلية.
يتقاطع ذلك جزئياً مع الرواية الإسرائيلية التي تحدثت عن مقتل عدد من عناصر حزب الله وفرار آخرين من المنطقة، لكن المصادر العسكرية اللبنانية تؤكد أن الأرقام والوقائع التفصيلية التي أعلنها الجيش الإسرائيلي لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة حتى الآن.
تفاهم على إدارة التصعيد
سياسياً، دفعت حساسية مرتفعات علي الطاهر واشنطن إلى التعامل معها باعتبارها اختباراً لقدرتها على إدارة الحرب في لبنان بالتوازي مع اتصالاتها مع طهران.
تقول المصادر الدبلوماسية الغربية إن الأولوية الأميركية تمثلت في منع 3 سيناريوهات رئيسية: دخول إيران مباشرة في المواجهة، وانتقال حزب الله إلى مستوى أعلى من الرد، وانهيار المسار السياسي اللبناني–الإسرائيلي الذي تحاول واشنطن إعادة تنشيطه.
لهذا، جرى العمل على صيغة تسمح لإسرائيل بمواصلة عملياتها العسكرية، من دون تحويل مرتفعات علي الطاهر إلى "خط أحمر إيراني" يؤدي تجاوزه إلى حرب أوسع. وتصف المصادر النتيجة بأنها "تفاهم على إدارة التصعيد أكثر منه صفقة على الأرض".
إذا نجحت واشنطن في الحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران، فقد يصبح هذا النمط نموذجاً للتعامل مع نقاط عسكرية أخرى شديدة الحساسية في جنوب لبنان: ضغط عسكري إسرائيلي، ورسائل إيرانية، ووساطة أميركية، ثم محاولة منع انتقال المواجهة إلى مستوى إقليمي.
لكن الاختبار الحقيقي لهذا التفاهم يبدأ بعد انتهاء العملية، وتحديداً في طبيعة الوجود الإسرائيلي داخل علي الطاهر. فالسؤال ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل سيطرت على المرتفعات، وإنما ما إذا كانت ستحتفظ بها ضمن ما تسميه المنطقة الأمنية، أم ستستخدم السيطرة الحالية كورقة تفاوض في ترتيبات أوسع.
من "السيطرة العملياتية" إلى الاحتلال؟
تقول مصادر عسكرية لبنانية إن هناك فارقاً أساسياً بين إعلان "السيطرة العملياتية" وبين تثبيت وجود عسكري طويل الأمد. ولهذا، سيكون شكل الانتشار الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة المؤشر الأهم على الهدف الحقيقي للعملية.
فالجيش الإسرائيلي تحدث عن إعادة انتشار دفاعية بعد الانتهاء من تعطيل المنشآت الموجودة تحت الأرض، بينما بات الخطاب السياسي الإسرائيلي أكثر ميلاً إلى التعامل مع السيطرة على المرتفعات باعتبارها جزءاً من تعزيز المنطقة الأمنية التي تريد إسرائيل فرضها داخل جنوب لبنان.
بحسب المصادر، فإن إقامة نقاط ثابتة ومواقع محصنة وربط مرتفعات علي الطاهر بشبكة المواقع الإسرائيلية الأخرى سيعني عملياً انتقال المنطقة إلى خريطة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
أما إذا انسحبت الوحدات المهاجمة بعد تدمير المنشآت، واكتفت بالسيطرة النارية والمراقبة، فسيكون توصيف العملية مختلفاً. وبالتالي، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت معركة علي الطاهر انتهت عسكرياً فقط، أم أنها أسست لواقع جغرافي وأمني جديد.
من الميدان إلى طاولة التفاوض
يأتي هذا التطور الذي شهدته مرتفعات علي الطاهر بالتوازي مع محاولات أميركية لإعادة تحريك المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، في ظل استمرار البحث في عقد جولة جديدة من المحادثات.
تقول مصادر دبلوماسية غربية إن واشنطن تريد الانتقال تدريجياً من إدارة الحرب إلى إدارة الترتيبات التي ستليها، وإن الملفات المطروحة تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومستقبل المواقع التي تسيطر عليها إسرائيل، وآلية مراقبة الحدود، ومسار معالجة سلاح حزب الله.
في هذا السياق، من المرجح أن تتحول علي الطاهر إلى إحدى الأوراق الرئيسية على طاولة التفاوض، خصوصاً إذا قررت إسرائيل الاحتفاظ بوجود عسكري فيها.
بالنسبة إلى بيروت، سيكون من الصعب التعامل مع بقاء القوات الإسرائيلية في المرتفعات باعتباره مجرد عملية عسكرية مؤقتة إذا تحول الوجود إلى مواقع ثابتة مرتبطة بالمنطقة الأمنية.
كما تشير المصادر إلى أن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بالإفراج عن محتجزين لبنانيين تأتي في السياق نفسه، أي محاولة إبقاء قناة التفاوض مفتوحة وإظهار إمكانية تحقيق خطوات متبادلة، حتى مع استمرار العمليات العسكرية على الأرض.
الاختبار يبدأ بعد سقوط مرتفعات علي الطاهر
لا تبدو معركة مرتفعات علي الطاهر، في المحصلة، منفصلة عن المسار الأكبر الذي يجري رسمه لجنوب لبنان. عسكرياً، أدى فقدان حزب الله القدرة على استخدام المرتفعات بالشكل السابق إلى تغيير مهم في ميزان السيطرة في هذه المنطقة.
سياسياً، أظهرت المعركة أن واشنطن وطهران ما زالتا قادرتين، عبر الوسطاء، على رسم حدود معينة للمواجهة حتى في أكثر الملفات حساسية. لكن ذلك لا يعني أن تفاهمات إدارة التصعيد تحولت إلى اتفاق على مستقبل جنوب لبنان أو سلاح حزب الله أو حدود الانسحاب الإسرائيلي.
فالاختبار الحقيقي سيكون في المرحلة المقبلة. إذا تحولت السيطرة على علي الطاهر إلى نقطة انطلاق إسرائيلية نحو مواقع إضافية، فقد تنهار قواعد ضبط التصعيد سريعاً، وقد تجد واشنطن نفسها أمام معادلة جديدة يصعب احتواؤها.
أما إذا جرى تثبيت خطوط المواجهة وإدخال المواقع التي سيطرت عليها إسرائيل ضمن المفاوضات، فقد تكون علي الطاهر أول تطبيق لنمط جديد يقوم على الجمع بين الضغط العسكري والتفاهمات غير المباشرة.
هنا تكمن أهمية المعركة: ليس فقط في معرفة من يسيطر على المرتفعات اليوم، وإنما في معرفة ما إذا كانت الطريقة التي انتهت بها ستتحول إلى نموذج لمعالجة بقية العقد العسكرية في الجنوب.
تقدم إسرائيلي مضبوط، ورسائل إيرانية عبر الوسطاء، ووساطة أميركية لضبط سقف التصعيد، ثم نقل النزاع تدريجياً من الميدان إلى طاولة التفاوض.
بين هذه المراحل، يبقى السؤال الأكبر مفتوحاً: هل تنتهي قصة مرتفعات علي الطاهر بانسحاب إسرائيلي بعد تحقيق هدف عسكري، أم تتحول المرتفعات إلى أول حجر في إعادة رسم الخريطة الأمنية لجنوب لبنان؟