الجنوب اللبناني: مخاوف من فرض إسرائيل منطقة أمنية جديدة، ومصادر تكشف شروط بيروت للتسوية

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/02 الساعة 11:10 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/02 الساعة 11:10 بتوقيت غرينتش
تعقيدات تواجه التسوية في الجنوب اللبناني/ عربي بوست

لم تعد قضية مرتفعات علي الطاهر تُقرأ داخل لبنان باعتبارها مواجهة محدودة حول موقع عسكري أو منطقة بعينها، بل إن هناك مخاوف داخل المؤسسات الرسمية والأمنية بشأن احتمال أن تكون المنطقة بداية نموذج جديد تريد إسرائيل تطبيقه تدريجياً في جنوب لبنان، عبر الضغط العسكري لتغيير الوقائع على الأرض قبل التوصل إلى أي اتفاق سياسي شامل.

في المقابل، تحاول بيروت منع تحول انتشار الجيش اللبناني إلى التزام أحادي الجانب، يوسع بموجبه الجيش نطاق سيطرته ومسؤولياته بينما تحتفظ إسرائيل بمواقعها وتواصل عملياتها العسكرية. لذلك، بات المطلب اللبناني يقوم على معادلة متزامنة: انسحاب إسرائيلي من منطقة، دخول الجيش إليها، ثم الانتقال إلى المرحلة التالية.

بحسب معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصادر حكومية وعسكرية ودبلوماسية مطلعة على الاتصالات، تنتظر بيروت حالياً مقترحاً أميركياً يتضمن برنامجاً واضحاً للانسحاب الإسرائيلي وآلية للتحقق من تنفيذه، في وقت يجري فيه البحث عن ترتيبات أمنية جديدة للجنوب ومستقبل دور القوات الدولية.

تتجاوز المفاوضات الحالية مسألة الانسحاب وحدها، إذ يربط لبنان أي انتقال نحو معالجة أوسع لسلاح حزب الله بضمانات جدية تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية، فيما تبقى المخاوف قائمة من أن تستغل إسرائيل المفاوضات لفرض منطقة أمنية جديدة داخل الأراضي اللبنانية، حتى لو بقيت السيادة عليها لبنانية من الناحية القانونية.

الجيش اللبناني يرفض الانتشار بلا مقابل

أبلغ قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل المسؤولين المعنيين بأنه لا يريد توسيع انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان ضمن ما يعرف بالمناطق التجريبية من دون خطوة إسرائيلية مقابلة.

وقال مصدر عسكري لبناني لـ"عربي بوست" إن موقف قيادة الجيش لا يعني الاعتراض على الانتشار جنوباً، وإنما رفض الدخول في ترتيبات يتحمل فيها الجانب اللبناني وحده الالتزامات، بينما تحتفظ إسرائيل بمواقعها وتواصل عملياتها العسكرية والهدم والتجريف.

تقوم الصيغة التي يفضلها الجيش، وفق المصدر، على انسحاب إسرائيلي من منطقة محددة بالتوازي مع دخول الجيش إليها وتثبيت سلطته، قبل الانتقال إلى منطقة أخرى.

يخشى المسؤولون اللبنانيون أن يؤدي الانتشار، في غياب هذه المعادلة، إلى تكريس أمر واقع تصبح فيه القوات اللبنانية مسؤولة عن ضبط حزب الله وتنفيذ التزامات أمنية إضافية، من دون وجود التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب.

تشير المعطيات داخل الدولة اللبنانية إلى أن هذه المسألة أصبحت واحدة من العقد الرئيسية في المفاوضات مع الأميركيين، خصوصاً أن استمرار العمليات الإسرائيلية يجعل من الصعب على الجيش تقديم خطوات إضافية على الأرض.

فمن وجهة النظر اللبنانية، لا يمكن بناء ترتيب مستدام إذا كان أحد الطرفين مطالباً بتغيير الواقع الأمني بينما يحتفظ الطرف الآخر بحرية الاستمرار في العمليات العسكرية وتثبيت مواقع جديدة.

عون يريد خطة أميركية لا تعهدات سياسية

في موازاة ذلك، قال مصدر دبلوماسي لبناني مطلع على الاتصالات مع واشنطن إن الرئيس جوزيف عون ينتظر تصوراً أميركياً جديداً يتجاوز الصيغ التي طرحت خلال الجولات السابقة.

كان الجانب الأميركي قد أبلغ لبنان بأن واشنطن تجري اتصالات مع إسرائيل بشأن برنامج للانسحاب، لكن بيروت تريد الانتقال هذه المرة من مستوى التعهدات السياسية إلى خطة تنفيذية واضحة.

بحسب المصدر، يريد عون إجابات محددة عن 4 أسئلة رئيسية: أين يبدأ الانسحاب الإسرائيلي؟ وما مراحله؟ ومن يتولى التحقق من التنفيذ؟ وما الجهة التي تضمن الالتزام بالترتيبات في حال وقوع خرق؟

تكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية مع اقتراب انتهاء مهمة "اليونيفيل" بصيغتها الحالية، وبدء البحث في الآلية التي يمكن أن تتولى مراقبة الوضع في الجنوب إلى جانب الجيش اللبناني.

وتفيد مصادر دبلوماسية بأن عدة دول طُرحت أسماؤها للمشاركة في ترتيبات المراقبة تريد بدورها ضمانات أمنية وسياسية مسبقة، خصوصاً بشأن وقف العمليات الإسرائيلية في مناطق انتشارها وضمان عدم تعرضها لأي تحرك من حزب الله.

لكن النقطة الأكثر حساسية، بحسب مصدر حكومي لبناني تحدث لـ"عربي بوست"، تتعلق باستعداد عون للانتقال إلى معالجة ملف سلاح حزب الله على مستوى لبنان كله، وليس جنوب الليطاني فقط.

يشترط ذلك، وفق المصدر، الحصول على ضمانات أميركية جدية بشأن الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية ووضع آلية واضحة للتحقق من تنفيذ الترتيبات.

تقوم مقاربة عون على أن الدولة تستطيع فتح نقاش شامل حول احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم إذا تغيرت الظروف التي يستخدمها حزب الله لتبرير استمرار سلاحه، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي واستمرار العمليات العسكرية.

وبالتالي، لا تطرح بعبدا المسألة باعتبارها عملية من طرف واحد، بل ضمن مسار متزامن يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش وتثبيت الترتيبات الأمنية، وصولاً إلى انتقال الدولة نحو معالجة ملف السلاح شمال الليطاني أيضاً.

اختبار جديد للمفاوضات في روما

في محاولة لإعادة تشغيل المسار السياسي، تفيد مصادر دبلوماسية بأن الأميركيين طرحوا استئناف المفاوضات في روما خلال سبتمبر/ أيلول، على أن يضم الوفد اللبناني ممثلين سياسيين وعسكريين.

تريد بيروت أن تختلف الجولة المقبلة عن سابقاتها عبر الانتقال من مناقشة المبادئ العامة إلى خطوات تنفيذية واضحة. وتشمل هذه الخطوات مراحل الانسحاب الإسرائيلي، والمناطق التي سيدخلها الجيش اللبناني، وآلية التحقق من التزام الطرفين.

وتنظر الدولة اللبنانية إلى الجولة المقبلة باعتبارها اختباراً مباشراً للمقترح الأميركي الجديد. فهي لا تريد الذهاب إلى مفاوضات جديدة يكون هدفها الأساسي إبقاء قناة الاتصال مفتوحة، بينما تستمر إسرائيل في تغيير الواقع الميداني.

يأتي ذلك في ظل استمرار الاتصالات الأميركية مع الجانب الإسرائيلي. ووفق المعلومات المتاحة، تراقب بيروت خصوصاً قدرة واشنطن على تحويل هذه الاتصالات إلى صيغة قابلة للتطبيق، بدلاً من إعادة إنتاج الشروط الإسرائيلية نفسها في كل جولة تفاوض.

وتريد بيروت أن تعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للضغط من أجل جدول انسحاب فعلي، أم أن دورها سيبقى مقتصراً على إدارة التوتر ومنع الانفجار الكبير.

ما بعد علي الطاهر.. خريطة محتملة للتصعيد

تبقى مرتفعات علي الطاهر الاختبار الميداني الأكثر حساسية، لكن مصادر أمنية لبنانية تقول إن القلق الحقيقي لم يعد مرتبطاً بالمنطقة وحدها، وإنما بما يمكن أن يليها.

قال مصدر أمني لبناني لـ"عربي بوست" إن تقديرات متداولة لدى الجهات اللبنانية المعنية تشير إلى أن إسرائيل درست خيارات عسكرية تمتد من علي الطاهر باتجاه جبل الريحان وإقليم التفاح. والهدف من هذه الخيارات، وفق المصدر، هو ضرب وتفكيك مواقع ومنشآت عسكرية لحزب الله في المنطقة.

وشدد المصدر على أن ذلك لا يعني أن قراراً إسرائيلياً بتنفيذ عملية واسعة قد اتُخذ، لكنه يمثل أحد السيناريوهات التي يجري التعامل معها بجدية في حال انهيار المسار السياسي أو اتخاذ إسرائيل قراراً برفع مستوى الضغط العسكري.

توجد كذلك، بحسب المصدر، خشية من تنفيذ عمليات موضعية في البقاع تستهدف منشآت تعتبرها إسرائيل جزءاً من البنية الاستراتيجية للحزب. وتكمن المشكلة بالنسبة إلى بيروت في احتمال تحول علي الطاهر إلى نموذج متكرر.

أي أن تحدد إسرائيل موقعاً عسكرياً لحزب الله، وتطالب بإخلائه، وتلوح باستخدام القوة، ثم تنتقل بعد معالجة الملف إلى موقع آخر. وتتجاوز التقديرات، بحسب المعلومات الواردة، علي الطاهر إلى احتمال التحرك نحو الريحان وإقليم التفاح، إضافة إلى عمليات موضعية محتملة في البقاع.

من هنا يأتي تحفظ حزب الله على معالجة علي الطاهر باعتبارها قضية عسكرية منفصلة، إذ يخشى أن يؤدي ذلك إلى تكريس قاعدة تسمح لإسرائيل عملياً بتحديد المواقع التي يجب إخلاؤها داخل الأراضي اللبنانية.

بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، فإن خطورة هذا السيناريو لا ترتبط فقط بموقع واحد، وإنما بتحول المفاوضات إلى عملية مستمرة لتعديل الخريطة الأمنية بالقوة.

انسحاب من جنوب لبنان أم إعادة رسم الحدود؟

تقود هذه المخاوف إلى سؤال أصبح مركزياً داخل النقاش اللبناني: ما الشكل النهائي الذي تريده إسرائيل للحدود؟ وقال مصدر دبلوماسي لبناني إن المشكلة لم تعد تتعلق فقط بمعرفة ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب، وإنما بالشروط التي تريد فرضها بعد أي انسحاب.

تشير التقديرات اللبنانية، وفق المصدر، إلى أن إسرائيل تريد نطاقاً حدودياً يمنع حزب الله من إعادة بناء وجود عسكري قريب من الحدود ويحول دون تنفيذ هجوم بري مشابه لما جرى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

يعني ذلك، وفق القراءة اللبنانية، أن الخلاف بين الجانبين يتجاوز مسألة سلاح حزب الله وحدها إلى طبيعة السيادة على المنطقة الحدودية نفسها. فبيروت تريد انسحاباً إسرائيلياً كاملاً، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، وانتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانية.

لكن الخشية اللبنانية تتمثل في أن تعمل إسرائيل على إنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تبقى فيها السيادة لبنانية من الناحية القانونية، مع فرض قيود فعلية على العودة أو الإعمار أو الحركة.

تظهر هذه الفجوة في النقاش اللبناني حول الشريط الحدودي، حيث تتداول تقديرات عن رغبة إسرائيلية في إقامة نطاق بعمق 2 أو 3 كيلومترات.

في المقابل، لا تعتبر المصادر اللبنانية أن إعادة الوضع الحدودي إلى ما كان عليه قبل الحرب خياراً إسرائيلياً مضموناً في المرحلة الحالية. وهذا يعني أن أحد أخطر السيناريوهات بالنسبة إلى بيروت هو التوصل إلى انسحاب شكلي لا يعيد عملياً السيطرة الكاملة للدولة على المناطق الحدودية.

لبنان وإسرائيل وشكل "اليوم التالي"

لا تنفصل هذه الحسابات عن التطورات الإقليمية، ولا سيما العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. ويقول مصدر دبلوماسي عربي إن أي تفاهم أميركي إيراني واسع يمكن أن ينعكس مباشرة على لبنان ويفتح الباب أمام تسوية أكثر استقراراً.

لكن انهيار المسار بين واشنطن وطهران، وفق المصدر، سيزيد احتمالات التصعيد ويعيد وضع الساحة اللبنانية داخل إطار المواجهة الإقليمية الأوسع. وتدرك بيروت، بحسب المصادر، أن واشنطن تريد إبقاء المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مفتوحة ومنع توسع الحرب.

لكن السؤال الذي لم يُحسم بعد هو ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للضغط فعلاً للوصول إلى تسوية، أم أنها ستكتفي بإدارة الأزمة في انتظار اتضاح المسار الإقليمي.

ولهذا، ستكون الأسابيع المقبلة محكومة بـ3 اختبارات رئيسية. الأول يتعلق بقدرة واشنطن على تقديم برنامج فعلي للانسحاب الإسرائيلي، وليس مجرد التزامات سياسية عامة.

أما الاختبار 2 فيتعلق بمصير علي الطاهر وما إذا كان سيُعالج سياسياً أم يتحول إلى بداية مسار عسكري أوسع. ويتمثل الاختبار 3 في قدرة المفاوضات المقبلة على الانتقال من إدارة المواجهة إلى تحديد شكل "اليوم التالي" في جنوب لبنان.

فالخطر الذي يقلق المسؤولين اللبنانيين ليس انهيار المفاوضات وحده. الخطر الأكبر، من وجهة نظرهم، هو استمرار المفاوضات بينما تواصل إسرائيل فرض وقائع عسكرية جديدة على الأرض.

وعندها قد تجد بيروت نفسها، بعد أشهر من المفاوضات، لا تناقش تنفيذ انسحاب إسرائيلي متفق عليه، بل تفاوض لإزالة واقع أمني جديد تكون إسرائيل قد نجحت في تثبيته بالفعل.

وبين انتشار الجيش، ومستقبل "اليونيفيل"، ومصير سلاح حزب الله، وخريطة المواقع التي قد تصبح أهدافاً إسرائيلية لاحقاً، تبدو المفاوضات الحالية أكبر من مجرد نقاش حول وقف العمليات.

إنها، عملياً، مفاوضات حول من سيحدد قواعد الأمن والسيادة في جنوب لبنان خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت التسوية ستعيد للدولة السيطرة على أرضها أم ستنتج واقعاً جديداً تُرسم حدوده تدريجياً تحت ضغط القوة العسكرية.

تحميل المزيد