لم يدم الهدوء بين واشنطن وطهران سوى أسابيع قليلة، إذ انهارت مذكرة التفاهم التي وُقِّعت بين الطرفين، لتعود المواجهة العسكرية بوتيرة متسارعة، عبر هجمات أميركية على أهداف داخل إيران، ورد إيراني استهدف قواعد أميركية في الخليج وسفناً قالت طهران إنها خرقت الترتيبات الجديدة لعبور مضيق هرمز.
وأعاد هذا التصعيد طرح تساؤلات حول أسباب انهيار الاتفاق بهذه السرعة، بعدما بدا في حينه أنه يفتح الباب أمام خفض التوتر بين البلدين، خصوصاً أنه تضمن تفاهمات تتعلق بحرية الملاحة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وإطلاق مسار سياسي لمعالجة الملفات الخلافية.
لكن مصادر إيرانية تقول إن الأزمة لم تكن وليدة الهجمات الأخيرة، بل بدأت منذ الأيام الأولى لتطبيق الاتفاق، مع خلافات حول تفسير بعض بنوده، واتهامات متبادلة بعدم الالتزام بالتعهدات، وصولاً إلى قناعة داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية بأن واشنطن استخدمت التفاهمات المؤقتة لإعادة ترتيب أوراقها.
ويقول مسؤول أمني إيراني لـ"عربي بوست" إن القيادة الإيرانية باتت تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها مرحلة أكثر خطورة من الحرب السابقة، مضيفاً: "نخشى أن تكون هذه الحرب طويلة ومفتوحة".
وبحسب المصادر ذاتها، فإن قرار العودة إلى التصعيد بين واشنطن وطهران لم يكن مرتبطاً بسبب واحد، بل جاء نتيجة تداخل اعتبارات عسكرية وسياسية واستراتيجية، تبدأ من مضيق هرمز ولا تنتهي عند مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
"المادة الخامسة".. شرارة المواجهة الجديدة؟
تجمع المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" على أن نقطة الانفجار الحقيقية لم تكن الهجمات العسكرية، وإنما الخلاف حول تنفيذ المادة الخامسة من مذكرة التفاهم، الخاصة بتنظيم الملاحة في مضيق هرمز، التي سرعان ما تحولت إلى محور الخلاف بين الطرفين.
وتنص المادة، وفق المصادر، على التزام إيران بضمان مرور السفن التجارية عبر المضيق، واتخاذ الترتيبات اللازمة لإعادة فتح حركة الملاحة بعد الحرب، وهو ما دفع طهران إلى الإعلان عن إعادة تشغيل الممر الملاحي لمدة 60 يوماً، بالتنسيق المباشر بين السفن الراغبة في العبور والبحرية الإيرانية، وهو ترتيب وافقت عليه واشنطن عند توقيع المذكرة.
إلا أن مسؤولاً حكومياً إيرانياً مقرباً من الحرس الثوري أوضح لـ"عربي بوست" أن المؤسسة الأمنية كانت ترى منذ البداية أن صياغة هذا البند تحتمل أكثر من تفسير، لكنها كانت تعتبر أن مسؤولية إدارة الحركة في المضيق بقيت حصراً بيد إيران، وأن أي تنسيق مع سلطنة عُمان أو دول الخليج يظل خياراً سيادياً لطهران، وليس التزاماً نصت عليه المذكرة.
وتقول المصادر الإيرانية إن الأزمة بدأت عندما سمحت سلطنة عُمان بفتح ممر ملاحي جنوبي لعبور السفن، بعيداً عن الترتيبات التي وضعتها إيران، وهو ما اعتبرته طهران تجاوزاً مباشراً لما تم الاتفاق عليه، واتهمت الولايات المتحدة بالضغط على مسقط لاتخاذ هذه الخطوة، بهدف تقليص السيطرة الإيرانية على المضيق.
وبحسب مصدر مقرب من الحرس الثوري، وجدت القيادة الإيرانية نفسها أمام خيارين: إما تجاهل التطور الجديد والإبقاء على سيطرتها على الممر الشمالي فقط، أو الرد على ما اعتبرته انتهاكاً أميركياً لبنود الاتفاق عبر استهداف السفن التي تستخدم الممر الجنوبي.
وحسمت المؤسسة العسكرية موقفها سريعاً، معتبرةً أن عدم الرد سيشكل سابقة تسمح لواشنطن بتغيير قواعد السيطرة على المضيق تدريجياً. وبدأت إيران، وفق المصادر، باستهداف عدد من السفن التي استخدمت الممر الجنوبي، لترد الولايات المتحدة بسلسلة من الضربات العسكرية التي كانت محدودة في بدايتها، قبل أن تتوسع تدريجياً تحت عنوان حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وترى المؤسسة العسكرية الإيرانية أن ما جرى لم يكن خلافاً تقنياً حول تنظيم حركة السفن، بل محاولة أميركية لانتزاع أحد أهم المكاسب الاستراتيجية التي حققتها طهران خلال الحرب السابقة، والمتمثل في فرض نفوذها على المضيق، بعدما فشلت واشنطن في تحقيق ذلك عبر القوة العسكرية.
ويقول مصدر مقرب من الحرس الثوري لـ"عربي بوست" إن القيادة الإيرانية اتخذت منذ إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب السابقة قراراً استراتيجياً بعدم التخلي عن نفوذها في هذا الممر البحري، مهما بلغت كلفة ذلك، معتبرةً أن أي تراجع في هذا الملف سيقوض الردع الإيراني ويشجع الولايات المتحدة على فرض وقائع جديدة في الخليج.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما يقوله الخبير السياسي الإيراني فرزين موسوي، المقرب من المؤسسة الأمنية، الذي يرى أن الشكوك داخل الحرس الثوري بشأن الاتفاق كانت قائمة منذ لحظة توقيعه، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قناعة بأن وقف إطلاق النار لم يكن سوى فرصة منحت واشنطن الوقت لإعادة ترتيب أوراقها والعودة إلى الضغط على إيران من موقع أقوى.
ولذلك، يضيف موسوي، فضلت طهران الرد على ما اعتبرته خرقاً للمادة الخامسة، بدلاً من القبول بتغيير موازين السيطرة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
اقتناع طهران بتخلي واشنطن عن الاتفاق؟
لم يكن الخلاف حول مضيق هرمز وحده كافياً لإعادة الطرفين إلى المواجهة، إذ تقول المصادر الإيرانية إن التوتر تصاعد بالتوازي مع تراجع واشنطن عن تنفيذ التزامات أخرى اعتبرتها طهران ركائز أساسية لمذكرة التفاهم، وفي مقدمتها الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، وربط ذلك بعودة عمليات التفتيش الدولية على المنشآت النووية.
وبحسب مصدر مقرب من الحرس الثوري، كان الاتفاق يقضي بالإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، إلا أن واشنطن عادت، وفق الرواية الإيرانية، لتشترط السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية باستئناف عمليات التفتيش داخل المنشآت النووية الإيرانية قبل تنفيذ هذا الالتزام.
المخاوف الإيرانية لم تعد تقتصر على المنشآت المعروفة، بل تشمل أيضاً احتمال استخدام عمليات التفتيش للوصول إلى معلومات عن أماكن تخزين اليورانيوم عالي التخصيب بعد الحرب، ومستوى الضرر الذي تعرض له البرنامج النووي، وما إذا كانت إيران استطاعت إعادة بناء قدراتها خلال الأشهر الماضية.
وقال المصدر المقرب من الحرس الثوري إن القيادة الإيرانية خلصت إلى أن الشرط الأميركي لا يهدف إلى التحقق من الطابع السلمي للبرنامج النووي، وإنما إلى جمع معلومات استخباراتية دقيقة يمكن استثمارها في أي مواجهة عسكرية مقبلة، مضيفاً أن القادة العسكريين كانوا مقتنعين بأن واشنطن لن تفرج عن الأموال حتى لو وافقت إيران على عمليات التفتيش.
وعزز هذا التطور الانطباع السائد داخل دوائر صنع القرار الإيرانية بأن واشنطن لم تعد تتعامل مع مذكرة التفاهم باعتبارها مدخلاً لخفض التصعيد، وإنما وسيلةً لانتزاع تنازلات إضافية من طهران، سواء في الملف النووي أو في الملفات الإقليمية، وهو ما دفع المؤسسة العسكرية إلى اعتبار الاتفاق فاقداً لقيمته السياسية والأمنية.
كيف تتوقع إيران شكل الحرب المقبلة؟
تقول المصادر الإيرانية إن التقديرات داخل المؤسسة العسكرية لم تعد تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها جولة جديدة من تبادل الضربات، بل بداية مرحلة مختلفة من الصراع، تتجاوز الضغط العسكري المحدود إلى محاولة إعادة رسم موازين القوة في الخليج.
ويقول مسؤول حكومي إيراني مقرب من المؤسسة العسكرية لـ"عربي بوست" إن وتيرة الهجمات الأميركية على جنوب إيران ارتفعت بصورة ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، مشيراً إلى أن الضربات لم تعد تستهدف مواقع عسكرية فقط، بل امتدت إلى السكك الحديدية والجسور وبعض مرافق البنية التحتية، وهو ما تعتبره طهران مؤشراً على أهداف أوسع من مجرد الرد العسكري.
وبحسب المصدر، ترى القيادة الإيرانية أن الولايات المتحدة تسعى إلى عزل الساحل الجنوبي عن باقي الأراضي الإيرانية، وتهيئة الظروف لفرض سيطرة على المناطق المطلة على مضيق هرمز والجزر الإيرانية المنتشرة فيه، بما يسمح بإضعاف النفوذ الإيراني على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتذهب التقديرات العسكرية الإيرانية إلى أبعد من ذلك، إذ تشير، وفق المصادر، إلى أن استهداف البنية التحتية المدنية قد يكون جزءاً من تمهيد لعمليات برية أو لوجود عسكري طويل الأمد في الجنوب الإيراني، وهو سيناريو تعتبره طهران الأخطر منذ اندلاع المواجهة مع الولايات المتحدة.
ويقول المسؤول الإيراني إن القيادة حاولت في بداية التصعيد الالتزام بردود عسكرية محسوبة، تجنباً لتوسيع دائرة الحرب، إلا أن تطور طبيعة الهجمات الأميركية دفعها إلى إعادة تقييم الموقف، معتبراً أن استمرار الضربات بهذا الشكل سيؤدي إلى اعتماد استراتيجية أكثر تصعيداً في الرد.
ويشارك الخبير السياسي الإيراني فرزين موسوي هذا التقييم، موضحاً لـ"عربي بوست" أن إيران أدارت "حرب الأربعين يوماً" السابقة وفق قواعد هدفت إلى إبقاء الصراع تحت السيطرة ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة، لكن التطورات الأخيرة غيرت هذه الحسابات بالكامل.
ويضيف موسوي أن القيادة الإيرانية باتت ترى أن واشنطن فقدت مصداقيتها شريكاً يمكن الوثوق بتفاهماته، وأن المسار الدبلوماسي لم يعد يوفر ضمانات حقيقية.
وهو ما يعني، من وجهة نظره، أن طهران ستتخلى عن كثير من القيود الاستراتيجية التي التزمت بها خلال الحرب السابقة، وستتعامل مع المرحلة الجديدة باعتبارها معركة طويلة تتطلب استنزاف الخصم، لا مجرد الرد على هجماته.
وبحسب المصادر الإيرانية، فإن هذا التحول في التقديرات هو الذي يفسر تصاعد الخطاب الرسمي والعسكري في طهران، الذي بات يتحدث بصورة متزايدة عن حرب قد تمتد فترةً طويلةً، وتعيد تشكيل التوازنات الأمنية في الخليج والمنطقة بأكملها، بدلاً من الاكتفاء بكونها أزمة عابرة يمكن احتواؤها عبر جولة جديدة من المفاوضات.
رفض الهدنة وحسابات الوقت
رغم المساعي التي قادها الوسطاء لاحتواء التصعيد، فإن القيادة الإيرانية رفضت، بحسب المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست"، مقترحاً يقضي بوقف مؤقت لإطلاق النار لمدة 10 أيام، يعقبه استئناف المفاوضات بين طهران وواشنطن.
ويعكس هذا الموقف، وفق المصادر، تحولاً في نظرة المؤسسة العسكرية الإيرانية إلى أي مبادرة دبلوماسية، بعدما أصبحت تعتبر أن التجربة السابقة أثبتت أن وقف القتال يمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وليس مدخلاً لإنهاء الصراع.
وتقول المصادر إن السياسيين الإيرانيين، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود پزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، حاولوا إقناع القيادات العسكرية بقبول مقترح الوسطاء، انطلاقاً من أن العودة إلى طاولة المفاوضات قد تفتح الباب أمام احتواء الأزمة ومنع توسعها. لكن هذه الجهود لم تنجح، بعدما تمسكت المؤسسة العسكرية برفض أي هدنة جديدة.
ويقول مصدر مقرب من الحرس الثوري لـ"عربي بوست" إن القيادة العسكرية ترى أن وقف إطلاق النار الأول تحول عملياً إلى فرصة استغلتها واشنطن لاستعادة زمام المبادرة، ومحاولة تقويض النفوذ الإيراني في مضيق هرمز والضغط على طهران في ملفات أخرى، ولذلك "ليس من المقبول تكرار الخطأ نفسه مرتين"، بحسب تعبيره.
وتضيف المصادر أن المؤسسة العسكرية تنظر أيضاً إلى المقترح الأخير باعتباره محاولة أميركية لاحتواء التداعيات الاقتصادية للحرب، خصوصاً ما يتعلق بارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة الملاحة في الخليج، قبل استئناف الضغوط العسكرية على إيران في مرحلة لاحقة، وربما بمشاركة إسرائيل هذه المرة.
وبالتوازي مع رفض الهدنة، تقول المصادر إن طهران تبني استراتيجيتها الحالية على ما تصفه بـ"حرب الصمود"، أي الرهان على عامل الوقت وقدرة كل طرف على تحمل كلفة المواجهة.
فالتقديرات الإيرانية ترى أن استمرار إغلاق أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، واحتمال اتساع التوتر إلى باب المندب، سيشكل ضغطاً متزايداً على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، بما يرفع كلفة استمرار الحرب بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
كما تراهن القيادة الإيرانية، بحسب المصادر، على أن الإدارة الأميركية ستجد نفسها أمام ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وهو ما قد يقلص هامش المناورة أمام واشنطن إذا طال أمد المواجهة.
ويقول الخبير السياسي الإيراني فرزين موسوي لـ"عربي بوست" إن طهران لا تنطلق من فرضية تحقيق انتصار عسكري سريع، وإنما من معادلة مختلفة تقوم على استنزاف قدرة الخصم على مواصلة الحرب.
ويضيف أن القيادة الإيرانية تعتقد أن الولايات المتحدة تراهن بدورها على إنهاك إيران عسكرياً واقتصادياً، ولذلك فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة كل طرف على تحمل الخسائر أكثر من كونها سباقاً لتحقيق مكاسب ميدانية سريعة.
وتفسر هذه القراءة تشدد طهران في رفض العودة إلى المفاوضات في الظروف الحالية، إذ ترى أن أي تسوية لن تكون ممكنة إلا بعد أن يقتنع كل طرف بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من كلفة التوصل إلى اتفاق جديد، وهو ما يجعل عامل الوقت، وليس الحسم العسكري المباشر، أحد أهم الأسلحة التي تراهن عليها القيادة الإيرانية في المرحلة المقبلة.
واندلعت الحرب بين إيران والولايات المتحدة في يونيو/ حزيران الماضي، بعدما شنت واشنطن، بالتنسيق مع إسرائيل، ضربات استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية، وردّت طهران بسلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد ومصالح أميركية وإسرائيلية.
واستمرت المواجهة نحو 40 يوماً قبل التوصل إلى مذكرة تفاهم بوساطة إقليمية، تضمنت وقفاً لإطلاق النار وترتيبات لخفض التصعيد شملت الملاحة في مضيق هرمز وعدداً من الملفات السياسية والأمنية.
لكن التفاهم لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبادل الطرفان الاتهامات بعدم الالتزام ببنوده، وسط خلافات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. ومع انهيار المذكرة، استؤنفت العمليات العسكرية، بينما تشير تقديرات داخل طهران إلى أن المواجهة الجديدة قد تكون أكثر اتساعاً وأطول أمداً من الحرب السابقة.