لم يكن ظهور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مرتدياً الزي العسكري خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديد للقوات المسلحة، المعروف باسم "الأوكتاغون"، مجرد مشهد بروتوكولي، كما لم تكن قراراته اللاحقة بإعادة تشكيل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، وتغيير عدد من القيادات العسكرية، خطوة إدارية عادية.
بل جاءت هذه التغييرات والتطورات، بحسب معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصدر عسكري مصري، في إطار استعدادات أوسع تبنيها الدولة المصرية لمواجهة مرحلة ترى المؤسسات العسكرية أنها تحمل تحديات غير مسبوقة للأمن القومي المصري.
وتستند تقديرات المؤسسة العسكرية إلى اتساع نطاق التهديدات المحيطة بمصر، في وقت تتداخل فيه الأزمات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والمخاطر البيئية، وهو ما دفع إلى تسريع استكمال منظومة القيادة الاستراتيجية للدولة، لتكون قادرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرار بصورة مركزية وسريعة، سواء في أوقات الحروب أو الكوارث أو حالات الطوارئ.
ترتكز هذه الاستعدادات على 3 مسارات رئيسية، تتمثل في تصاعد التهديدات على الحدود المصرية من مختلف الاتجاهات، واحتمالات عودة الإرهاب وتغير طبيعة الحروب بفعل انتشار الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، إلى جانب أزمة المياه التي لا تزال تلقي بظلالها على الأمن القومي المصري، في ظل استمرار تعثر ملف سد النهضة.
لماذا افتتحت مصر "الأوكتاغون" الآن؟
لم يكن افتتاح مجمع القيادة الاستراتيجية للدولة، المعروف باسم "الأوكتاغون"، حدثاً مرتبطاً فقط بانتقال وزارة الدفاع إلى مقر جديد داخل العاصمة الإدارية، إذ تكشف معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصدر عسكري مصري أن المشروع يمثل تتويجاً لخطة جرى العمل عليها منذ سنوات.
وبدأت بعض الإدارات والهيئات العسكرية ممارسة مهامها من داخل "الأوكتاغون" قبل نحو عامين، فيما جاء الإعلان الرسمي عن افتتاحه في هذا التوقيت ليواكب مرحلة ترى القاهرة أنها الأكثر تعقيداً على مستوى التهديدات الإقليمية.
وقال المصدر إن الدولة المصرية لم تتجه إلى إنشاء مقر جديد للقيادة العسكرية لمجرد تطوير البنية التحتية للقوات المسلحة، وإنما لتوفير مركز موحد يضم منظومات القيادة والسيطرة وإدارة الأزمات، ما يسمح باتخاذ القرارات الاستراتيجية بصورة أكثر سرعة وفاعلية خلال الحروب أو الكوارث أو حالات الطوارئ، في ظل بيئة إقليمية تتغير بوتيرة متسارعة.
ويفسر هذا التوجه أيضاً القرارات التي أصدرها السيسي عقب افتتاح المجمع، والتي شملت إعادة تشكيل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، وترقية الفريق محمد عبد الرحمن بسيوني لرئاستها، إلى جانب تعيين قيادات عسكرية وأمنية جديدة داخل الهيئة، في خطوة تعكس، بحسب المصدر، انتقال الدولة إلى مرحلة جديدة تقوم على الإدارة الاستباقية للمخاطر، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الأزمات بعد وقوعها.
وأوضح المصدر أن الهيئة القومية لإدارة الأزمات أصبحت تمثل أحد المكونات الرئيسية داخل منظومة القيادة الاستراتيجية الجديدة، إذ تتولى تنسيق عمل القوات المسلحة والشرطة والوزارات والأجهزة التنفيذية المختلفة، ما يضمن توحيد القرار وسرعة الاستجابة لأي تطورات مفاجئة، سواء كانت ذات طبيعة عسكرية أو أمنية أو اقتصادية أو مرتبطة بالكوارث الطبيعية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تغير طبيعة التهديدات التي تواجه الدول، إذ لم تعد تقتصر على الحروب التقليدية، بل باتت تشمل هجمات سيبرانية، وأزمات اقتصادية، وكوارث طبيعية، وصراعات إقليمية متداخلة، وهو ما دفع القاهرة، وفق المصدر، إلى إنشاء مركز قيادة قادر على إدارة أكثر من أزمة في الوقت نفسه، مستفيداً من أحدث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات المؤمنة.
التهديد الأول الذي يفرض الاستعداد
ترى المؤسسة العسكرية المصرية، وفق المصدر ذاته، أن أخطر ما يواجه الأمن القومي حالياً يتمثل في اتساع رقعة التوتر على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية المحيطة بالبلاد، الأمر الذي يفرض جاهزية دائمة وقدرة على اتخاذ القرار بصورة سريعة إذا تطورت أي من هذه الأزمات إلى تهديد مباشر.
ويضع الجيش المصري الحرب المستمرة في السودان على رأس هذه التحديات، في ظل دخولها عامها الرابع من دون مؤشرات على تسوية سياسية قريبة، وما يرافق ذلك من مخاوف تتعلق بأمن الحدود الجنوبية، واحتمالات امتداد تداعيات الصراع إلى الداخل المصري، سواء عبر موجات النزوح أو النشاط المسلح أو تراجع الاستقرار في المناطق الحدودية.
أما على الجبهة الشرقية، فتبقى التطورات المرتبطة بقطاع غزة وإسرائيل الأكثر حساسية بالنسبة إلى القاهرة، إذ تؤكد التقديرات العسكرية أن أي محاولة لفرض تهجير الفلسطينيين نحو سيناء أو المساس بالترتيبات الأمنية القائمة تمثل خطاً أحمر بالنسبة إلى الدولة المصرية، التي تواصل تعزيز استعداداتها العسكرية تحسباً لأي سيناريو قد يهدد أمنها القومي.
ولا تقل الحدود الغربية أهمية، في ظل استمرار الانقسام السياسي في ليبيا، وتعثر مسار الانتخابات، مع ما يرافق ذلك من مخاطر تجدد المواجهات المسلحة على امتداد حدود تتجاوز 1200 كيلومتر، إضافة إلى تحديات التهريب والهجرة غير النظامية وتحركات الجماعات المسلحة، وهي ملفات تستنزف جهوداً أمنية متواصلة.
ولا تقتصر حسابات القاهرة على حدودها البرية، إذ تشمل أيضاً شرق البحر المتوسط، الذي يمثل أحد أهم مناطق الأمن الاقتصادي المصري في ظل مشروعات الغاز والطاقة، إلى جانب البحر الأحمر، حيث تراقب المؤسسة العسكرية تداعيات التوترات الإقليمية واحتمالات اتساع المواجهة بين واشنطن وطهران، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب حركة الملاحة الدولية وتأثيرات مباشرة على قناة السويس والاقتصاد المصري.
ويرى المصدر أن تزامن هذه الملفات في وقت واحد يجعل وجود قيادة استراتيجية موحدة أمراً ضرورياً، بحيث تكون قادرة على متابعة التطورات عبر جميع الاتجاهات الاستراتيجية، وتنسيق الاستجابة العسكرية والأمنية والسياسية بصورة مركزية، إذا شهد أي منها تصعيداً مفاجئاً.
لماذا تحتاج مصر إلى قيادة مركزية؟
لا تقتصر حسابات المؤسسة العسكرية المصرية على التهديدات القادمة عبر الحدود، إذ تشير تقديراتها، بحسب المصدر العسكري الذي تحدث لـ"عربي بوست"، إلى أن البيئة الأمنية في المنطقة تشهد تحولاً جذرياً في طبيعة المخاطر، سواء مع احتمال عودة التنظيمات الإرهابية إلى النشاط، أو مع التطور الكبير في أساليب القتال الحديثة التي لم تعد تقتصر على المواجهات التقليدية.
وقال المصدر إن خطر الإرهاب، رغم تراجعه بصورة كبيرة بعد سنوات من العمليات العسكرية في شمال سيناء، لا يزال قائماً، خصوصاً مع محاولات قوى إقليمية ودولية إعادة تنشيط تنظيم داعش وبعض الجماعات المسلحة المرتبطة به، مستفيدة من بؤر الصراع المفتوحة في عدد من دول الجوار.
وأضاف أن الحفاظ على حالة الاستقرار التي تشهدها سيناء يمثل أحد أهم أهداف المؤسسة العسكرية خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط من منظور أمني، وإنما أيضاً باعتبارها ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات وتنشيط السياحة وتنفيذ المشروعات التنموية، وهو ما يفرض استمرار الجاهزية للتعامل مع أي محاولات لإعادة إنتاج النشاط الإرهابي.
وفي الوقت ذاته، يرى المصدر أن الحرب الروسية الأوكرانية، ثم المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل، كشفتا عن تحول كبير في طبيعة الحروب، بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى والأسلحة الذكية قادرة على استهداف العمق الاستراتيجي للدول، بما في ذلك المنشآت الحيوية ومراكز القيادة، وهو ما لم يكن مطروحاً بهذا الحجم قبل سنوات.
ولذلك، يؤكد المصدر أن إنشاء مقر قيادة استراتيجي موحد لم يعد ترفاً تنظيمياً، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة الصراعات الحديثة، إذ يتيح تنسيق العمليات بين مختلف أفرع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ويوفر قدرة أكبر على إدارة الأزمات واتخاذ القرار بصورة فورية، مع الاعتماد على أنظمة قيادة وسيطرة واتصالات مؤمنة ضد محاولات الاختراق أو التشويش أو الهجمات السيبرانية.
ويرى المصدر أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات وموازين القوى، الأمر الذي يفرض على القاهرة امتلاك مركز قيادة قادر على التعامل مع أكثر من سيناريو في وقت واحد، سواء تعلق الأمر بتهديد عسكري مباشر، أو هجوم إلكتروني، أو أزمة إقليمية واسعة النطاق.
التهديد الذي يتجاوز ساحات القتال
بينما تتركز الأنظار غالباً على التهديدات العسكرية، تشير التقديرات التي اطلع عليها "عربي بوست" إلى أن المؤسسة العسكرية المصرية تضع ملف المياه ضمن أخطر التحديات الاستراتيجية التي قد تواجه الدولة خلال السنوات المقبلة، باعتباره تهديداً لا يقتصر على الأمن المائي، بل يمتد إلى الاستقرار الاقتصادي والغذائي والاجتماعي.
وقال المصدر العسكري إن أزمة سد النهضة لا تزال تمثل أحد الملفات المفتوحة، في ظل تعثر المفاوضات واستمرار الجمود السياسي، وهو ما يدفع القاهرة إلى إبقاء هذا الملف ضمن أولويات تقديراتها الاستراتيجية، خصوصاً مع تصاعد التوترات في منطقة القرن الأفريقي، ومساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، ما قد ينعكس على موازين الأمن الإقليمي.
وأضاف أن الدولة المصرية تنظر إلى شح المياه باعتباره تحدياً متعدد الأبعاد، إذ لا يرتبط فقط باحتمالات التصعيد السياسي أو العسكري، وإنما أيضاً بتأثيراته المباشرة على الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والاقتصاد الوطني، وهو ما يجعل إدارة هذا الملف جزءاً من منظومة الأمن القومي الشامل.
ولا ينفصل ذلك، بحسب المصدر، عن حالة الاضطراب التي يشهدها الاقتصاد العالمي منذ جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وأخيراً المواجهة بين إيران وإسرائيل، وهي أزمات أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، الأمر الذي يفرض على مؤسسات الدولة الاستعداد لسيناريوهات اقتصادية معقدة قد تتزامن مع أزمات أمنية أو كوارث طبيعية.
ويرى المصدر أن إنشاء منظومة قيادة استراتيجية تضم هيئة متخصصة لإدارة الأزمات والطوارئ يعكس اتجاهاً جديداً في التفكير المصري، يقوم على التعامل مع الأمن القومي باعتباره منظومة متكاملة، تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والمائية والبيئية، ما يستوجب التخطيط المسبق وتنسيق الجهود بين جميع مؤسسات الدولة، بدلاً من التعامل مع كل أزمة بصورة منفصلة.
كيف صممت مصر عقلها الاستراتيجي الجديد؟
لا يقتصر الدور الذي تؤديه القيادة الاستراتيجية الجديدة على كونها مقراً لوزارة الدفاع، إذ صُمم مجمع "الأوكتاغون" ليكون مركز القيادة والسيطرة الرئيسي للدولة المصرية، ما يتيح إدارة العمليات العسكرية والأمنية والأزمات الوطنية من موقع واحد يعتمد على أحدث التقنيات.
ويقع المجمع داخل العاصمة الإدارية الجديدة على مساحة تقدر بنحو 22 ألف فدان، ويضم 13 منطقة استراتيجية تحتوي على منشآت عسكرية وإدارية ولوجستية، من بينها 8 مبانٍ خارجية ذات تصميم مثمن تحيط بمبنيين رئيسيين يمثلان قلب منظومة القيادة.
يضم المجمع عدداً من المراكز المتخصصة التي تشكل البنية الأساسية لإدارة الدولة في أوقات الطوارئ، من بينها مركز تنسيق أعمال دفاع الدولة، ومركز البيانات الاستراتيجي الموحد المجهز بأحدث تقنيات حفظ المعلومات وتأمينها، إلى جانب مركز التحكم في الشبكة الاستراتيجية المغلقة للدولة، ومراكز تشغيل مرافق الدولة وشبكات الاتصالات والطوارئ المؤمنة.
خلال افتتاح المجمع، أوضح السيسي أن اختيار موقع القيادة الاستراتيجية داخل العاصمة الإدارية الجديدة جاء لضمان استمرار عملها حتى في أصعب الظروف، بحيث لا تتأثر بأي محاولات حصار أو استهداف خلال الأزمات، مؤكداً أن ما جرى عرضه خلال مراسم الافتتاح لا يمثل سوى جزء محدود من الإمكانات التي يضمها المجمع.
وأشار السيسي إلى أن منظومة القيادة الجديدة تمتلك القدرات التي تمكنها من التعامل مع أكثر من أزمة أو كارثة في الوقت نفسه، ما يوفر للدولة قدرة أكبر على تنسيق الجهود واتخاذ القرار بصورة مركزية وسريعة، وهو ما ينسجم مع فلسفة إنشاء "الأوكتاغون" باعتباره العقل التنفيذي لإدارة الأمن القومي المصري في الظروف الاستثنائية.
كيف تستعد القاهرة لمرحلة أكثر تعقيداً؟
بالتوازي مع افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، أصدر الرئيس المصري سلسلة من القرارات شملت ترقية عدد من القيادات العسكرية وإعادة تشكيل الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، في خطوة يرى مراقبون أنها تستهدف رفع جاهزية مؤسسات الدولة لمواجهة بيئة أمنية وإقليمية أكثر تعقيداً.
وشملت القرارات ترقية اللواء أركان حرب بسيوني سالم ربيع إلى رتبة "فريق"، وتعيينه رئيساً للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، إلى جانب تعيين اللواء هاني منصور نائباً لرئيس الهيئة، واللواء سامح نبيل يوسف من وزارة الداخلية مساعداً لرئيسها، ما يعكس توجهاً نحو تعزيز التكامل بين القوات المسلحة والشرطة والأجهزة التنفيذية في إدارة الأزمات.
وقال المصدر العسكري لـ"عربي بوست" إن إعادة تشكيل الهيئة لا تمثل مجرد تغيير في المناصب، وإنما تعكس تحولاً في فلسفة إدارة الدولة للمخاطر، من الاعتماد على الاستجابة بعد وقوع الأزمة إلى بناء منظومة تعتمد على التقييم المسبق للمخاطر، والتخطيط المشترك، وسرعة اتخاذ القرار، وتنسيق عمل جميع المؤسسات المدنية والعسكرية عند وقوع أي طارئ.
وأضاف أن وجود مقر موحد للقيادة يختصر الوقت اللازم لاتخاذ القرار في ظل الأزمات، ويمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة عمليات التعبئة العسكرية أو المدنية، والإغاثة، وحماية البنية التحتية، والتعامل مع الهجمات السيبرانية أو الكوارث الطبيعية، من خلال شبكة اتصالات مؤمنة ومنظومة قيادة وسيطرة متطورة.
وأكد المصدر أن الرسالة الأساسية من افتتاح "الأوكتاغون" ليست توجيه تهديد إلى أي طرف، وإنما تعزيز قدرة الردع والحفاظ على الاستقرار، في ظل مرحلة تشهد إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وتزايد الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية والحروب غير التقليدية، ما يجعل امتلاك مركز قيادة استراتيجي متكامل أحد متطلبات حماية الأمن القومي المصري والأمن العربي بصورة أوسع.