كشفت مصادر مصرية مسؤولة ودبلوماسية لـ"عربي بوست" أن القاهرة تتابع بقلق بالغ التحركات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بقطاع غزة والضفة الغربية، معتبرة أنها لم تعد تقتصر على إدارة العمليات العسكرية، وإنما تعكس توجهاً لإعادة إحياء مشاريع تهجير الفلسطينيين وفرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة على الأرض.
وتنظر القاهرة إلى عودة النقاش داخل إسرائيل حول "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين، بالتوازي مع التوسع العسكري داخل غزة، باعتبارها مؤشرات مترابطة لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، وترى القاهرة أن الضغط العسكري، وتعطيل إعادة الإعمار، والتضييق الإنساني، والتوسع الاستيطاني، تشكل جميعها أدوات ضمن استراتيجية واحدة تستهدف إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.
وكثفت مصر خلال الفترة الأخيرة تحركاتها السياسية والدبلوماسية مع أطراف عربية ودولية، بالتوازي مع استمرار جهودها في دعم الإغاثة الإنسانية والدفع نحو استكمال اتفاق وقف إطلاق النار، انطلاقاً من قناعة بأن تثبيت الفلسطينيين على أرضهم يمثل المدخل الأساسي لإفشال أي مخططات تهجير الفلسطينيين، وأن إعادة الإعمار لا تقل أهمية عن وقف العمليات العسكرية في مواجهة تلك المخططات.
تهجير الفلسطينيين لا يزال هدفاً إسرائيلياً
قال مصدر مصري مسؤول لـ"عربي بوست" إن الجانب الإسرائيلي لا يزال يتمسك بفكرة تهجير الفلسطينيين، ويعمل في الوقت نفسه على تعطيل أي مسار يؤدي إلى إعادة إعمار قطاع غزة، بينما تتمسك مصر بثوابت واضحة تقوم على تثبيت الشعب الفلسطيني على أرضه، ومنحه الأمل في إقامة دولته المستقلة، ومواصلة قيادة تحركات دولية داعمة للقضية الفلسطينية.
وأوضح المصدر أن القاهرة تواصل إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وتدفع باتجاه إطلاق برامج التعافي المبكر باعتبارها مقدمة ضرورية لإعادة الإعمار، كما تواصل ضغوطها السياسية والدبلوماسية لإلزام إسرائيل باستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.
ويمثل التصدي لمخططات تهجير الفلسطينيين، بالنسبة إلى القاهرة، مسؤولية تاريخية وملفاً مباشراً من ملفات الأمن القومي ذات الأولوية القصوى.
وأضاف المصدر أن مصر لا تبني حساباتها على افتراض التزام إسرائيل بالاتفاقيات أو بالقانون الدولي، مشيراً إلى أن التجارب الأخيرة أظهرت أن تل أبيب لا تتردد في تجاوز الاتفاقات الموقعة متى رأت أن ذلك يخدم أهدافها السياسية والعسكرية.
ولذلك، بحسب المصدر، تراهن القاهرة على مجموعة من الأدوات المتكاملة، تشمل التحرك الدبلوماسي، والمواقف القانونية، والدور الإعلامي والتوعوي، وتعزيز التنسيق مع الدول العربية والصديقة، إلى جانب العمل على منع فرض أي أمر واقع جديد يمكن أن يقود إلى تهجير الفلسطينيين، سواء جرى ذلك تحت مسمى "الهجرة الطوعية" أو عبر الضغوط العسكرية والإنسانية.
وأشار المصدر إلى أن الثقة المصرية في قدرة الولايات المتحدة على ممارسة ضغوط فعالة على إسرائيل لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار تراجعت خلال الفترة الأخيرة، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية وتعثر تنفيذ بنود الاتفاق، وهو ما دفع القاهرة إلى توسيع دائرة تحركاتها مع شركاء إقليميين ودوليين للحيلولة دون فرض وقائع جديدة داخل القطاع.
عقبات تواجه المشروع الإسرائيلي
يرى المصدر أن مشروع تهجير الفلسطينيين تعرض لضربة كبيرة عندما اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب من محور نتساريم، ومع نجاح إدخال المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة إلى سكان القطاع، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن المخطط لم يسقط نهائياً، وإنما يجري العمل على إعادة إنتاجه بأدوات مختلفة، مستفيداً من استمرار الحرب وتعطيل إعادة الإعمار.
وأضاف أن المشروع يواجه كذلك عقبات ناتجة عن التباينات التي برزت أخيراً بين واشنطن وتل أبيب، بعد تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية، إلا أن القاهرة لا تبني موقفها على تلك الخلافات، بقدر ما تراهن على صمود الفلسطينيين في أرضهم، واستمرار التنسيق مع الدول العربية والشركاء الدوليين لإفشال أي محاولة لإحياء مشروع التهجير.
وشدد المصدر على أن إسرائيل تحاول إعادة تدوير مخططات تهجير الفلسطينيين بوسائل متعددة، من بينها منع إعادة إعمار قطاع غزة، أو دعم مجموعات فلسطينية يمكن أن تدفع نحو صراعات داخلية، ما يفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية ويدفع السكان إلى مغادرة القطاع، إلى جانب مواصلة التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
وأكد أن هذه الأساليب ليست جديدة، فقد سبق استخدامها في تجارب مختلفة داخل الأراضي الفلسطينية ولبنان، لكنها لم تحقق أهدافها، كما أنها، من وجهة النظر المصرية، لن توفر الأمن لإسرائيل في ظل التحولات التي تشهدها طبيعة الصراعات الحديثة، مؤكداً أن الرؤية المصرية القائمة على تثبيت الفلسطينيين في أرضهم تمثل، في النهاية، الخيار الأكثر واقعية وعدالة واستقراراً لجميع الأطراف.
مؤشرات إسرائيلية تعزز المخاوف المصرية
تقول المصادر المصرية إن القلق في القاهرة لا يستند فقط إلى التقديرات السياسية، وإنما إلى سلسلة من الخطوات والتصريحات الإسرائيلية التي صدرت خلال الأسابيع الأخيرة، والتي تشير، بحسب تقديرها، إلى أن مشروع تهجير الفلسطينيين لم يغادر أجندة الحكومة الإسرائيلية، وإنما يجري البحث عن صيغ جديدة لتنفيذه في ظل استمرار الحرب.
ويأتي في مقدمة هذه المؤشرات الاجتماع الذي عقده المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر "الكابينت"، والذي ناقش مقترحات تتعلق بإدارة المرحلة المقبلة في قطاع غزة، بالتوازي مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، التي أعلن فيها أن الجيش الإسرائيلي بات يسيطر على نحو 70% من مساحة القطاع، مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق واسعة.
وترى المصادر أن هذا التوسع العسكري لا يمكن فصله عن تعطيل عملية إعادة الإعمار، إذ إن إبقاء القطاع في حالة دمار واسعة، ومنع عودة السكان إلى أوضاع معيشية مستقرة، يخلقان بيئة ضاغطة قد تُستغل لاحقاً لإحياء مشاريع تهجير الفلسطينيين تحت عناوين مختلفة، من بينها "الهجرة الطوعية".
وتضيف أن القاهرة تتابع كذلك باهتمام النقاشات الدائرة داخل إسرائيل بشأن إنشاء ما يُعرف بـ"المدينة الإنسانية"، والتي يجري الترويج لها باعتبارها مشروعاً إنسانياً لإيواء الفلسطينيين، بينما ترى مصر أن مثل هذه الطروحات قد تتحول عملياً إلى أدوات لإعادة تجميع السكان داخل مناطق محددة تمهيداً لإعادة هندسة الواقع الديموغرافي في القطاع.
وفي السياق نفسه، تشير المصادر إلى أن وسائل إعلام إسرائيلية، وفي مقدمتها صحيفة هآرتس، كشفت خلال الأشهر الأخيرة عن استمرار عمل دوائر رسمية إسرائيلية على دراسة سيناريوهات تتعلق بتشجيع الفلسطينيين على مغادرة القطاع، والبحث عن دول يمكن أن تستقبلهم، رغم ما واجهته هذه الطروحات من رفض عربي ودولي واسع.
كما أعادت شخصيات إسرائيلية من تيار اليمين، من بينها الوزير السابق غادي بن عزرا والكاتبة والباحثة كارولين غليك، طرح أفكار تدعو إلى تقليص الوجود الفلسطيني في غزة وربط مستقبل القطاع بمشروعات هجرة خارجية، وهي أطروحات ترى القاهرة أنها تعكس توجهاً فكرياً لا يزال حاضراً داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلية، حتى وإن تعثر تطبيقه حتى الآن.
وبحسب المصادر، فإن فشل إسرائيل حتى الآن في إيجاد دول توافق على استقبال الفلسطينيين لا يعني التخلي عن مشروع تهجير الفلسطينيين، وإنما البحث عن وسائل أخرى لتحقيق الهدف ذاته بصورة تدريجية، سواء عبر استمرار العمليات العسكرية، أو إبطاء إعادة الإعمار، أو تكريس أوضاع إنسانية تدفع السكان إلى البحث عن الهجرة بوصفها الخيار الوحيد.
وتشير المصادر إلى أن القاهرة تنظر أيضاً بقلق إلى المعلومات التي تحدثت عن محاولات إسرائيلية لدعم مجموعات فلسطينية محلية يمكن أن تتولى إدارة بعض المناطق داخل القطاع خلال المرحلة المقبلة، معتبرة أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى خلق انقسامات داخلية وفوضى أمنية، ما يسهم في إضعاف مؤسسات الحكم الفلسطينية ويزيد الضغوط على السكان.
وفي هذا السياق، جدد رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، ضياء رشوان، التأكيد على رفض مصر القاطع لأي محاولات تستهدف تهجير الفلسطينيين أو فرض إدارة غير فلسطينية على قطاع غزة، مشدداً على أن إعادة إعمار القطاع يجب أن تتم بوجود سكانه وعلى أرضهم، وأن أي ترتيبات تتجاوز الحقوق الفلسطينية أو تنتقص من وحدة الأراضي الفلسطينية لن تحظى بقبول مصري أو عربي.
ويرى المسؤولون المصريون أن نجاح الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستئناف إعادة الإعمار يمثل الضمانة الحقيقية لإفشال هذه المخططات، لأن إعادة الحياة الطبيعية إلى القطاع تسحب، من وجهة نظرهم، المبررات التي تستند إليها مشاريع "الهجرة الطوعية"، وتؤكد تمسك الفلسطينيين بالبقاء على أرضهم مهما بلغت التحديات.
استراتيجية إسرائيلية واحدة من غزة إلى الضفة
لا تفصل القاهرة، بحسب المصادر المصرية، بين ما يجري في قطاع غزة والتطورات المتسارعة في الضفة الغربية، إذ ترى أن الحكومة الإسرائيلية تنفذ استراتيجية متكاملة تقوم على فرض وقائع جديدة في مختلف الأراضي الفلسطينية، عبر الجمع بين الضغط العسكري والإنساني في غزة، والتوسع الاستيطاني والإجراءات الأحادية الجانب في الضفة الغربية.
وتشير المصادر إلى أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في مدينة الخليل تمثل نموذجاً واضحاً لهذا التوجه، بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية إلغاء العمل ببروتوكول الخليل الموقع عام 1997، والذي كان ينظم تقاسم المسؤوليات الأمنية والإدارية في المدينة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، معتبرة أن هذه الخطوة تعكس توجهاً لتكريس السيطرة الإسرائيلية على المدينة وتوسيع المشروع الاستيطاني فيها.
وترى القاهرة أن إلغاء البروتوكول لا يمثل إجراءً إدارياً معزولاً، وإنما يأتي ضمن سياسة أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع القانوني والسياسي في الضفة الغربية، ما يفتح الباب أمام ضم تدريجي لمناطق جديدة، وتقويض الأسس التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو، وهو ما من شأنه أن يوجه ضربة جديدة لحل الدولتين.
وتعزز هذه القراءة، بحسب المصادر، الوتيرة المتسارعة للتوسع الاستيطاني خلال الأشهر الأخيرة، وإقرار الحكومة الإسرائيلية خططاً لإنشاء وتوسيع عشرات المستوطنات، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، ومصادرة مزيد من الأراضي، وهي خطوات تعتبرها القاهرة جزءاً من سياسة فرض الأمر الواقع قبل استئناف أي مسار سياسي.
وتلفت المصادر إلى أن الربط بين ما يحدث في غزة والضفة لم يعد مجرد تقدير مصري، بل بات مدعوماً بتصريحات صادرة عن مسؤولين إسرائيليين يتحدثون بصورة متزايدة عن "إعادة رسم خرائط المنطقة" وفرض ترتيبات جديدة، وهو ما يفسر تمسك القاهرة برفض أي إجراءات أحادية، سواء تعلقت بالتهجير أو الاستيطان أو الضم.
وفي هذا السياق، تؤكد مصر أن استمرار الاحتلال، وتوسيع المستوطنات، وإضعاف السلطة الفلسطينية، ومنع إعادة إعمار غزة، تمثل حلقات في سياسة واحدة تستهدف تغيير الواقع الفلسطيني بصورة دائمة، وهو ما يجعل التعامل مع كل ملف بصورة منفصلة أمراً غير مجدٍ من وجهة النظر المصرية.
وتشير المصادر إلى أن القاهرة تواصل تحركاتها مع الأطراف العربية والدولية لحشد موقف رافض لهذه السياسات، انطلاقاً من أن أي تسوية سياسية قابلة للحياة يجب أن تقوم على احترام القانون الدولي، ورفض تغيير التركيبة السكانية أو الجغرافية للأراضي الفلسطينية المحتلة، ووقف الاستيطان، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وتؤكد المصادر أن الموقف المصري يحظى بدعم عربي واسع، كما ينسجم مع مواقف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد كبير من الدول التي تعتبر الاستيطان غير شرعي بموجب القانون الدولي، وترفض أي خطوات تستهدف ضم الأراضي الفلسطينية أو تغيير وضعها القانوني.
في المحصلة، ترى القاهرة أن نجاح المجتمع الدولي في منع تهجير الفلسطينيين لا يكتمل إلا بمنع فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية أيضاً، لأن الهدف النهائي، من وجهة نظرها، هو الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية ومنع تصفية القضية الفلسطينية عبر إجراءات متدرجة تبدأ بالحرب والضغط الإنساني، ولا تنتهي بالاستيطان والضم وإعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة.