رئيس وزراء العراق الجديد يريد إعادة تعريف اقتصاد بلاده.. جدل يسبق إعلانه، ومصادر تكشف تفاصيل خطته

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/26 الساعة 11:21 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/26 الساعة 11:21 بتوقيت غرينتش
خطة علي الزيدي تثير الجدل حتى قبل الإعلان عن تفاصيلها/ عربي بوست

كشفت مصادر عراقية مطلعة لـ"عربي بوست" أن رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي عرض أمام قادة الإطار التنسيقي الشيعي أول تصور لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، خلال اجتماع عُقد في منزل زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، وقدم فيه رؤيته لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي للدولة، في ظل الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة الجديدة.

وبحسب المصادر، حظيت الخطة بموافقة مبدئية من قادة الإطار التنسيقي، رغم أن ما عُرض عليهم اقتصر على الخطوط العامة دون الدخول في التفاصيل التنفيذية، ونقل أحد الحاضرين عن الزيدي وصفه للمشروع بأنه "الأكثر جرأة منذ سنوات طويلة"، معتبراً أن تجاوز الأزمة الاقتصادية يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة إدارة الاقتصاد العراقي.

لكن أكثر ما أثار النقاش لم يكن الحديث عن الإصلاحات الاقتصادية بحد ذاتها، بل توصيف رئيس الوزراء للاقتصاد العراقي بأنه "اقتصاد اشتراكي"، وهو ما قوبل باعتراضات من خبراء اقتصاديين ومسؤولين حاليين وسابقين في وزارة المالية، إضافة إلى غياب رؤية واضحة لخطة الزيدي والغرض الأساسي منها بالنسبة إلى رئيس الحكومة الجديد.

محاولة لإعادة رسم الاقتصاد العراقي

تسلمت حكومة علي الزيدي مهامها في وقت تواجه فيه المالية العامة واحدة من أصعب أزماتها خلال السنوات الأخيرة. وبحسب مصادر عراقية مطلعة، لم تترك الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني في خزينة الدولة سوى نحو تريليون دينار عراقي، في حين تحتاج الحكومة إلى أكثر من 10 تريليونات دينار شهرياً لتغطية رواتب الموظفين والإنفاق التشغيلي والالتزامات الحكومية.

وقالت المصادر لـ"عربي بوست" إن الزيدي يرى أن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات مالية مؤقتة، بل من خلال إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العراقي، بما يسمح ببناء نموذج اقتصادي أكثر قدرة على تحقيق النمو وتقليل الاعتماد على الدولة.

وخلال اجتماعه مع قادة الإطار التنسيقي، انتقد رئيس الوزراء الجديد ما وصفه بـ"اشتراكية الاقتصاد العراقي"، معتبراً أن التخلص من هذا النموذج يمثل أحد الشروط الأساسية لإطلاق عملية الإصلاح الاقتصادي، غير أن هذا التوصيف أثار نقاشاً واسعاً بين المختصين.

إذ قال أستاذ الاقتصاد حسن كاظم لـ"عربي بوست" إن هناك خلطاً مفاهيمياً في توصيف الاقتصاد العراقي، مضيفاً: "الاشتراكية نظام اقتصادي يقوم على ملكية المجتمع لوسائل الإنتاج وفق رؤية مركزية لإنتاج السلع والخدمات، أما الاقتصاد العراقي فلا ينطبق عليه هذا الوصف إطلاقاً."

وبحسب كاظم، فإن العراق يُعد من أكثر الاقتصادات الريعية في المنطقة، إذ تعتمد الدولة بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، في حين لا تمتلك قاعدة إنتاجية حقيقية يمكن وصفها بأنها اقتصاد اشتراكي أو صناعي. وأوضح: "الدولة لا تدير وسائل الإنتاج بقدر ما تدير توزيع الإيرادات النفطية، سواء عبر الوظائف الحكومية أو الإعانات أو العقود."

ويذهب مسؤول سابق في وزارة المالية العراقية إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن المشكلة الأساسية ليست في وصف الاقتصاد، وإنما في غياب أي نموذج اقتصادي متكامل منذ عام 2003.

ويقول المسؤول، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، لـ"عربي بوست": "لا يمكن وصف الاقتصاد العراقي بأنه اشتراكي أو ليبرالي أو حتى اقتصاد سوق. فمنذ الغزو الأمريكي لم تتبنَّ الحكومات المتعاقبة رؤية اقتصادية موحدة، وبقي النفط المورد الوحيد الذي تتحكم الدولة في عائداته وتعيد توزيعها، بينما لم يُمنح القطاع الخاص فرصة حقيقية للنمو بعيداً عن الاقتصاد النفطي."

هل تبدأ إعادة الهيكلة من وزارة المالية؟

يرى مسؤول حالي في وزارة المالية العراقية أن أي حديث عن إعادة هيكلة الاقتصاد سيظل ناقصاً ما لم يبدأ بإصلاح وزارة المالية نفسها، باعتبارها المؤسسة المسؤولة عن إدارة السياسة المالية للدولة.

ويقول المسؤول لـ"عربي بوست"، طالباً عدم ذكر اسمه: "لا يمكن إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي من دون إعادة هيكلة وزارة المالية والتخلص من نفوذ الأحزاب داخلها، ومنحها دوراً حقيقياً في رسم السياسة الاقتصادية بدلاً من الاكتفاء بإدارة الإنفاق الحكومي."

وتحولت وزارة المالية خلال السنوات الماضية، وفق المصدر نفسه، إلى مؤسسة تنفيذية يقتصر دورها على صرف الرواتب وتوزيع الأموال، بينما غاب دورها في التخطيط الاقتصادي وصياغة السياسات المالية بعيدة المدى.

ويشكك المسؤول في قدرة الحكومة الجديدة على إحداث تغيير جذري داخل الوزارة، قائلاً: "سيطرة الأحزاب والمحاصصة على وزارة المالية تجعل إصلاحها مهمة بالغة الصعوبة، فشبكات المصالح المتجذرة تحتاج إلى خطط دقيقة وإرادة سياسية قوية، ولا أعتقد أن الزيدي يمتلك حتى الآن فريقاً اقتصادياً قادراً على مواجهة هذا الواقع."

كما يشير إلى أن منح حقيبة المالية لفالح الساري جاء في إطار تسوية سياسية مع تيار الحكمة، وليس نتيجة اختيار قائم على الكفاءة الفنية وحدها، ويقول: "المكاتب الاقتصادية للأحزاب هي التي تتحكم فعلياً بوزارة المالية، ومن يحصل على هذه الوزارة يمتلك نفوذاً واسعاً على التعيينات، والضرائب، والجمارك، والمصارف، وحركة السيولة المالية، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر الوزارات حساسية داخل الدولة."

إعادة تعريف الاقتصاد قبل إعادة هيكلته

ترى مصادر عراقية تحدثت لـ"عربي بوست" أن التحدي الحقيقي أمام حكومة علي الزيدي لا يكمن في إعادة هيكلة الاقتصاد فحسب، وإنما في إعادة تعريفه أولاً، باعتبار أن العراق لا يمتلك منذ سنوات نموذجاً اقتصادياً واضح المعالم يمكن البناء عليه.

وفي هذا السياق، يقول أستاذ الاقتصاد حسن كاظم إن الاقتصاد العراقي يمثل نموذجاً هجيناً يصعب تصنيفه ضمن المدارس الاقتصادية التقليدية. ويضيف أن العراق لا يملك اقتصاداً مركزياً بالمعنى الاشتراكي، وفي الوقت نفسه لا يقوم على اقتصاد السوق الحر، بل يعتمد على توزيع جزء كبير من عائدات النفط عبر التوظيف الحكومي، والإعانات، والعقود العامة، في إطار منظومة محاصصة تستخدم الإيرادات النفطية لإدارة الأزمات الاجتماعية وكسب الولاءات السياسية.

ويرى كاظم أن رئيس الوزراء الجديد يدرك طبيعة هذا النظام بحكم تجربته الطويلة في قطاع الأعمال، إذ كانت شركاته تعمل في تجهيز المواد الغذائية وتنفيذ عقود مرتبطة بسلاسل التموين الحكومية.

ويقول أستاذ الاقتصاد: "الزيدي نفسه عمل سنوات داخل هذه المنظومة، ويعرف جيداً حجم الفساد الذي يحيط بها، كما يدرك أن الدولة تنفق مليارات الدنانير عبر شبكة عقود معقدة أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية والسياسية في البلاد."

في المقابل، يشكك سياسي شيعي في قدرة الحكومة الجديدة على ترجمة شعارات الإصلاح إلى خطوات عملية. ويقول لـ"عربي بوست": "حتى الآن لم يكشف الزيدي عن خطة اقتصادية متكاملة، لا أمام البرلمان ولا أمام الإطار التنسيقي، وما عُرض على قادة الإطار اقتصر على عناوين عامة فقط، بينما إعادة هيكلة الاقتصاد تحتاج إلى برنامج واضح يمتد لسنوات وليس إلى شعارات سياسية."

ويضيف أن رؤساء حكومات سابقين طرحوا مشاريع اقتصادية واضحة نسبياً، لكنهم اصطدموا في النهاية بالواقع السياسي نفسه، قائلاً: "في النهاية سيجد الزيدي نفسه يعمل داخل النظام المالي ذاته الذي يتحدث اليوم عن تغييره."

الزيدي وتفكيك منظومة الريع والمحاصصة

يعتقد مسؤول رفيع في وزارة المالية أن النظام الاقتصادي العراقي لم يتشكل وفق رؤية اقتصادية متكاملة، وإنما تطور استجابة للأزمات المتلاحقة، سواء لمعالجة الاحتجاجات الشعبية أو توسيع التوظيف الحكومي أو زيادة الدعم الاجتماعي، وهو ما أدى إلى ترسيخ اقتصاد يعتمد على الإنفاق العام أكثر من اعتماده على الإنتاج.

هذا المسار، يضيف المسؤول في وزارة المالية العراقية، ساهم في بناء شبكات واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة بعائدات النفط، موضحاً أن استمرار تدفق الإيرادات النفطية منح القوى السياسية أدوات للحفاظ على نفوذها داخل مؤسسات الدولة.

وبحسب المصدر ذاته، فإن أي محاولة لإعادة هيكلة الاقتصاد ستصطدم بهذه الشبكات، لأنها أصبحت جزءاً من آلية توزيع الموارد والسلطة في العراق، وليس مجرد خلل إداري يمكن معالجته بقرارات حكومية.

ويقول: "نتمنى أن ينجح الزيدي في مشروعه، لكن عليه أولاً أن يتوقف عن تحميل ما يسميه الاشتراكية مسؤولية الأزمة، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب هوية اقتصادية واضحة، وفي استمرار شبكات المحاصصة والريع النفطي التي تتحكم في مفاصل الاقتصاد."

ويبدأ الإصلاح الحقيقي، حسب المصدر، بتفكيك منظومة توزيع الغنائم السياسية، وبناء قطاع خاص قادر على المنافسة بعيداً عن الاعتماد على الإنفاق الحكومي. ويضيف: "العراق بحاجة إلى قطاع خاص حقيقي، وإلى تفعيل صناديق الاستثمار والتنمية، وتوجيه جزء من عائدات النفط نحو مشاريع إنتاجية مستدامة، بدلاً من استمرار استخدامها لتغطية النفقات الجارية فقط."

ويختم المسؤول حديثه لـ"عربي بوست" بالقول إن نجاح الحكومة الجديدة لن يقاس بإطلاق شعارات إعادة الهيكلة، وإنما بقدرتها على بناء مسار اقتصادي جديد يقلل الاعتماد على النفط، ويمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في النمو، ويؤسس لاقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

وبحسب مصدر سياسي مقرب من الحكومة الجديدة، يرى الزيدي أن التخلص من العقلية الاشتراكية المسيطرة على الاقتصاد العراقي، بحسب وجهة نظره، هو السبيل إلى تجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية التي تفاقمت بسبب إغلاق مضيق هرمز أثناء الحرب الإيرانية الأمريكية.

ولمعالجة أزمة استنزاف خزينة الدولة، فإن الموازنة العراقية تعاني من زيادة النفقات الحكومية، وتضخم رواتب القطاع العام. وبشكل عام، ترى المصادر العراقية التي تحدثت لـ"عربي بوست" أن الزيدي يحاول التركيز على إصلاح الاقتصاد كمهمة أولى تعويضاً لضعف سجله السياسي.

إصلاح اقتصادي أم اختبار سياسي؟

في المحصلة، تبدو حكومة علي الزيدي أمام اختبار يتجاوز إدارة أزمة مالية أو معالجة عجز في الموازنة. فإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، كما يرى الخبراء والمسؤولون الذين تحدثوا لـ"عربي بوست"، تبدأ أولاً بحسم هوية النموذج الاقتصادي الذي تريد الدولة تبنيه، ثم الانتقال إلى إصلاح المؤسسات، وفي مقدمتها وزارة المالية، وتفكيك شبكات المحاصصة التي تشكلت حول الريع النفطي منذ عام 2003.

وبين طموح الزيدي لإطلاق ما يصفه بـ"أكثر مشاريع الإصلاح الاقتصادي جرأة"، وبين تشكيك خبراء الاقتصاد ومسؤولين سابقين في قدرة الحكومة على تجاوز مراكز النفوذ الحزبي، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحكومة الجديدة تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية في العراق، أم أن مشروع إعادة الهيكلة سينتهي، كما انتهت محاولات سابقة، إلى التكيف مع النظام القائم بدلاً من تغييره؟

تحميل المزيد