صراع الصقور: كواليس الانقسامات داخل الإطار التنسيقي في العراق وكيف تهدد بالإطاحة بحكومة الزيدي

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/01 الساعة 10:45 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/01 الساعة 10:45 بتوقيت غرينتش
صراعات الإطار التنسيقي الشيعي تهدد حكومة الزيدي في العراق/ عربي بوست

يعيش الإطار التنسيقي الشيعي في العراق على وقع انقسامات وخلافات حادة، ظهرت بمجرد انتهاء الجلسة البرلمانية في 14 مايو/ أيار 2026 لمنح الثقة لوزراء الحكومة الجديدة التي كلف الإطار التنسيقي الشيعي رجلَ الأعمال علي فالح الزيدي بتشكيلها في أواخر شهر أبريل/ نيسان 2026.

هذه الانقسامات، التي وصفها قيادي سياسي من الإطار التنسيقي الشيعي بأنها تتسم بالحدة ورغبة كل طرف في السيطرة على الحكومة الجديدة، أفرزت تحالفات جديدة تعيد رسم موازين القوى داخل البرلمان العراقي، حيث يتجه نوري المالكي وحلفاؤه إلى تشكيل جبهة سياسية مضادة تضم أطرافاً شيعية وسنية وكردية تشعر بالتهميش من الترتيبات الحكومية الأخيرة.

في المقابل، يتبلور معسكر آخر يدعم الحكومة الجديدة، ويضم قوى تسعى إلى ترسيخ توازنات مختلفة وإعادة تشكيل التحالفات التقليدية التي حكمت البلاد منذ سنوات. وأمام هذا المشهد المعقد، يجد رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي نفسه أمام اختبار سياسي مبكر، يتمثل في احتواء الصراع بين الأجنحة المتنافسة وضمان استكمال تشكيل حكومته.

وتزداد صعوبة المهمة في ظل الضغوط الأمريكية المتعلقة بدور الفصائل المسلحة، والتحديات الاقتصادية والأمنية التي تجعل أي تصدع داخل القوى الحاكمة عاملاً إضافياً يهدد استقرار البلاد. فما طبيعة هذه الانقسامات التي يشهدها أهم المكونات السياسية في العراق؟ ولماذا تُعد هذه الانقسامات تهديداً خطيراً للإطار التنسيقي الشيعي؟

"تحالف الأقوياء" للغاضبين من الزيدي

لم تكن الخلافات التي رافقت جلسة منح الثقة للحكومة الجديدة مجرد نزاع اعتيادي حول توزيع الحقائب الوزارية، بل كشفت عن تصدع متزايد داخل الإطار التنسيقي الشيعي وعن صراع أوسع لإعادة رسم موازين القوى السياسية في العراق، ومع تعثر تمرير عدد من الوزارات السيادية والخدمية، بدأت الاتهامات المتبادلة بين الحلفاء السابقين بالتصاعد.

في جلسة منح الثقة للحكومة الجديدة يوم 14 مايو/ أيار 2026، منح أعضاء البرلمان الثقة لـ14 وزارة فقط من أصل 23 وزارة، فيما بقيت 9 وزارات خارج التشكيلة بسبب الخلافات بين القوى السياسية على الأسماء والحصص، ومن أبرز الوزارات التي تدور حولها الخلافات وزارة الداخلية والتعليم العالي والتخطيط والدفاع.

وقدم ائتلاف دولة القانون، الذي يترأسه رئيس الوزراء الأسبق والقيادي البارز في الإطار التنسيقي الشيعي نوري المالكي، مرشحه لوزارتي الداخلية والتعليم العالي، وتم رفض منح الثقة لهما.

وقال مصدر من المكتب السياسي لائتلاف دولة القانون لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الكشف عن هويته للتحدث بحرية: "ما حدث خيانة وخطة مدبرة من قبل السوداني والزيدي وهيبت الحلبوسي رئيس البرلمان من أجل إقصاء دولة القانون من التشكيلة الحكومية الجديدة، ولن نقبل بهذا الغدر".

كما تم رفض مرشح تحالف عزم السني بقيادة مثنى السامرائي لوزارة التخطيط، ومرشح وزارة الإسكان والبناء المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وبحسب مصادر سياسية عراقية تحدثت لـ"عربي بوست"، فبعد جلسة التصويت على منح الثقة للحكومة، قرر كل من نوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون، وهادي العامري رئيس تحالف فتح، ومثنى السامرائي رئيس تحالف العزم السني، بالإضافة إلى مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، تشكيل تحالف سياسي جديد تحت مسمى "تحالف الأقوياء".

وقال مصدر من المكتب السياسي لائتلاف دولة القانون لـ"عربي بوست": "سيتم الإعلان عن هذا التحالف بعد الانتهاء من عطلة عيد الأضحى وعودة نواب البرلمان من أداء مناسك فريضة الحج، ولن يتم التنازل عن حقنا في الحكومة الجديدة".

واتهم المصدر ذاته رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، رئيس تحالف الإعمار والتنمية البرلماني، بتدبير المؤامرة المزعومة ضد المالكي، قائلاً لـ"عربي بوست": "السوداني يريد أن يكون الزعيم الجديد للشيعة في العراق، ولا يريد أن ينافسه أحد، كما أنه يسعى لتولي الحكومة في المستقبل، لذلك يعمل مع حلفائه والزيدي لإقصاء القوى الشيعية الأخرى المعارضة له".

وبدأت الخلافات في التصاعد بين السوداني والمالكي منذ أن تولى الأخير منصبه في 2022 بدعم من الإطار التنسيقي الشيعي، ومع إظهار السوداني استقلاليته السياسية، وابتعاده عن فلك الإطار التنسيقي الشيعي، وتأسيسه تحالفاً سياسياً وخوضه الانتخابات البرلمانية السابقة التي أُجريت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، رغم رفض الإطار التنسيقي الشيعي، وبالتحديد نوري المالكي.

ومن المتوقع أن يضم "تحالف الأقوياء" كلاً من فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي ورئيس حركة عطاء، وأحمد الأسدي وزير العمل السابق ومؤسس كتائب جند الإمام المقربة من إيران، ورئيس كتلة سند، إلى التحالف الجديد بعد انفصالهما عن تحالف الإعمار والتنمية الذي يترأسه محمد شياع السوداني. ومن المتوقع أن يضم التحالف ما بين 75 و100 نائب في البرلمان.

وفي حديثه لـ"عربي بوست"، قال المستشار السياسي المقرب من الإطار التنسيقي الشيعي، حسين فالح: "هذا الانقسام المحتمل لم يكن نتيجة يوم جلسة التصويت فقط، بل يدور الحديث حوله منذ 6 أشهر، فالخلافات كانت قد بدأت في التصاعد بين المالكي وحلفائه والسوداني وأنصاره داخل الإطار، ما مهد الطريق لهذا الانقسام".

وأضاف فالح: "لكن الخلاف تعمق لاحقاً مع توزيع الحقائب الوزارية، وخصوصاً في الوزارات الأمنية والخدمية، واستبعاد ائتلاف نوري المالكي وهادي العامري من تولي هذه الحقائب، بالإضافة إلى حرص الزيدي على استبعاد الفصائل المسلحة من هذه الوزارات، وهذه أزمة رافقت تشكيل الحكومة الجديدة منذ البداية".

"تحالف مضاد" بقيادة المالكي والعامري

يعتقد نوري المالكي وأنصاره من السنة والأكراد وبعض قوى الإطار التنسيقي أن ما حدث في توزيع الحقائب الوزارية كان أشبه بمؤامرة سياسية لإقصائهم من التوازنات السياسية الجديدة. ويرى الخبير والمستشار السياسي للإطار التنسيقي الشيعي، حسين فالح، أن التحالف المضاد يحاول الإطاحة بنوري المالكي من المشهد السياسي الشيعي.

ويضم التحالف المضاد كلاً من محمد شياع السوداني رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية، ومحمد الحلبوسي رئيس حزب تقدم السني، وحيدر العبادي رئيس ائتلاف النصر، وقيس الخزعلي زعيم حركة صادقون، التيار السياسي لفصيل عصائب أهل الحق المقرب من إيران، وعمار الحكيم زعيم تيار الحكمة، إضافة إلى بافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني.

ويقول فالح لـ"عربي بوست": "السوداني يحاول تثبيت نفسه كزعيم جديد داخل البيت الشيعي لاستبدال المالكي"، ويضم التحالف المضاد لتحالف الأقوياء إلى الآن حوالي 170 مقعداً في البرلمان، ولكن بحسب المصادر، ما زالت هذه المقاعد غير محسومة بشكل مؤكد لصالح التحالف الجديد، نظراً لإمكانية الانشقاق والانضمام إلى تحالف نوري المالكي في المستقبل القريب.

مصدر سياسي من ائتلاف الإعمار والتنمية ومقرب من رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، قال لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الإسناد: "لا توجد أي صحة للأحاديث الدائرة عن مؤامرات انقلاب سياسي على المالكي وأنصاره، كل ما في الأمر أن السوداني وعدداً من القوى السنية والكردية يحاولون تأسيس تحالف جديد عابر للطائفية وداعم للحكومة الجديدة، من أجل تحقيق مصالح العراق".

كما يرى مصدر سياسي مقرب من عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة، أن التحالف الجديد يهدف إلى أن تكون الحكومة الجديدة أفضل من سابقاتها في ظل الضغوط الإقليمية والعالمية التي يواجهها العراق. وأضاف: "هناك من لا يدرك حجم التحديات التي تواجه العراق من داخل الإطار التنسيقي الشيعي، ويرغبون فقط في تحقيق مصالحهم دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى".

وحصل ائتلاف الإعمار والتنمية التابع للسوداني على وزارات النفط والكهرباء والزراعة، كما حصل تيار الحكمة على وزارة المالية، ومن المحتمل أن يحصل على وزارة الشباب في عملية استكمال تشكيل الحكومة. بينما حصل حزب تقدم بقيادة محمد الحلبوسي على وزارتي التربية والصناعة، وذهبت وزارة العدل إلى الاتحاد الوطني الكردستاني.

وكانت عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي تأمل في الحصول على منصب نائب رئيس الوزراء، بالإضافة إلى مناصب أمنية رفيعة في جهاز مكافحة الإرهاب، لكن واشنطن اعترضت على منح أي حقيبة وزارية أو مناصب حكومية رفيعة للفصائل المسلحة الشيعية المتورطة في استهداف الولايات المتحدة، سواء في الحرب الحالية مع إيران، أو في وقت سابق.

لكن مؤخراً بدأ قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق والقيادي البارز في الإطار التنسيقي، والذي يمتلك 27 مقعداً في البرلمان الحالي، رغم خوض تياره السياسي الانتخابات السابقة منفرداً، التخلي عن عباءة مقاومة الولايات المتحدة، والاتجاه نحو الحياة السياسية بشكل مكثف وتصوير نفسه على أنه رجل سياسة وليس زعيم فصيل مسلح.

في هذا الصدد، يقول مسؤول أمني عراقي مقرب من الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، مفضلاً عدم ذكر اسمه: "الخزعلي والزيدي يحاولان إقناع واشنطن بمنح بعض المناصب الحكومية لعصائب أهل الحق ووضعها تحت الاختبار لمدة 6 أشهر، لتقييم أدائها والتأكد من ابتعادها عن الفصائل المرتبطة بإيران وتغيير موقفها".

انشقاق فالح الفياض وأحمد الأسدي

خاض كل من فالح الفياض وأحمد الأسدي الانتخابات البرلمانية التي أجريت أواخر 2025، ضمن ائتلاف الإعمار والتنمية التابع لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني. وكانا من أشد المؤيدين للسوداني خلال ولايته التي انتهت في عام 2025.

لكن بعد جلسة منح الثقة لوزراء الحكومة الجديدة، التي على أثرها انفجرت الخلافات السياسية بين قوى الإطار التنسيقي الشيعي، قرر كل من الفياض والأسدي الانشقاق عن تحالف السوداني والانضمام إلى تحالف الأقوياء بقيادة نوري المالكي.

وقال مصدر سياسي مقرب من السوداني لـ"عربي بوست": "في الواقع، كان الفياض والأسدي يحاولان التنقل بين السوداني والمالكي منذ 6 أشهر، ولكنهما في النهاية قررا اختيار المالكي، واتّهما السوداني بعدم تنفيذ وعوده السياسية التي أقر بها قبل تشكيل الحكومة الحالية".

في المقابل، يتهم سياسي شيعي من حركة عطاء التابعة لرئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، السوداني بالخيانة أيضاً، فيقول لـ"عربي بوست": "لقد دعم الفياض والأسدي السوداني بشكل كبير أثناء توليه الحكومة السابقة، وهو من طلب منهما الانضمام إلى ائتلافه، وبعد ذلك أدار ظهره لهما خوفاً من غضب واشنطن، واتفق مع الزيدي والحلبوسي على عدم منح الفياض والأسدي أي حقيبة وزارية".

بينما يرفض معسكر السوداني هذه الاتهامات، وقالت المصادر السياسية من ائتلاف الإعمار والتنمية، الذي يترأسه محمد شياع السوداني، لـ"عربي بوست"، إن السوداني لم يعقد أي صفقات مع الزيدي لحرمان فالح الفياض وأحمد الأسدي من أي حقيبة وزارية، وأنه فقط يدعم الحكومة الجديدة من أجل الحفاظ على استقرار العراق.

وقال السياسي الشيعي عبدالهادي السعداوي لـ"عربي بوست" إن الفياض انسحب من تحالف السوداني وانضم إلى تحالف المالكي "لأنه شعر بأن السوداني والزيدي يحاولان إقالته من منصبه، وكان سبب الأسدي في الانضمام إلى تحالف نوري المالكي هو غضبه من عدم منحه وزارة العمل مرة أخرى أو أي حقيبة وزارية أخرى، وعدم دعم السوداني له في ذلك الأمر، واستحواذ الإعمار والتنمية على باقي الوزارات، رغم دعم الرجلين للسوداني في السنوات القليلة الماضية".

بالإضافة إلى الاتهامات الموجهة للسوداني وأنصاره من قبل المالكي وحلفائه، فقد أشارت المصادر السياسية العراقية المطلعة على هذا الصراع، إلى تورط محمد الحلبوسي في الإطاحة بمرشحي ائتلاف دولة القانون للانتقام من نوري المالكي.

فقد تمت الإطاحة بمحمد الحلبوسي من منصبه رئيساً للبرلمان، وهو أعلى منصب سياسي يحصل عليه المكون السني في العراق وفقاً لنظام المحاصصة المتفق عليه منذ عام 2003، بقرار من المحكمة الاتحادية العليا في عام 2023 بتهم تتعلق بالتزوير.

وقالت مصادر عراقية مختلفة لـ"عربي بوست" إن هذه الإطاحة كانت من تدبير نوري المالكي وحلفائه في الإطار التنسيقي الشيعي، انتقاماً من الحلبوسي للانضمام إلى التحالف الثلاثي مع مقتدى الصدر والحزب الديمقراطي الكردستاني، عقب انتخابات عام 2021 لتشكيل حكومة أغلبية وطنية والإطاحة بالأحزاب الشيعية التقليدية التي كان أداؤها سيئاً في هذه الانتخابات.

بحسب الخبير السياسي حسين فالح، المقرب من الإطار التنسيقي الشيعي، فإنه على الرغم من أن الانشقاقات وإعادة التحالفات كانتا أمراً طبيعياً داخل الإطار التنسيقي الشيعي، فإن الصراع هذه المرة خطير، ويهدد بانهيار وحدة الإطار التنسيقي، خاصة أن هذه الانقسامات تأتي في ظل ظروف صعبة.

إذ أوضح فالح في تصريح لـ"عربي بوست" أن العراق يواجه أزمة اقتصادية، وتأخير إقرار الموازنة، واحتمالات تجدد الحرب بين إيران وأمريكا، فضلاً عن أزمة الكهرباء ودخول البلاد فصل الصيف الذي تشتد فيه الأزمة بشكل مخيف، فالتوقيت ليس مناسباً لهذه الخلافات.

تحميل المزيد