من ملفات العقوبات وإعادة الإعمار إلى سلاح حزب الله والعلاقة مع إسرائيل، تتوسع أجندة الحوار بين دمشق وواشنطن لتشمل قضايا إقليمية تتجاوز الحدود السورية، في وقت تكثف فيه الإدارة الأميركية اتصالاتها مع الرئيس السوري أحمد الشرع ضمن مقاربة جديدة لموقع سوريا في مرحلة ما بعد الحرب.
وكشفت مصادر دبلوماسية وسياسية متقاطعة أن واشنطن تنظر إلى الشرع باعتباره شريكاً محتملاً في ترتيبات أمنية وسياسية واسعة تشمل مستقبل النفوذ الإيراني والروسي في سوريا، والعلاقة مع إسرائيل، ودور دمشق المحتمل في لبنان، مقابل حزمة من الحوافز السياسية والاقتصادية وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي ظل حديث متزايد عن زيارة جديدة محتملة للرئيس السوري إلى واشنطن ولقاء الرئيس ترامب، تتجه الأنظار إلى طبيعة المطالب الأميركية التي قد تُطرح على طاولة المفاوضات، وحجم المقابل الذي يمكن أن تحصل عليه دمشق في حال وافقت على الانخراط في التفاهمات الجديدة التي تعمل الولايات المتحدة على صياغتها في المشرق العربي.
دمشق وواشنطن ما بعد العقوبات
رغم عدم صدور إعلان رسمي حتى الآن بشأن زيارة جديدة للرئيس السوري إلى الولايات المتحدة، فإن مصادر دبلوماسية سورية أكدت لـ"عربي بوست" أن الاتصالات بين الجانبين لم تتوقف خلال الأشهر الماضية، وأن واشنطن تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة صياغة علاقتها مع دمشق الجديدة على أسس مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة خلال العقود السابقة.
وتأتي هذه المقاربة الأميركية في سياق تحولات أوسع شهدتها المنطقة منذ سقوط نظام بشار الأسد وتراجع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات الإقليمية، إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى سوريا باعتبارها مجرد ساحة نزاع أو ملف إنساني وأمني، بل كدولة يمكن أن تصبح جزءاً من ترتيبات إقليمية جديدة يجري العمل على بنائها في المشرق العربي.
وبحسب المصادر، فإن جدول الأعمال المتوقع لأي لقاء بين الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يقتصر على ملف العقوبات أو المساعدات الاقتصادية، بل سيشمل ملفات الأمن الإقليمي، ومستقبل الوجود الروسي في سوريا، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السورية، والعلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى مستقبل العلاقات السورية الإسرائيلية.
وتتعامل واشنطن مع هذه الملفات باعتبارها أجزاء مترابطة من صفقة سياسية وأمنية واسعة، عنوانها إعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي مقابل تقديم ضمانات أمنية تتعلق بالحدود والجبهات والنفوذ الإيراني، وهي مقاربة تعكس رغبة أميركية في الانتقال من إدارة الأزمة السورية إلى محاولة إعادة هندسة التوازنات التي ستنشأ بعدها.
إسرائيل في قلب التفاهمات
رغم أن الحديث العلني بين دمشق وواشنطن يركز غالباً على الاقتصاد وإعادة الإعمار، فإن الملف الإسرائيلي يبدو الأكثر حضوراً في خلفية النقاشات الأميركية السورية.
فمنذ اللقاء الذي جمع ترامب والشرع في الرياض عام 2025، دفعت واشنطن باتجاه فتح مسار تفاوضي أمني بين دمشق وتل أبيب، بالتوازي مع جهود لخفض التصعيد في الجنوب السوري وترتيب الوضع الأمني في المناطق المحاذية للجولان.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة للإدارة الأميركية في ظل سعيها إلى توسيع دائرة التفاهمات الإقليمية التي أعقبت اتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل، إذ ترى واشنطن أن أي استقرار طويل الأمد في سوريا سيكون مرتبطاً بشكل أو بآخر بمستقبل الجبهة السورية الإسرائيلية التي ظلت لعقود واحدة من أكثر الجبهات حساسية في المنطقة.
وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن الإدارة الأميركية تعتبر أن نجاح أي عملية انفتاح اقتصادي غربي أو خليجي على سوريا يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، وهو ما يجعل التفاهم مع إسرائيل أحد الشروط غير المعلنة لأي عملية إعادة تأهيل سياسية أو اقتصادية واسعة.
لكن دمشق تواجه معضلة معقدة، فهي تحتاج إلى رفع العقوبات واستقطاب الاستثمارات وإعادة بناء الاقتصاد، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي تنازلات تتعلق بالسيادة أو الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري قد تضعها أمام تحديات داخلية وإقليمية كبيرة، خصوصاً في ظل حساسية الرأي العام السوري تجاه أي ترتيبات يمكن أن تُفسر على أنها مساس بالسيادة الوطنية أو بمستقبل الجولان المحتل.
هل تريد واشنطن دوراً سورياً ضد حزب الله؟
إلى جانب الملف الإسرائيلي، برز خلال الأشهر الأخيرة تطور لافت تمثل في حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكانية أن تلعب سوريا دوراً في معالجة ملف سلاح حزب الله.
ورغم أن هذا الطرح لم يتحول حتى الآن إلى مبادرة رسمية معلنة، إلا أن مجرد طرحه يعكس تحولات مهمة في التفكير الأميركي تجاه سوريا ولبنان معاً، خاصة بعد المتغيرات التي شهدها لبنان منذ الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله وما رافقها من ضغوط داخلية وخارجية لإعادة طرح مسألة السلاح ودور الحزب داخل الدولة اللبنانية.
وتدرك الولايات المتحدة أن الضغوط العسكرية والسياسية التي مورست على حزب الله خلال السنوات الماضية لم تنجح في تحقيق النتائج التي كانت تطمح إليها واشنطن وتل أبيب، كما أن إسرائيل، رغم عملياتها العسكرية الواسعة، لم تتمكن من فرض واقع جديد بصورة كاملة على الأرض اللبنانية.
ومن هنا، بدأت بعض الدوائر الأميركية تنظر إلى دمشق باعتبارها طرفاً يمتلك أوراقاً إضافية قد تساعد في معالجة هذا الملف، سواء من خلال المعرفة المتراكمة بشبكات الإمداد السابقة التي كانت تربط سوريا بلبنان، أو عبر النفوذ السياسي والأمني الذي امتلكته الدولة السورية تاريخياً داخل الساحة اللبنانية قبل انسحاب قواتها عام 2005.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن طرح ترامب لا يتعلق فقط بحزب الله، بل يحمل أبعاداً أوسع تتصل بإعادة تعريف الدور السوري في لبنان. فواشنطن تبدو مقتنعة بأن أي مساهمة سورية في الملفات الأمنية اللبنانية ستعني عملياً عودة جزء من التأثير السوري إلى الساحة اللبنانية، وإن كان ذلك ضمن قواعد مختلفة تماماً عن مرحلة الوصاية السابقة التي انتهت قبل أكثر من عقدين.
مع ذلك، لا تبدو دمشق متحمسة حالياً للانخراط في هذا المسار. فالرئيس أحمد الشرع يدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله أو لعب دور ضاغط عليه قد يفتح على سوريا جبهات سياسية وأمنية هي في غنى عنها خلال مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وترتيب أولوياتها الداخلية.
لكن في المقابل، تدرك القيادة السورية أن أي دور تطلبه واشنطن لن يكون مجاناً. فكلما ارتفعت قيمة الدور المطلوب، ارتفع حجم المقابل السياسي والاقتصادي المتوقع. وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن أي نقاش جدي حول هذا الملف سيكون مرتبطاً بحزمة حوافز تشمل رفع العقوبات بشكل كامل، وزيادة الاستثمارات الخليجية والغربية، وتوسيع الدعم المالي والعسكري للدولة السورية، وربما الوصول إلى تفاهمات أمنية أوسع مع إسرائيل.
تركيا تعود إلى قلب المشهد
في موازاة الحراك الأميركي السوري، تشهد العلاقة بين واشنطن وأنقرة تحولاً لافتاً يعكس تغيراً في أولويات الطرفين داخل المنطقة. فالرئيس الأميركي الذي هدد تركيا عام 2019 بتدمير اقتصادها بسبب تحركاتها العسكرية في شمال سوريا، يعود اليوم إليها من موقع مختلف تماماً.
إذ تحولت أنقرة بالنسبة إلى واشنطن إلى شريك يصعب تجاوزه في معظم ملفات المنطقة، وخصوصاً بعد تنامي دورها في سوريا والبحر الأسود والقوقاز، إضافة إلى موقعها المحوري داخل حلف شمال الأطلسي.
وتستعد تركيا لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي بحضور ترامب، في زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز إطار الحلف نفسه. إذ تنظر الإدارة الأميركية إلى أنقرة بوصفها إحدى القوى القادرة على المساهمة في استقرار سوريا الجديدة، وإدارة ملفات الحدود والأكراد وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية.
كما أن تركيا تُعدّ اليوم أحد أبرز الفاعلين الخارجيين داخل سوريا، سواء من خلال حضورها العسكري المباشر في الشمال أو عبر علاقاتها الواسعة مع قوى سياسية وعسكرية سورية، ما يمنحها أوراقاً يصعب تجاهلها في أي ترتيبات مستقبلية تخص الدولة السورية.
وتشير معلومات متقاطعة إلى أن الرئيس رجب طيب أردوغان سيحاول استثمار العلاقة الجيدة الحالية مع ترامب من أجل تثبيت الدور التركي في سوريا، وفي الوقت نفسه دفع واشنطن إلى ممارسة ضغوط أكبر على إسرائيل في الجنوب السوري، بما يحد من أي ترتيبات أمنية قد تتعارض مع المصالح التركية.
سباق على الاقتصاد السوري
على الجانب الاقتصادي، تتحول سوريا تدريجياً إلى ساحة تنافس بين عدة أطراف إقليمية ودولية تسعى للحصول على موطئ قدم داخل عملية إعادة الإعمار والتنمية، ويبدو أن السعودية وفرنسا تتصدران هذا المشهد حالياً.
ويأتي هذا التنافس في ظل تقديرات دولية تشير إلى أن إعادة إعمار سوريا تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات، ما يجعلها واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والإسكان والنقل والاتصالات.
ففي حين تراهن الرياض على إمكاناتها التمويلية الضخمة وعلاقاتها المتنامية مع دمشق، تحاول باريس العودة إلى السوق السورية من بوابة الشركات والخبرات التقنية والعلاقات التاريخية مع جزء من النخبة الاقتصادية السورية.
وتشير المعلومات إلى أن زيارة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق ما تزال قيد البحث، بالتوازي مع تنشيط عمل المجلس الفرنسي السوري للأعمال ومناقشة مشاريع في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتعليم والصحة والاتصالات.
في المقابل، تبدو السعودية أكثر تقدماً على مستوى المشاريع والاتفاقيات، مع توقعات بأن تلعب دور الممول الرئيسي لجزء كبير من الاستثمارات المقبلة داخل سوريا، مستفيدة من علاقاتها السياسية الجيدة مع القيادة السورية الجديدة وقدرتها على حشد تمويلات إقليمية ودولية لمشاريع كبرى.
وتقوم الرؤية الاقتصادية المطروحة حالياً على معادلة تجمع بين التمويل السعودي والخبرة الفرنسية والحاجة السورية الهائلة إلى إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية، في نموذج يشبه إلى حد ما بعض تجارب إعادة الإعمار التي شهدتها دول أخرى بعد الحروب والصراعات.
سوريا أمام أكبر اختبار منذ سنوات
في المحصلة، تبدو سوريا أمام مرحلة مختلفة جذرياً عن السنوات الماضية. فالعقوبات، وإسرائيل، وحزب الله، وتركيا، والاستثمارات الخليجية والأوروبية، والوجود الروسي والإيراني، كلها ملفات أصبحت تُناقش ضمن سلة واحدة، في إطار عملية إعادة صياغة شاملة لموقع دمشق داخل المعادلات الإقليمية الجديدة.
لهذا السبب لا تنظر واشنطن إلى زيارة محتملة لأحمد الشرع باعتبارها مجرد محطة بروتوكولية أو لقاء سياسي عابر، بل باعتبارها فرصة لإطلاق تفاهمات أوسع قد تعيد رسم موقع سوريا في المنطقة لعقود مقبلة، وتحدد طبيعة علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.
ويبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع دمشق تحويل هذا الانفتاح الدولي والإقليمي إلى مكاسب استراتيجية دائمة تعزز استقرارها السياسي والاقتصادي، أم أنها ستجد نفسها أمام سلسلة جديدة من الضغوط والمقايضات التي قد تجعل ثمن العودة إلى النظام الإقليمي أعلى بكثير مما يبدو اليوم؟