تحولت رحلة رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، إلى سوريا من مجرد زيارة لتطبيع العلاقات بين بيروت ودمشق إلى جلسات سياسية – أمنية نوقشت خلالها أكثر الملفات حساسية بين لبنان وسوريا، في سياق إقليمي متوتر ومفتوح على جميع الاحتمالات، ما جعل رحلة سلام واحدة من أكثر الزيارات اللبنانية حساسية إلى دمشق منذ سنوات.
وفق معلومات خاصة حصل عليها "عربي بوست"، فإن الاجتماعات المغلقة التي عقدها سلام مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بحضور نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزراء لبنانيين ومسؤولين أمنيين سوريين، تناولت ملفات الحدود والتنسيق الأمني، والحرب الإسرائيلية على لبنان، إضافة إلى موقع لبنان وسوريا في أي ترتيبات إقليمية يجري العمل عليها حالياً في المنطقة.
ودخلت دمشق الاجتماع من زاوية مختلفة عن السنوات الماضية، إذ لم يعد لبنان بالنسبة للقيادة السورية مجرد ملف سياسي أو ساحة نفوذ تقليدية، بل بات يُنظر إليه كجزء مباشر من الأمن القومي السوري، خاصة في ظل الحديث عن ترتيبات جديدة قد تُفرض على لبنان في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى الحدود أو ملف حزب الله أو شكل العلاقة الأمنية مع إسرائيل.
دمشق ترفع مستوى القلق من الحدود الشرقية
أبلغ الرئيس السوري أحمد الشرع الوفد اللبناني أن المؤسسات الأمنية السورية تنظر بقلق شديد إلى واقع الحدود بين لبنان وسوريا، خصوصاً في منطقة البقاع والحدود الشمالية، حيث لا تزال المعابر غير الشرعية وشبكات التهريب تنشط بدرجات متفاوتة، سواء في ملف السلاح أو المخدرات أو حركة الأفراد.
وأكد الشرع أن القيادة السورية اتخذت قراراً واضحاً بإعادة فرض سيطرة أمنية كاملة على الحدود، وأن دمشق لم تعد مستعدة للتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية تقنية أو هامشية، بل تعتبره جزءاً من الأمن الداخلي السوري ومنع أي اختراق أمني محتمل في ظل التطورات الإقليمية الحالية.
وبحسب مصادر مطلعة لـ"عربي بوست"، فإن الجانب السوري تحدث خلال الاجتماع عن وجود تقديرات أمنية داخل دمشق، تشير إلى مخاوف من استغلال بعض المجموعات أو الشبكات لحالة الفوضى الإقليمية الحالية من أجل إعادة تنشيط خطوط تهريب أو نقل مرتبطة بالسلاح أو الأموال أو الأفراد، خصوصاً في ظل الضغط العسكري القائم جنوب لبنان.
ومنذ أشهر، عزز الجيش السوري وجوده العسكري على طول الحدود مع لبنان، وكان الهدف الأساسي من هذه التعزيزات منع أي احتكاك غير محسوب، خاصة في ظل مخاوف من أن تدفع إسرائيل بمقاتلي حزب الله اللبناني نحو المناطق الجردية بين لبنان وسوريا، ما قد يؤدي إلى اشتباكات مباشرة مع القوات السورية.
حزب الله حاضر في النقاش بين لبنان وسوريا
قال مصدر دبلوماسي لبناني لـ"عربي بوست" إن ملف حزب الله كان حاضراً بشكل مباشر داخل الاجتماعات، لكن بطريقة مختلفة عن السنوات السابقة.
إذ أوضح المصدر الدبلوماسي أن الشرع أبلغ الوفد اللبناني أن سوريا لا تريد الدخول في أي مواجهة سياسية أو أمنية مع الحزب، لكنها في المقابل لن تسمح بأن تتحول الأراضي السورية إلى مساحة مفتوحة لأي نشاط عسكري أو لوجستي خارج التنسيق المباشر مع الدولة السورية.
وأضاف أن دمشق تعتبر أن أي نشاط غير مضبوط على الحدود أو داخل الأراضي السورية قد يؤدي إلى استدراج ضربات إسرائيلية أو ضغوط أمريكية إضافية على سوريا، وهو أمر لا تريد القيادة السورية الذهاب إليه في هذه المرحلة.
كما شدد الجانب السوري على أن دمشق معنية بإبقاء الحدود تحت سيطرة الدولة السورية واللبنانية، ومنع أي مسارات موازية أو غير رسمية في إدارة الملف الحدودي، سواء من جهة التهريب أو التحركات الأمنية أو نقل السلاح.
طلب لبناني لإنشاء لجنة أمنية مشتركة
خلال الاجتماعات، طرح رئيس الحكومة اللبنانية على الرئيس السوري ضرورة تشكيل لجنة أمنية سورية – لبنانية مشتركة تضم ممثلين مباشرين عن الأجهزة الأمنية والجيش ووزارات الداخلية في لبنان وسوريا.
وستكون مهمة هذه اللجنة الأمنية المشتركة إدارة التنسيق الحدودي اليومي، ومتابعة ملفات المطلوبين، والتهريب، والمعابر غير الشرعية، إضافة إلى إنشاء غرفة اتصال مباشر لمعالجة أي تطورات ميدانية أو حوادث حدودية.
وبحسب المعلومات التي توصل إليها "عربي بوست"، فإن سلام أبلغ الجانب السوري أن لبنان بات يحتاج إلى علاقة أمنية مؤسساتية وثابتة مع دمشق، بعيداً عن الصيغ السابقة أو قنوات التواصل غير الرسمية، خصوصاً أن التطورات الإقليمية الحالية تجعل ملف الحدود أكثر حساسية من أي وقت مضى.
في المقابل، أبدى الشرع موافقة أولية على الفكرة، لكنه شدد على أن دمشق تريد أولاً وضوحاً لبنانياً رسمياً تجاه طبيعة العلاقة المطلوبة مع سوريا، معتبراً أن المشكلة الأساسية خلال المرحلة الماضية لم تكن غياب التنسيق الأمني، بل غياب القرار السياسي اللبناني الموحد تجاه دمشق.
سوريا تراقب المفاوضات الخاصة بلبنان
بحسب المعلومات التي توصل إليها "عربي بوست" من مصادر مطلعة، فإن جزءاً مهماً من النقاش داخل الاجتماعات بين لبنان وسوريا تناول الضغوط الأمريكية – الإسرائيلية على لبنان، وخصوصاً ما يتعلق بملف الجنوب والترتيبات الأمنية المطروحة في الكواليس الدولية.
الشرع أبلغ الوفد اللبناني أن دمشق تعتبر أن أي تفاهمات أو ترتيبات أمنية تخص لبنان ستنعكس حكماً على سوريا، سواء في ملف الحدود أو اللاجئين أو التوازنات الأمنية الإقليمية، وأن سوريا لا تريد أن تُفاجأ بأي تفاهمات تُبنى بعيداً عنها أو من دون تشاور مباشر معها.
وأضاف أن القيادة السورية تعتبر أن المرحلة الحالية تشهد إعادة رسم لتوازنات المنطقة، وأن لبنان بات جزءاً مباشراً من هذه العملية، سواء أراد ذلك أم لا، خصوصاً في ظل الضغوط الغربية والإسرائيلية المتزايدة لإعادة ترتيب الوضع الأمني في الجنوب اللبناني.
يأتي ذلك بينما تستعد واشنطن لإطلاق أول جولة فعلية من المفاوضات المباشرة، بعد انتهاء مرحلة المحادثات التمهيدية، مع سعي واضح لإعادة صياغة التوازنات اللبنانية، وربط أي استقرار مستقبلي بترتيبات أمنية مباشرة مع إسرائيل، تتجاوز ملف الحدود إلى قضايا أكثر حساسية، في مقدمتها سلاح حزب الله.
الاقتصاد حاضر في لقاء الشرع وسلام
في الجانب الاقتصادي، شدد الشرع خلال الاجتماعات على أن سوريا لا تزال تعتبر نفسها العمق الاقتصادي والبري الطبيعي للبنان، وأن أي محاولة جدية لمعالجة الأزمة الاقتصادية اللبنانية أو إعادة تنشيط حركة التصدير والنقل والطاقة تمر حكماً عبر سوريا والمعابر البرية السورية.
كما ناقش الطرفان ملفات الترانزيت، وإعادة تنشيط خطوط التجارة البرية، والتعاون في مجالات النقل والطاقة والكهرباء، وإعادة تفعيل عدد من اللجان الاقتصادية والإدارية المشتركة التي توقفت خلال السنوات الماضية نتيجة التوتر السياسي بين لبنان وسوريا.
ووفق مصادر "عربي بوست"، فإن دمشق تحاول من خلال هذا المسار إعادة بناء علاقة مختلفة مع الدولة اللبنانية، تقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية المباشرة، لا على الصيغ السياسية القديمة أو العلاقات غير الرسمية التي حكمت العلاقة بين البلدين طوال العقود الماضية.
وتعكس أجواء الاجتماعات أن سوريا تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت موقعها لاعباً أساسياً في ملفات لبنان الأمنية والسياسية والاقتصادية، في وقت يزداد فيه الحديث داخل المنطقة عن ترتيبات إقليمية جديدة قد تعيد رسم شكل العلاقة بين لبنان وسوريا خلال السنوات المقبلة.