كشفت مصادر خاصة مطلعة على مجريات اجتماع لجنة 4+4 بشأن ليبيا في تونس أن النقاشات التي جرت برعاية بعثة الأمم المتحدة لم تنجح في تحقيق أي اختراق حقيقي في الملفات المطروحة، سواء ما يتعلق بالقوانين الانتخابية أو مستقبل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وبدلاً من أن يشكل اجتماع اجتماع لجنة 4+4 خطوة جديدة نحو استئناف العملية الانتخابية المتعثرة في ليبيا، كشف الاجتماع عن حجم الانقسامات داخل المعسكرات السياسية الليبية، وعن انتقال مركز الصراع من ملف الانتخابات إلى ملف الحكومة المقبلة.
وتأتي اجتماعات لجنة 4+4 في إطار آلية تفاوضية مصغرة ترعاها البعثة الأممية، بهدف معالجة القضايا العالقة في المسار الانتخابي، وعلى رأسها الإطار القانوني للانتخابات وترتيبات المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومحاولة إنتاج توافق سياسي قابل للتنفيذ يمهد لإجراء الاستحقاقات المؤجلة.
غير أن هذه الاجتماعات لا تبدو منفصلة عن المقاربة الأمريكية الجديدة التي برزت خلال الأشهر الأخيرة عبر تحركات مسعد بولس، والقائمة على تقليص دائرة التفاوض وحصرها بين ممثلي مراكز النفوذ الفعلية في الشرق والغرب، بدلاً من الذهاب إلى مسار سياسي واسع أو انتخابات شاملة.
وبينما تقدم البعثة الأممية لجنة "4+4" باعتبارها آلية فنية وسياسية لمعالجة عقبات الانتخابات، فإن تركيبتها وطبيعة المشاركين فيها تجعلانها أقرب إلى ترجمة أممية لمنطق التفاوض المحدود بين القوى القادرة فعلياً على تعطيل أو تمرير أي تسوية سياسية.
وبحسب المصادر، فإن الاجتماع الذي كانت البعثة الأممية تعوّل عليه لتسجيل تقدم يمكن البناء عليه في إحاطتها المقبلة أمام مجلس الأمن، تحول عملياً إلى ساحة صراع حول السلطة التنفيذية، أكثر منه منصة للنقاش حول تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.
من مسار انتخابي إلى صراع على الحكومة
كشفت كواليس اجتماع لجنة 4+4 الذي احتضنته تونس أن النقاشات انتقلت سريعاً من الملفات الفنية المرتبطة بالقوانين الانتخابية إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمن سيتولى إدارة المرحلة المقبلة في ليبيا.
وقالت المصادر إن الفريق المحسوب على حكومة الوحدة الوطنية، والممثل بوليد اللافي ومصطفى المانع، تمسك بخيار الذهاب إلى انتخابات برلمانية فقط في عام 2027 استناداً إلى القانون رقم 10 لسنة 2014، مع بقاء الحكومة الحالية في موقعها إلى حين استكمال هذا المسار.
ويعني هذا الطرح عملياً تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير محدد، والاكتفاء بتجديد السلطة التشريعية عبر انتخابات برلمانية، مع استمرار حكومة عبد الحميد الدبيبة في إدارة السلطة التنفيذية خلال المرحلة المقبلة.
غير أن المفاجأة، وفق المصادر ذاتها، جاءت من موقف ممثلي القيادة العامة، الدكتور الشيباني أبوهمود والمستشار عبد الرحمن العبار، اللذين أبديا قبولاً مبدئياً بفكرة تأجيل الانتخابات الرئاسية والاكتفاء بانتخابات برلمانية، لكن مقابل شرط سياسي واضح يتمثل في تشكيل حكومة جديدة وإنهاء دور مجلس النواب الحالي.
وبحسب المصادر، فإن هذا الموقف كشف للمرة الأولى بهذا الوضوح داخل الاجتماعات المغلقة أن أولوية الحصول على حكومة جديدة باتت تتقدم لدى بعض الأطراف على أولوية الحفاظ على المؤسسات القائمة أو الدفاع عن استمرار البرلمان في موقعه الحالي.
الشرخ داخل معسكر الشرق
أظهرت المناقشات أيضاً وجود تباينات واضحة داخل معسكر الشرق الليبي، على خلاف الصورة التقليدية التي كانت توحي بوجود موقف موحد بين القيادة العامة ومجلس النواب.
بحسب ما تسرب من أجواء الاجتماع، اتسم خطاب ممثلي القيادة العامة تجاه مجلس النواب بقدر كبير من الحدة، حيث جرى تحميل البرلمان جزءاً أساسياً من مسؤولية حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد، مقابل الدفع نحو إعادة تشكيل السلطة التنفيذية باعتبارها المدخل الأكثر واقعية لإعادة ترتيب المشهد.
وترى مصادر حضرت النقاشات أن هذا الموقف يعكس تحولاً مهماً في حسابات معسكر الشرق، إذ لم يعد مجلس النواب يُنظر إليه بوصفه حليفاً سياسياً لا يمكن المساس به، بل باعتباره ورقة يمكن التضحية بها إذا كان ذلك يفتح الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة تمنح القيادة العامة نفوذاً أكبر داخل السلطة التنفيذية.
وتكمن المفارقة في أن الطرف الذي استفاد طوال السنوات الماضية من الغطاء السياسي الذي وفره مجلس النواب، بدا مستعداً هذه المرة للتخلي عنه عندما أصبحت الحكومة هي الجائزة السياسية الأهم في أي تسوية قادمة.
وتشير مصادر "عربي بوست" إلى أن هذا التحول كشف شرخاً حقيقياً داخل معسكر الشرق، حيث لم تعد الأولويات متطابقة بين المؤسسات السياسية والعسكرية، وأصبح ملف الحكومة يتقدم على ملفات أخرى كانت تُعدّ في السابق خطوطاً حمراء.
الحكومة هي "العقدة المركزية"
في المقابل، بدا الفريق المحسوب على حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة أكثر تماسكاً وانضباطاً في إدارة المفاوضات، إذ تمسك بخط واضح يقوم على تأجيل الانتخابات الرئاسية والذهاب إلى انتخابات برلمانية فقط، مع الحفاظ على الحكومة الحالية.
وبهذا المعنى، تحولت الحكومة إلى العقدة المركزية التي عطلت أي إمكانية للوصول إلى توافق سياسي. ففي الوقت الذي كانت القيادة العامة تبحث فيه عن حكومة جديدة، ولو على حساب مجلس النواب، كان معسكر حكومة الوحدة يتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً، عبر التمسك باستمرار الحكومة الحالية حتى موعد الانتخابات البرلمانية المقترحة.
وتشير المصادر إلى أن النقاشات لم تنتج أي توافق حول القوانين الانتخابية أو المسار الدستوري المطلوب أو آليات إجراء الانتخابات، فيما بقي ملف الانتخابات الرئاسية مؤجلاً بحكم الأمر الواقع.
وبذلك لم تعد الأزمة محصورة في الخلاف حول شروط الترشح أو ترتيب الاستحقاقات الانتخابية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بمصير السلطة التنفيذية نفسها: هل تذهب ليبيا إلى حكومة جديدة قبل الانتخابات أم تستمر الحكومة الحالية إلى حين إجراء انتخابات برلمانية مؤجلة؟
خيبة أممية وتراجع أولوية الانتخابات
وفق المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" من مصادر مختلفة، فقد أبدت البعثة الأممية استياءً واضحاً من نتائج الاجتماع، بعدما كانت تراهن على اجتماع لجنة 4+4 لتحقيق اختراق سياسي يمكن البناء عليه خلال المرحلة المقبلة.
غير أن ما جرى في تونس أكد للبعثة، وفق المصادر، أن جوهر الأزمة الليبية لم يعد مرتبطاً بالقوانين الانتخابية وحدها، بل بالصراع على السلطة التنفيذية ومن يدير المرحلة الانتقالية المقبلة.
إذ إن الآلية التي كان يُفترض أن تساعد في تفكيك العقد الفنية والسياسية المتعلقة بالانتخابات انتهت إلى كشف عقدة أكثر عمقاً، تتمثل في أن الأطراف لا تتفاوض فعلياً حول كيفية الوصول إلى الانتخابات، بل حول من يملك الحكومة خلال المرحلة التي تسبقها.
وتكشف كواليس الاجتماع أن جميع الأطراف ما زالت ترفع شعار الانتخابات في الخطاب العلني، لكنها تتفاوض عملياً على الحكومة. فهناك طرف يريد حكومة جديدة تعيد توزيع النفوذ السياسي، وطرف آخر يريد الإبقاء على الحكومة الحالية وتمديد عمرها السياسي، بينما تغيب الانتخابات الرئاسية عن صلب التفاهمات الجدية.
ولم يتسن الحصول على تعليق فوري من الأطراف المذكورة بشأن ما أوردته المصادر حول مواقفها داخل الاجتماع.
لا انتخابات بل صراع على من يحكم قبلها
كشفت نتائج اجتماع تونس أن الانسداد السياسي لم يعد مجرد أزمة تسعى الأطراف إلى تجاوزها، بل تحول في حد ذاته إلى أداة تفاوض تستخدمها القوى المتنافسة لتحسين مواقعها داخل أي تسوية مقبلة.
فالقيادة العامة تبدو مستعدة للتضحية بمجلس النواب مقابل الحصول على حكومة جديدة، بينما تتمسك حكومة الوحدة بالبقاء في السلطة مقابل القبول بانتخابات برلمانية مؤجلة. أما الانتخابات الرئاسية، التي يفترض أن تشكل جوهر الحل السياسي في ليبيا، فقد تحولت إلى ملف مؤجل على طاولة الجميع.
وفي المحصلة، لم تكشف اجتماعات "4+4" في تونس عن اقتراب الليبيين من الانتخابات بقدر ما كشفت عن ابتعادهم عنها. فالمسار الذي قُدم باعتباره محاولة لإنقاذ العملية الانتخابية انتهى إلى تعرية الصراع الحقيقي الدائر حول السلطة التنفيذية.
وبين حكومة يريدها طرف، وحكومة يريد طرف آخر الإبقاء عليها، يبقى الليبيون مرة أخرى خارج معادلة التفاوض، فيما تواصل النخب السياسية التحدث باسم الانتخابات، بينما تخوض في الواقع معركة مفتوحة حول من يحكم البلاد قبل الوصول إليها.