حفتر يفاوض بالقوة: كيف تحولت مناورات “دروع الكرامة” إلى رسالة للمسار الأمريكي في ليبيا؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/23 الساعة 11:45 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/23 الساعة 11:45 بتوقيت غرينتش
الدبيبة وخليفة حفتر-عربي بوست

بينما كانت الولايات المتحدة تدفع نحو إدخال ليبيا في مسار جديد للسلطة التنفيذية عبر توحيد الإنفاق العام، كان خليفة حفتر يبعث برسالة موازية من شرق البلاد عبر "مناورات دروع الكرامة". هذه التحركات العسكرية لم تكن مجرد تدريب ميداني أو إحياء لذكرى عملية الكرامة، بل استعراضاً للقوة يهدف إلى تثبيت حضور المؤسسة العسكرية في أي ترتيبات مقبلة.

وفي بلد ما تزال موازين القوة فيه تتقدم على النصوص السياسية، جاء تحريك الدبابات ومنظومات الدفاع الجوي كتأكيد على أن أي مسار للتسوية سيظل هشّاً إذا تجاهل النفوذ العسكري المسيطر على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، إذ إن معسكر حفتر يواصل تقديم نفسه باعتباره "جيشاً وطنياً"، بينما ينظر إليه خصومه قوةَ أمر واقع تعمل خارج سلطة مدنية موحدة.

وشارك أكثر من 25 ألف عنصر في المناورات التي وُصفت بأنها "أكبر استعراض عسكري في تاريخ" الجيش بقيادة حفتر، غير أن الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل الليبي أو واشنطن فقط، بل حملت أيضاً إشارة إلى سياسة حفتر القائمة على موازنة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، ما يسمح له بالحفاظ على هامش سياسي وعسكري مستقل.

رسائل "مناورات دروع الكرامة"

تمنح تفاصيل "مناورات دروع الكرامة" معنى يتجاوز الاستعراض العسكري، إذ تأتي في لحظة تفاوضية حساسة تحاول فيها واشنطن إعادة ترتيب العلاقة بين مؤسسات الشرق والغرب، ليس عبر بوابة الانتخابات أو الدستور، بل من مدخل أكثر مباشرة يتعلق بتوحيد الإنفاق العام وإدارة المال السيادي.

وفي هذا السياق، أشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الولايات المتحدة، عبر المستشار الأمريكي مسعد بولس، تدفع نحو تقارب بين السلطات الليبية المتنافسة، بعدما وقعت الهيئات التشريعية في الشرق والغرب اتفاقاً بوساطة أمريكية لتوحيد الإنفاق العام للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.

كما نقلت الوكالة عن أحد القيادات المشرفة على "مناورات دروع الكرامة" وصفها بأنها "رسالة للأصدقاء والأعداء"، في إشارة إلى أن العرض العسكري صُمم ليُقرأ داخلياً وخارجياً، من قبل الخصوم والحلفاء والوسطاء الدوليين على حد سواء.

فيما قال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية أشريف بوفردة إن المناورات تأتي في إطار "تثبيت صورة ذهنية لدى المواطن الليبي والمجتمع الدولي" بأن قوات القيادة العامة تمثل "القوة العسكرية والمؤسسة العسكرية الحقيقية" في ليبيا، من حيث الانضباط والتسليح والقدرات التي يمكن الاعتماد عليها.

وأوضح بوفردة لـ"عربي بوست" أن جزءاً أساسياً من رسائل "مناورات دروع الكرامة" موجه إلى المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية والفاعلين المعنيين بالملف الليبي، لإظهار أن قوات الشرق يمكن أن تكون "شريكاً في أي مشروع قادم بالنسبة لليبيا".

واعتبر الباحث الليبي أن المناورات لا تنفصل عن التعبئة العسكرية السابقة التي شهدتها مناطق مثل سرت، لكنها حملت هذه المرة طابعاً أكثر وضوحاً بسبب حجم القوات ونوعية التسليح المستخدم، ويرى أن للمناورات بعداً داخلياً أيضاً، يتعلق بإعادة تشكيل صورة القيادة داخل معسكر حفتر.

كما أشار بوفردة إلى أن بروز خالد حفتر خلال المناورات يأتي في مقابل الصورة التي ترسخت سابقاً حول صدام حفتر باعتباره الواجهة الأبرز داخل المعسكر الشرقي، وقال: "التنافس الحاصل بين خالد حفتر وصدام حفتر قد يكون أحد العوامل التي دفعت نحو هذا الظهور العسكري المكثف، سواء من حيث عدد القوات أو طبيعة الرسائل الموجهة للداخل والخارج".

وفي تقييمه للطابع العسكري للمناورات، قال بوفردة إنها تحمل بعداً "دفاعياً وردعياً" أكثر من كونها مؤشراً مباشراً على استعداد للتصعيد، معتبراً أنه من غير المرجح أن يقدم أي طرف ليبي، في المرحلة الحالية، على تحرك عسكري واسع من دون ضوء أخضر من القوى الدولية المؤثرة في الملف الليبي.

وأضاف أن المجتمع الدولي "لا يستطيع أن يتحمل أي مغامرة عسكرية من أي طرف"، خصوصاً مع استمرار ترتيبات وقف إطلاق النار وخطوط التماس، وعمل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، إلى جانب المسار الأمريكي الهادف إلى تقريب المواقف بين الأطراف الليبية.

لكن المناورات، وفق الباحث الليبي، قد لا تغيّر جذرياً ميزان القوة بين الشرق والغرب، لأن قوات القيادة العامة تمتلك بالفعل تفوقاً واضحاً في التسليح والتدريب، يشمل السلاح الجوي ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، فضلاً عن برامج التدريب والعلاقات العسكرية الخارجية.

إلا أن بوفردة شدد على أن الفارق الأهم لا يرتبط بحجم السلاح فقط، بل بوجود "تسلسل قيادة واحد" داخل معسكر الشرق، مقابل تعدد التشكيلات والمسارات العسكرية في غرب ليبيا.

تبدو "مناورات دروع الكرامة" محاولة لإعادة تثبيت "القيادة العامة" طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة، فالرسالة لا تستهدف طرابلس وحدها، بل الوسطاء الدوليين أيضاً: "أي صيغة سياسية لا تمنح القوة العسكرية في الشرق موقعاً مقرراً ستظل معرضة للتعطيل".

غير أن هذه الرسالة تحمل في الوقت نفسه مفارقة واضحة، فالقيادة العامة تقدم نفسها باعتبارها قوة دولة، بينما يأتي أكبر استعراض عسكري لها في لحظة يُفترض أنها مخصصة للحديث عن التهدئة والتوحيد. ومن هنا يبرز السؤال الأعمق: هل تستعد هذه القوة للاندماج ضمن مؤسسات وطنية موحدة، أم أنها تسعى لدخول المرحلة المقبلة من موقع الفرض لا الشراكة؟

"توحيد الميزانية" بداية حل أم غطاء جديد؟

في أبريل/ نيسان 2026، وافقت الهيئتان التشريعيتان المتنافستان في ليبيا على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، في خطوة دعمتها واشنطن باعتبارها مدخلاً لتقليص الانقسام المالي بين الشرق والغرب، لكن الميزانية في ليبيا لا تُقرأ كوثيقة مالية فقط، بل كخريطة نفوذ تتحكم في توزيع المشاريع والعقود ومراكز القوة.

وفي 15 مايو/ أيار 2026، أعلن مصرف ليبيا المركزي بدء التنفيذ الفعلي لاتفاق الإنفاق الموحد، خلال اجتماع ضم مسؤولين ماليين ليبيين بحضور القائم بالأعمال الأمريكي جيريمي برنت، حيث نوقشت آليات مراقبة الإنفاق والإيرادات النفطية وضمان صرف الأموال وفق الترتيبات المتفق عليها.

ورغم ترحيب بعثة الأمم المتحدة بالاتفاق، مع التشديد على الرقابة والحوكمة، فإن الأطراف الليبية تنظر إليه من زاوية النفوذ وتقاسم الحصص أكثر من كونه إصلاحاً إدارياً، إذ إن الإشراف على الإنفاق يعني عملياً التحكم في التنمية وشبكات الولاء داخل الدولة.

وقال المحلل السياسي الليبي صلاح البكوش إن مناورات حفتر لا تشكل تهديداً عسكرياً، لكنها رسالة سياسية تهدف إلى تحسين موقعه التفاوضي، وأضاف أن توحيد الإنفاق قد يخفف الانقسام المالي، لكنه "لن يتحول تلقائياً إلى تسوية سياسية، لأن جوهر الأزمة ما يزال مرتبطاً بالسلطة والأمن وتقاسم النفوذ".

لا اندماج بل "ترهيب سياسي"

في غرب ليبيا، لا تُقرأ "مناورات دروع الكرامة" بمعزل عن ذاكرة هجوم 2019 على طرابلس، فرغم تغير التوازنات العسكرية والإقليمية وارتفاع كلفة الحرب الشاملة، فإن أي استعراض واسع لقوات حفتر يعيد تلقائياً استحضار منطق القوة الذي طبع تلك المرحلة، ويجعل الرسالة تُقاس ليس فقط بما أراد حفتر قوله، بل بكيفية تلقيها داخل طرابلس والقوى المناهضة له.

وقال المحلل السياسي الليبي أنس القماطي إن "حفتر لم يتغير، رغم أشهر من الكوريغرافيا الدبلوماسية حوله، وذكرى عملية الكرامة منحته مسرحاً"، وأضاف: "الأداء يتحدث عن نفسه: هذا ترهيب سياسي، وليس اندماجاً، جيش يستعد فعلاً للاندماج في مؤسسات وطنية موحدة لا ينظم أكبر مناورة له على الإطلاق خلال محادثات سلام. إنه يعلن عن نفسه بطريقة مختلفة".

وبحسب القماطي، فإن الرسالة التي وصلت إلى طرابلس يمكن تلخيصها في عبارة: "نحن لا نتفاوض، نحن نرهب"، واعتبر أن "مناورات دروع الكرامة" موجهة مباشرة إلى القوى الرافضة للمسار المنسوب إلى مسعد بولس، بوصفها "تذكيراً بما يوجد على الجانب الآخر من الطاولة إذا استمروا في الرفض".

وأضاف القماطي: "إنها معاينة مسبقة. هذا هو شكل الحياة السياسية تحت حكم آل حفتر في غرب ليبيا: ليس سلاماً، ولا حتى تعايشاً، بل إكراهاً".

ولا يفصل القماطي بين العرض العسكري والمسار المالي، بل يراهما جزءاً من استراتيجية واحدة، ويقول: "لم تكن هناك ثقة من البداية. ميزانية أبريل لم تبنِها، بل اشترت الوقت".

وحسب القماطي، فإن تنظيم أكبر مناورة عسكرية في تاريخ الجيش الوطني الليبي بعد شهر واحد من توقيع اتفاق الإنفاق الموحد "ليس تناقضاً، بل هو الاستراتيجية، الميزانية تمنح حفتر شرعية دولية، والمناورات تذكّر الجميع في الداخل بأنه لا يحتاج فعلياً إلى الاتفاق كي يأخذ ما يريد".

"هذا هو النمط الذي تعلّمت غرب ليبيا قراءته"، يضيف القماطي، ويوضح أن كل محطة دبلوماسية مع حفتر تتبعها إشارة عسكرية: "الاتفاق ليس الوجهة، بل الغطاء. وما دام أن المسارات المدعومة أمريكياً تتعامل مع تعاونه باعتباره تقدماً بينما تتجاهل الرسائل المحيطة به، فهي لا تجسر الانقسام بين الشرق والغرب. إنها تؤسسه داخل المؤسسات".

المسار المالي ومكافأة القوة

في تقييمه للمسار الأمريكي، يرى القماطي أن الإشكال لا يتعلق بمحاولة معالجة الخلل العسكري، بل بتكريسه سياسياً ومالياً، ويقول: "هذا هو الموضع الذي تقلب فيه معظم التحليلات المسألة رأساً على عقب، لا أحد يحاول معالجة التوازن العسكري، إنهم يحاولون مكافأته سياسياً ومالياً".

وبحسب هذه القراءة، فإن "مناورات دروع الكرامة" لا تبدو تهديداً خارجياً للمفاوضات، بل جزءاً من الرافعة التي تمنح حفتر موقعاً تفاوضياً أقوى. لذلك، فإن التحرك الأمريكي الذي يُقدَّم كخطوة تقنية لتوحيد الإنفاق، قد يُقرأ في طرابلس باعتباره مساراً يمنح حفتر شرعية سياسية ومالية من دون أن يفرض عليه تفكيك بنية القوة العسكرية التي يستند إليها.

في المقابل، يرى داعمو اتفاق الإنفاق الموحد أن توحيد الميزانية قد يشكل خطوة ضرورية لتخفيف الانقسام المالي الذي غذّى الانقسام السياسي لسنوات، خصوصاً مع الدعم الدولي للمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة.

غير أن الحديث الدولي عن الحاجة إلى مؤسسات اقتصادية وعسكرية موحدة يكشف أن الملف الحقيقي لم يُحسم بعد: من يملك القرار الأمني، وهل يمكن دمج القوة العسكرية في سلطة مدنية موحدة؟

هنا يقدّم القماطي خلاصة أكثر حدة، إذ يقول إن حفتر "لن يكون خاضعاً لأي سلطة مدنية، منتخبة أو غير منتخبة"، وأضاف: "هذا جيشه العائلي الشخصي. إنه ليس موقعاً يبحث عن إرفاق شروط به؛ وهو خطوة نحو الوجهة نفسها، وهي أخذ السلطة السياسية من داخل الدولة أو من خارجها باستخدام السلاح".

سياسة الولاءات غير الحصرية

لا يمكن فصل مناورات الشرق عن الحضور المتزايد لصدام حفتر داخل المشهد السياسي والعسكري، إذ لم يعد ظهوره مجرد تفصيل بروتوكولي، بل جزءاً من إعادة تشكيل بنية القوة داخل معسكر الشرق، وأصبح مرتبطاً أيضاً بمنظومة نفوذ عائلية يبدو أنها ترتب انتقالاً تدريجياً للثقل السياسي والعسكري داخل عائلة حفتر نفسها.

الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي قال لـ"عربي بوست" إن المناورات العسكرية في شرق ليبيا بدأت في طبرق ودرنة قبل أسابيع من ذكرى عملية الكرامة، وتزامنت إلى حد بعيد مع مناورات "فلينتلوك" التي رعتها الولايات المتحدة في سرت.

واعتبر حرشاوي أن هذا التوقيت "لم يكن عابراً"، إذ حرص معسكر حفتر، بحسبه، على تقديم استعراض يرضي واشنطن عبر المشاركة في المناورات التي نظمها البنتاغون، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش عسكري مستقل يتيح له التحرك وفق شروطه الخاصة.

وحملت زيارة صدام حفتر إلى موسكو الرسالة نفسها، يقول حرشاوي موضحاً إن جيش حفتر "يمضي في بناء عدة شراكات ثنائية بالتوازي"، وإن العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم الترحيب بها، "ليست علاقة حصرية".

ومن هذه الزاوية، لا يبدو التقارب مع موسكو أو استخدام السلاح الروسي تناقضاً مع الانفتاح على واشنطن، بل جزءاً من سياسة تقوم على تنويع التحالفات ورفع كلفة الضغط على معسكر حفتر. ويضيف حرشاوي أن ذكرى عملية الكرامة هذا العام عكست هذه المقاربة بوضوح، مع الحضور البارز لصدام وخالد وخليفة حفتر معاً.

بحسب الباحث المتخصص في الشأن الليبي، فإن الرسالة الضمنية تتمثل في أن قوى دولية وإقليمية متعددة تسعى إلى استمالة عائلة حفتر، وأن هذا السعي يرقى عملياً إلى "شكل من أشكال الاعتراف الدبلوماسي".

ويختصر هذه العقيدة بعبارة: "لا ولاءات حصرية"، موضحاً أن العائلة قادرة على الحفاظ على علاقات متوازية مع الإمارات والسعودية، ومع الولايات المتحدة وروسيا، وحتى مع تركيا ومصر في آن واحد.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما أشار إليه الباحث أشريف بوفردة بشأن التنافس الداخلي بين خالد وصدام حفتر، إذ إن المناورات لا توجّه رسائل إلى الخارج فقط، بل تعيد أيضاً توزيع الصورة داخل بيت القيادة العامة.

وإذا كان صدام قد تصدر سابقاً واجهة التحركات السياسية والأمنية والعلاقات الخارجية، فإن بروز خالد حفتر في هذا الاستعراض العسكري الواسع يمنحه صورة القائد الميداني والمؤسسي داخل هيئة الأركان.

ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية لأن أي ترتيبات سياسية مقبلة لن تتعامل فقط مع خليفة حفتر، بل مع الدائرة العائلية والعسكرية التي تشكلت حوله، إذ بات صدام يظهر في موقع يتجاوز الدور العسكري التقليدي، عبر حضوره في ملفات الأمن والتسليح والعلاقات الخارجية، بينما يتقدم خالد داخل البنية العسكرية النظامية.

كما أن ظهور منظومات روسية مثل "بانتسير" أضفى على "مناورات دروع الكرامة" بعداً خارجياً واضحاً، فالرسالة لم تكن موجهة إلى طرابلس وحدها، بل إلى واشنطن أيضاً: معسكر حفتر يدخل مرحلة الترتيبات الأمريكية وهو يمتلك أوراقاً عسكرية وتحالفات متعددة، ويقدّم نفسه قوةً يصعب الضغط عليها أو تجاوزها.

توحيد المال قبل توحيد السلاح

تلتقي القراءات المختلفة حول فكرة واحدة: "مناورات دروع الكرامة" ليست إعلان حرب، لكنها أيضاً ليست تدريباً عادياً، فهي محاولة لتحويل التفوق العسكري والتنظيم الداخلي والعلاقات الخارجية المتعددة إلى رأسمال تفاوضي قبل اكتمال المسار الأمريكي الخاص بتوحيد الإنفاق العام.

فمن زاوية أشريف بوفردة، تبدو المناورات محاولة لتقديم قوات الشرق باعتبارها المؤسسة العسكرية الأكثر تنظيماً وتسلسلاً في القيادة مقارنة بتعدد التشكيلات المسلحة في الغرب.

أما المحلل السياسي صلاح البكوش، فيرى أن العرض العسكري لا يشكل تهديداً مباشراً بقدر ما يمثل رسالة لتحسين الموقع التفاوضي، معتبراً أن توحيد الإنفاق قد يخفف الانقسام المالي لكنه لا يعالج جوهر الأزمة المرتبط بالسلطة والأمن وتقاسم النفوذ.

في المقابل، يقرأ أنس القماطي "مناورات دروع الكرامة" باعتبارها امتداداً للمسار المالي لا منفصلة عنه، حيث تمنح الميزانية شرعية دولية، بينما يفرض العرض العسكري ميزان القوة على الأرض.

أما جلال حرشاوي فيضيف بعداً خارجياً أوسع، يتمثل في قدرة عائلة حفتر على إدارة شبكة علاقات متوازية مع واشنطن وموسكو وعواصم إقليمية، وتحويل هذا التعدد إلى شكل من أشكال الاعتراف السياسي غير المعلن.

وبهذه الطريقة، تبدو الدبلوماسية والسلاح مسارين متوازيين لا متناقضين، فالقيادة العامة تعرض نفسها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في أي ترتيبات مقبلة، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ ببنية عسكرية مستقلة وغير خاضعة لسلطة مدنية موحدة، وتحكمها أيضاً توازنات عائلية داخلية يصعب تجاهلها.

في النهاية، لم تكن مناورات الشرق مجرد استعراض عسكري في ذكرى عملية الكرامة، بل بياناً سياسياً بصوت المدرعات، إذ يسعى حفتر إلى دخول المرحلة المقبلة لا باعتباره طرفاً قابلاً للدمج، بل قوةً لا يمكن تجاوزها.

وبينما تحاول الولايات المتحدة تنظيم المال العام، يواصل معسكر الشرق بقيادة خليفة حفتر التذكير بأن السلاح ما زال قادراً على إعادة تعريف شروط السياسة وحدود التسوية الممكنة.

تحميل المزيد