مفاوضات لبنان وإسرائيل: كيف تعمد الاحتلال إفشال اجتماعات البنتاغون؟ وما هي خطط نتنياهو في الجنوب؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/02 الساعة 15:13 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/02 الساعة 15:13 بتوقيت غرينتش

فشلت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي استضافها مبنى وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" في تحقيق أي اختراق بشأن وقف إطلاق النار أو التوصل إلى تفاهمات ميدانية جديدة في جنوب لبنان، وسط تباين حاد في مواقف الطرفين بشأن مستقبل المواجهة الجارية.

وبينما طالب الوفد اللبناني بوقف العمليات العسكرية والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ركز الجانب الإسرائيلي على ملفات سلاح حزب الله والترتيبات الأمنية طويلة الأمد على الحدود، بالتزامن مع تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل في جنوب لبنان.

إذ واصلت القوات الإسرائيلية تقدمها في محيط النبطية بعد سيطرتها على مواقع استراتيجية، أبرزها قلعة الشقيف، في خطوة تشير، بحسب مصادر أمنية ودبلوماسية تحدثت لـ"عربي بوست"، إلى أن تل أبيب ما زالت تراهن على تحقيق مكاسب ميدانية قبل الانتقال إلى أي مسار سياسي أو تفاوضي جدي.

وتكشف مصادر لبنانية وغربية أن إسرائيل تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة صياغة الواقع الأمني في جنوب لبنان وفرض ترتيبات جديدة تتجاوز اتفاقات ما بعد الهدنة، فيما تسعى واشنطن إلى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة بانتظار اتضاح مآلات المفاوضات الجارية مع إيران.

نتنياهو لا يريد وقف الحرب الآن

قالت مصادر دبلوماسية غربية متابعة للملف لـ"عربي بوست" إن بنيامين نتنياهو ينظر إلى الأسابيع الحالية باعتبارها فرصة استراتيجية قد لا تتكرر. فالرجل الذي يراقب عن كثب مسار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية يدرك أن أي تقدم حقيقي بين واشنطن وطهران قد يقود عاجلاً أم آجلاً إلى ضغوط أمريكية ودولية لوقف الحرب في لبنان.

وتضيف المصادر ذاتها أن نتنياهو يسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية قبل الوصول إلى تلك المرحلة، وهو ما يفسر تشدد الموقف الإسرائيلي في المفاوضات مع لبنان وتزامنه مع توسيع العمليات العسكرية على الأرض.

وأبلغ نتنياهو وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال الأسابيع الماضية أن الحكومة اللبنانية لا تستجيب للضغوط السياسية أو التفاوضية ما لم تواجه ضغطاً ميدانياً مباشراً، ولذلك يرى أن مواصلة العمليات العسكرية وتوسيع نطاقها تمثل الوسيلة الأكثر فاعلية لدفع بيروت إلى تقديم تنازلات في مرحلة لاحقة.

لهذا السبب تحديداً، جاء أداء الوفد الإسرائيلي في اجتماعات البنتاغون متشدداً وسلبياً. وبحسب مصادر شاركت في متابعة المباحثات، رفض الإسرائيليون عملياً البحث في أي صيغة تؤدي إلى وقف إطلاق النار، وركزوا بصورة شبه كاملة على ملفات سلاح حزب الله والمنطقة العازلة والترتيبات الأمنية طويلة الأمد.

ماذا طلبت إسرائيل؟

كشفت المصادر العسكرية اللبنانية لـ"عربي بوست" أن الوفد الإسرائيلي عرض خلال الاجتماعات التي احتضنها "البنتاغون" خرائط وإحداثيات لمواقع يدّعي أنها تابعة لحزب الله جنوب الليطاني وشماله، وطالب الجيش اللبناني بالتحرك ضدها.

كما طرح الإسرائيليون فكرة إنشاء إطار دائم للتنسيق الأمني والاستخباراتي بإشراف أمريكي، يتولى متابعة ملف سلاح حزب الله، إلى جانب نشر منظومة مراقبة إلكترونية متقدمة على طول المنطقة الحدودية تشمل كاميرات مرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي وأجهزة استشعار قادرة على رصد الحركة والأسلحة.

وركز الجانب الإسرائيلي بصورة خاصة على ملف المسيّرات الانقضاضية التي يمتلكها حزب الله، معتبراً أنها أصبحت واحدة من أكثر الأدوات التي أربكت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب.

لكن الجانب اللبناني رفض الدخول في أي نقاش عملي حول هذه الملفات، وأبلغ الأمريكيين والإسرائيليين أن أي حديث عن ترتيبات أمنية جديدة أو خطوات إضافية يبقى مستحيلاً قبل وقف العمليات العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

المعركة التي قد تغيّر وجه الجنوب

إذا كانت المفاوضات تراوح مكانها، فإن الميدان يسير في اتجاه مختلف تماماً، إذ حققت القوات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة تقدماً نوعياً عبر السيطرة على قلعة الشقيف الاستراتيجية، التي تعد من أهم المرتفعات العسكرية في جنوب لبنان.

وتسمح السيطرة على هذا الموقع بمراقبة مساحات واسعة من جنوب الليطاني وشماله، فضلاً عن الطرق الحيوية التي تربط الجنوب بالبقاع الغربي. وبحسب مصادر أمنية لبنانية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن التقدم نحو الشقيف لا يمثل هدفاً بحد ذاته، بل يأتي ضمن خطة أوسع تستهدف مدينة النبطية ومحيطها.

وتوضح المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست"، مفضلة عدم ذكر اسمها، أن الجيش الإسرائيلي يتقدم حالياً عبر عدة محاور متزامنة، من دبين والخردلي وبلاط شرقاً، ومن زوطر وميفدون شمالاً، في محاولة لإحكام السيطرة النارية على مدينة النبطية وقطع خطوط التواصل بين الجنوب والداخل اللبناني.

وتكتسب هذه المنطقة أهمية استثنائية لأنها تضم، وفق التقديرات الإسرائيلية، الجزء الأهم من البنية العسكرية المتبقية لحزب الله، كما أنها تشكل البوابة المؤدية إلى جبل الريحان وإقليم التفاح، اللذين يمثلان آخر خطوط الدفاع الاستراتيجية للحزب في الجنوب.

ويقول مصدر دبلوماسي غربي لـ"عربي بوست" إن بعض التقديرات داخل الدوائر الغربية تشير إلى أن إسرائيل لا تضع سقفاً نهائياً واضحاً لعملياتها الحالية، وتتحدث بعض السيناريوهات عن محاولة الوصول إلى الزهراني، فيما تتحدث تقديرات أخرى عن السعي لفرض منطقة نفوذ تمتد حتى مشارف الأولي إذا لم تتعرض الحكومة الإسرائيلية لضغوط أمريكية مباشرة.

واشنطن تريد شيئاً مختلفاً

رغم الدعم الأمريكي الواضح لإسرائيل، تشير مصادر سياسية ودبلوماسية متابعة للمفاوضات إلى وجود تمايز في الحسابات بين واشنطن وتل أبيب، إذ تنظر الإدارة الأمريكية إلى لبنان باعتباره جزءاً من مشهد إقليمي أوسع يشمل إيران وسوريا والعراق والخليج، بينما يتعامل نتنياهو مع الحرب باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل الواقع الأمني، وربما الديموغرافي، في جنوب لبنان.

وتقول مصادر أمريكية مطلعة على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية لـ"عربي بوست" إن واشنطن تضغط لاستمرار المسار التفاوضي الأمني والسياسي، ليس لأنها تتوقع نتائج سريعة، بل لأنها تسعى إلى إنشاء قناة تفاوض دائمة يمكن البناء عليها عندما تنضج الظروف السياسية.

ولهذا السبب، حرص البنتاغون في بيانه الختامي على وصف الاجتماعات بأنها "بناءة"، رغم إدراك جميع الأطراف أنها لم تحقق أي نتيجة عملية على الأرض.

العقدة الحقيقية: إيران

بحسب مصادر دبلوماسية عربية تحدثت لـ"عربي بوست"، لا تزال المفاوضات الأمريكية-الإيرانية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مستقبل الحرب في لبنان.

حتى الآن لم تتمكن واشنطن وطهران من التوصل إلى اتفاق نهائي حول الملفات الجوهرية، سواء ما يتعلق بالبرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي الإيراني. وتشير المصادر إلى أن ما يجري حالياً هو تفاوض على هدنة سياسية وأمنية مؤقتة أكثر منه تفاوضاً على تسوية شاملة ونهائية.

وتقول المصادر إن طهران تسعى أولاً إلى تخفيف الحصار الاقتصادي واستعادة جزء من أموالها المجمدة وضمان استقرار الملاحة في مضيق هرمز، قبل الانتقال إلى مفاوضات أكثر تعقيداً حول الملفات الأخرى.

في المقابل، تريد إدارة الرئيس دونالد ترامب أن يتحول أي اتفاق محتمل إلى مدخل لإعادة صياغة الدور الإيراني في المنطقة وتقليص نفوذ حلفائها، وهنا تحديداً يبرز ملف حزب الله بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.

السعودية تدخل على خط الحل

بالتوازي مع المسار الأمريكي، برز خلال الأيام الماضية حراك سعودي-مصري متزايد يهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة طويلة الأمد في لبنان.

وكشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" عن تداول أفكار تتعلق بإنشاء لجنة مراقبة مشتركة تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وربما دولة عربية، تتولى الإشراف على تثبيت أي وقف محتمل لإطلاق النار ومتابعة تنفيذ التفاهمات اللاحقة.

كما يجري بحث صيغ تقوم على مبدأ "تجميد" ملف سلاح حزب الله في مرحلة أولى، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي وتوسيع انتشار الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة في المناطق الحدودية.

وتشير المصادر نفسها إلى أن الرياض تنظر بقلق إلى احتمالات الانهيار الأمني أو الطائفي في لبنان، وتعمل بالتوازي على دعم الاستقرار الداخلي ومنع انتقال تداعيات الصراع الإقليمي إلى الداخل اللبناني.

لبنان بين حرب مفتوحة وتسوية مؤجلة

حتى الآن، لا توجد مؤشرات حقيقية على قرب انتهاء الحرب، إذ إن المفاوضات الأمنية لم تحقق أي اختراق، والمفاوضات السياسية المنتظرة لا تبدو قادرة وحدها على إنتاج حل، فيما يواصل نتنياهو تسريع عملياته العسكرية سعياً إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب قبل أي تسوية محتملة.

أما لبنان، فيجد نفسه للمرة الأولى منذ سنوات أمام معادلة شديدة التعقيد: حرب تتوسع ميدانياً، ومفاوضات عاجزة عن إنتاج نتائج، وضغوط أمريكية وإسرائيلية متزايدة، فيما يبقى مصير جزء كبير من المشهد مرتبطاً بمآلات المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.

وبينما تتقدم القوات الإسرائيلية نحو النبطية، وتواصل الولايات المتحدة إدارة مسارين متوازيين مع لبنان وإيران، يبدو أن مستقبل الجنوب اللبناني لم يعد يُرسم فقط على خطوط التماس، بل أيضاً في غرف التفاوض الممتدة من البنتاغون إلى مسقط والدوحة وواشنطن.

تحميل المزيد