بينما كان رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي يحاول استكمال تشكيل حكومته، كانت الخلافات داخل الإطار التنسيقي الشيعي تتصاعد حول الوزارات السيادية وحصة الفصائل المسلحة من السلطة. وفي الخلفية، كانت واشنطن ترسل رسائل أكثر وضوحاً مفادها ألا دعم لحكومة تضم فصائل متهمة باستهداف المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة.
في هذا المناخ المعقد، عقد الزيدي اجتماعاً مع قادة الإطار التنسيقي، الخميس 21 مايو/ أيار 2026، لمناقشة الحقائب الوزارية المتبقية وآلية التعامل مع ملف الفصائل المسلحة، بحسب ما كشفته مصادر عراقية رفيعة لـ"عربي بوست". لم يكن الاجتماع مجرد نقاش حول توزيع المناصب، بل محاولة مبكرة لرسم التوازنات التي ستحدد مستقبل حكومة علي الزيدي.
رئيس الوزراء العراقي الجديد، رجل الأعمال الذي دخل رئاسة الحكومة العراقية من دون تاريخ سياسي تقليدي، يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: إرضاء واشنطن التي تدعمه، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة والقوى الشيعية النافذة التي تمثل العمود الفقري للإطار التنسيقي.
حكومة علي الزيدي بلا فصائل؟
منح البرلمان العراقي الثقة لـ14 وزيراً فقط من أصل 23 وزيراً في حكومة علي الزيدي، فيما أُجّل التصويت على بقية الوزارات، وعلى رأسها الداخلية والدفاع والتخطيط، إلى ما بعد عطلة عيد الأضحى، وسط خلافات متزايدة داخل البيت الشيعي. لكن العقدة الأبرز لا تتعلق فقط بتوزيع الحقائب، بل بموقع الفصائل المسلحة داخل الحكومة الجديدة.
وقال قيادي في الإطار التنسيقي في حديث لـ"عربي بوست"، طالباً عدم الكشف عن اسمه، إن الزيدي "قرر أن تكون الحكومة الجديدة خالية من الفصائل التي حصدت ما يقرب من 80 مقعداً في البرلمان الحالي، وذلك تجنباً لغضب ترامب الذي لا يزال يدعمه حتى الآن".
وأضاف المصدر أن مسؤولاً أمريكياً من السفارة في بغداد أبلغ علي الزيدي بشكل مباشر أن "إدارة ترامب لن تتعامل مع أي حكومة تمنح حتى ولو وزارة واحدة للفصائل".
بحسب المصادر السياسية العراقية، فإن واشنطن حددت 6 فصائل شيعية مسلحة ممنوعة من المشاركة في الحكومة الجديدة، وهي: كتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء، وعصائب أهل الحق، وجند الإمام، ومنظمة بدر، ضمن ضغوط أمريكية تهدف إلى تقليص نفوذ الجماعات المقربة من إيران داخل مؤسسات الدولة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن "فصائل المقاومة الإسلامية في العراق"، التي تضم 6 مجموعات شيعية مسلحة مدعومة من إيران، نفذت مئات الهجمات ضد أهداف ومصالح أمريكية في العراق والمنطقة، بالإضافة إلى استهداف بعض دول الخليج.
في المقابل، ترى هذه الفصائل أن استبعادها من الحكومة يمثل محاولة لعزلها سياسياً بعد سنوات من النفوذ العسكري والسياسي.
ويقول قيادي في "كتائب سيد الشهداء" لـ"عربي بوست": "نحن من الأساس نرفض تولي علي الزيدي الحكومة، لكن تم الضغط على الفصائل من قبل قادة الإطار التنسيقي لتجنب الانسداد السياسي، ووافقنا، والآن يتم حرماننا من حقوقنا السياسية خوفاً من الأمريكان".
وأضاف المصدر ذاته: "الزيدي يحاول إرضاء الأمريكيين منذ اللحظة الأولى لتوليه منصبه، يريد الحصول على دعم ترامب على حساب العراقيين، وهذا الأمر لن ينجح".
صراع على الوزارات السيادية
لا تدور المعركة داخل الإطار التنسيقي حول المناصب فقط، بل حول السيطرة على مفاصل الدولة وشبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي المرتبطة بها، وفق ما كشفته مصادر خاصة لـ"عربي بوست".
إذ شهدت الأسابيع الماضية تنافساً حاداً بين رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، على وزارة النفط، قبل أن تُحسم لصالح مرشح ائتلاف الإعمار والتنمية باسم محمد خضير العبادي. لكن الصراع الأكبر دار حول وزارة الداخلية والمناصب العليا داخل الحكومة الجديدة.
فقد كان قيس الخزعلي، زعيم "عصائب أهل الحق"، يسعى للحصول على وزارة الداخلية، في وقت حاول فيه الدفع بشقيقه ليث الخزعلي لتولي منصب النائب الأول لرئيس الوزراء. ويملك الجناح السياسي للعصائب، "كتلة صادقون"، 27 مقعداً في البرلمان الحالي، ما منح الخزعلي ثقلاً تفاوضياً داخل الإطار التنسيقي.
إلا أن المصادر العراقية أكدت لـ"عربي بوست" أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغت علي الزيدي بشكل مباشر رفضها تعيين ليث الخزعلي نائباً أول لرئيس الوزراء، خصوصاً أن الولايات المتحدة أدرجت قيس وليث الخزعلي على قوائم الإرهاب.
كما يسعى ائتلاف دولة القانون للحصول على وزارة الداخلية في حكومة علي الزيدي بدلاً من منظمة بدر، التي كانت تهيمن تاريخياً على الوزارة، إضافة إلى وزارة التعليم العالي التي تذهب تقليدياً إلى عصائب أهل الحق.
وفي هذا السياق، قال قيادي في ائتلاف دولة القانون لـ"عربي بوست": "نشعر بأننا تعرضنا للخيانة، وهناك محاولات إقصاء واضحة، لكن ما زالت أمامنا فرصة بعد انتهاء عطلة عيد الأضحى".
ويشعر المالكي وبعض قادة النخبة السياسية الشيعية بأن هناك "محاولات انقلاب على الأحزاب التقليدية الكبيرة" بدعم أمريكي. وقال المصدر: "واشنطن تدعم الزيدي، وهذا أمر عادي بالنسبة لنا، لكن لن نقبل بمحاولات الإقصاء التي يتم التخطيط لها. نحن ندعم استقرار الحكومة الجديدة، لكن ليس على حساب حقنا السياسي".
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد علاء الموسوي أن الصراع على الوزارات في حكومة علي الزيدي يتجاوز الطابع السياسي المباشر، موضحاً لـ"عربي بوست" أن "الوزارة ليست مجرد منصب سياسي، بل هي طريق للوصول إلى موارد الدولة والعقود والنفوذ الاقتصادي".
وأضاف الموسوي أن خسارة الوزارات السيادية تعني عملياً "التهميش والإقصاء من شبكات المصالح التي تضمن استمرار الأحزاب والفصائل في التأثير على صناعة القرار داخل العراق".
الزيدي وامتحان الفصائل المسلحة
إلى جانب أزمة تشكيل الحكومة، يواجه علي الزيدي تحدياً أكثر حساسية يتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة، وهو الملف الذي يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار الدعم الأمريكي لحكومته.
فمنذ الإعلان عن تكليفه، تلقى الزيدي دعماً واضحاً من ترامب، الذي هنأه بالمنصب ودعاه إلى زيارة واشنطن، في مؤشر على رهان أمريكي على الرجل باعتباره شخصية أقل ارتباطاً بالبنية التقليدية للإطار التنسيقي. لكن واشنطن لا تكتفي بالدعم السياسي، بل تنتظر خطوات عملية تجاه الفصائل المسلحة.
يقول علاء الموسوي لـ"عربي بوست" إن الولايات المتحدة تطلب من الزيدي نزع سلاح فصائل المقاومة العراقية وإعادة هيكلة باقي فصائل الحشد الشعبي، مضيفاً أن واشنطن تريد "خطوات جادة وسريعة"، خصوصاً مع استمرار احتمالات التصعيد بين إيران والولايات المتحدة.
مع ذلك، يرى الموسوي أن أي رئيس وزراء عراقي سيواجه صعوبة هائلة في تنفيذ هذا المسار، موضحاً أن هذه الفصائل "ليست مجرد تشكيلات مسلحة يمكن تفكيكها بسهولة"، بل قوى تمتلك امتدادات اجتماعية وعشائرية واقتصادية واسعة، بالإضافة إلى شرعية اكتسبتها من الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
إيران والخطوط الحمراء
تعقيد الملف لا يرتبط بالعراق وحده، بل بإيران أيضاً، التي تعتبر الفصائل المسلحة جزءاً أساسياً من نفوذها الإقليمي. وفي هذا السياق، قال قيادي سياسي من الإطار التنسيقي لـ"عربي بوست" إن طهران تعتبر أي محاولة لنزع سلاح الفصائل أو إعادة هيكلة الحشد الشعبي "خطاً أحمر لمحور المقاومة".
وأضاف المصدر ذاته أن الحرس الثوري الإيراني أبلغ قادة الفصائل العراقية بأنه "لن يقبل بأي محاولة لنزع سلاحهم أو حرمانهم من المناصب المهمة في الحكومة الجديدة". ومع ذلك، يشير إلى وجود تيار داخل الإطار التنسيقي يفضل "الحوار والاحتواء" بدلاً من المواجهة المباشرة.
في حديثه لـ"عربي بوست"، قال مصدر مقرب من نوري المالكي إن "أي محاولة لمواجهة الفصائل بالقوة تعني نهاية العراق"، مضيفاً أن الحل الوحيد يتمثل في "التسوية والدمج التدريجي داخل أجهزة الدولة".
وأشار المصدر إلى أن أي تسوية حقيقية ستحتاج إلى موافقة ودعم إيراني، قائلاً: "إذا أراد الزيدي حلاً ذكياً للسيطرة على هذه الفصائل، فعليه الحصول على الدعم الإيراني، لأن الإيرانيين ما زالوا يشكون به".
دعم مشروط من الصدر وحسابات حذرة
وسط هذا المشهد، برز اسم مقتدى الصدر كأحد العناصر الحاسمة في مستقبل حكومة علي الزيدي. فبحسب مصادر سياسية عراقية، حصل رئيس الوزراء الجديد على دعم أولي من زعيم التيار الصدري، الذي هنأه هاتفياً بعد تكليفه، وأبدى استعداداً لمنحه فرصة لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية.
ويقول قيادي في الإطار التنسيقي لـ"عربي بوست" إن الزيدي "لا يمتلك كتلة سياسية يعتمد عليها، لذلك لجأ إلى مقتدى الصدر، الذي يريد بدوره أن ينجح الزيدي في مواجهة الإطار التنسيقي والفصائل".
وكان الصدر قد دعا خلال الأيام الماضية إلى حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح الفصائل الخارجة عن سيطرة الحكومة، مع تحويلها إلى أدوار خدمية ومدنية، رغم احتفاظه بفصيل "سرايا السلام" المنضوي تحت الحشد الشعبي.
وبحسب المصادر العراقية، فقد حصل علي الزيدي على "ضوء أخضر" من مقتدى الصدر للتحرك ضد الفصائل الـ6 التي تطالب واشنطن بتحجيمها ونزع سلاحها.
وفي هذا السياق، كشف قيادي سياسي من الإطار التنسيقي لـ"عربي بوست" أن الزيدي شكّل خلال الأيام الماضية "لجنة ثلاثية" ضمت محمد شياع السوداني وهادي العامري، بهدف وضع خطة حوار مع الفصائل المسلحة ومحاولة احتواء الأزمة.
وأضاف المصدر أن اللجنة، التي تشكلت بعد مكالمة مقتدى الصدر مع الزيدي، حاولت التوصل إلى صيغة أولية تقوم على إقناع الفصائل بعدم المطالبة بأي حقائب وزارية في حكومة علي الزيدي كمرحلة أولى، مشيراً إلى أن نتائج هذه التفاهمات ستظهر خلال الأسابيع المقبلة.
من جانبه، قال مصدر مقرب من التيار الصدري لـ"عربي بوست" إن الصدر "لم يدعم الزيدي بشكل كامل كما يعتقد البعض، لكنه متفائل بتعيينه، ويريد مساعدته على تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية". وأضاف أن الصدر سيمنح الزيدي "مهلة 100 يوم" قبل اتخاذ موقف نهائي من حكومته، وفقاً لمدى قدرته على تنفيذ وعوده ومواجهة نفوذ الفصائل المسلحة.
هل ينجح الزيدي؟
تكشف التحديات التي تواجه حكومة علي الزيدي أن الأزمة العراقية لم تعد مرتبطة فقط بتشكيل حكومة أو توزيع وزارات، بل بطبيعة الدولة نفسها، وبالسؤال الأكثر حساسية منذ 2003: من يملك القوة الفعلية في العراق؟
الزيدي يحاول بناء توازن بين واشنطن وطهران، وبين الفصائل المسلحة ومؤسسات الدولة، وبين مطالب الإصلاح وضغوط شبكة المصالح السياسية والعسكرية التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.
لكن المشكلة أن كل خطوة باتجاه إرضاء واشنطن قد تُقرأ داخل الإطار التنسيقي والفصائل باعتبارها محاولة لإعادة هندسة السلطة الشيعية في العراق، بينما أي تسوية مع الفصائل قد تُفسَّر أمريكياً باعتبارها تراجعاً عن مشروع تقليص النفوذ الإيراني.
لذلك، تبدو الأيام الـ100 الأولى من حكومة علي الزيدي أشبه باختبار بقاء سياسي، لا مجرد مرحلة انتقالية. فالرجل لا يواجه فقط أزمة وزارات أو خلافات تحالفات، بل يدخل مواجهة مفتوحة مع التوازنات التي حكمت العراق منذ سنوات، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتداخل فيها حسابات واشنطن وطهران والسلاح والسلطة في آن واحد.