“احتلال غير مرئي”.. كيف يستمر الغرب في السيطرة على دول غرب أفريقيا رغم انسحاب جيوشه؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/13 الساعة 11:20 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/13 الساعة 11:42 بتوقيت غرينتش
كيف يستمر الغرب في السيطرة على دول غرب أفريقيا-عربي بوست

شهدت منطقة غرب أفريقيا، تحديداً بين عامي 2021 و2025، تحولاً أمنياً مفصلياً تمثل في موجة من الانقلابات العسكرية التي أسفرت عن طرد القوات الغربية الرسمية من دول محورية كالنيجر ومالي وبوركينا فاسو. وقد أثار هذا التطور تساؤلات جدية حول مدى تراجع النفوذ الأمريكي والأوروبي في المنطقة.

إلا أن التحليل المعمق للاستراتيجيات الجديدة يكشف أن الغرب، بشقيه الأمريكي والأوروبي، لم ينسحب بالكامل، بل قام بإعادة هيكلة وجوده الأمني ليصبح أكثر دهاءً وأقل وضوحاً، مستبدلاً الانتشار العسكري التقليدي بالتكنولوجيا المتقدمة والشبكات السرية. ويُطلق على هذا التحول تحليلياً اسم "استراتيجية القلعة العائمة وحرب الظلال".

ينبع هذا التحول من إدراك الغرب بأن الوجود العسكري المباشر بات يُنظر إليه على أنه "بؤرة للكراهية" ويُستغل كوقود للدعاية المعادية للاستعمار التي تروّج لها روسيا والصين. ونتيجة لذلك، اختار الغرب التخفي والاعتماد على التحكم عن بعد من خلال الطائرات المسيرة، والأقمار الصناعية، والشركات الأمنية الخاصة، والعملاء المحليين. هذه الاستراتيجية ليست مجرد دفاعية؛ بل هي خطة هجومية تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية الحيوية، مثل تأمين موارد اليورانيوم في النيجر، والذهب في غانا، والنفط في نيجيريا، بالتوازي مع مكافحة التهديدات الإرهابية التي تمثلها تنظيمات مثل داعش والقاعدة في منطقة الساحل.

وتشير تقارير صادرة عن منظمات دولية بارزة كـ"مجموعة الأزمات الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" إلى أن هذا النهج زاد من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والمراقبة الإلكترونية. وبينما يثير ذلك مخاوف أخلاقية بشأن انتهاك الخصوصية والسيادة الوطنية، فإنه في المقابل يخفف الأعباء البشرية والسياسية عن الغرب. وهو اليوم يركز على إنشاء "جدران نارية" افتراضية بدلاً من القواعد الأرضية، مما يعزز قدرته على الرد السريع دون الانخراط في التزامات طويلة الأمد أو مواجهات مباشرة مع المنافسين الدوليين، مثل روسيا التي عززت وجودها عبر مجموعات مرتزقة كـ"فاغنر".

في هذا التقرير نرصد بالتفصيل كيف أعاد الغرب تموضع نفسه داخل دول غرب أفريقيا حتى بات نفوذه أقرب إلى "احتلال غير مرئي" لهذه الدول رغم الحديث عن خروج كافة القوات الغربية من المنطقة.

أولاً: المحور الأمني

النيجر: من سقوط "قلعة أغاديز" إلى المراقبة عبر الأفق

النيجر، التي كانت تُعتبر "درة التاج الغربي" في غرب أفريقيا بفضل موقعها الاستراتيجي وقواعدها العسكرية المتقدمة، شهدت في الفترة من 2023 إلى 2025 سقوطاً رمزياً لـ"قلعة أغاديز"، التي كانت تضم قاعدة 101 الفرنسية وقاعدة 201 الأمريكية المخصصة للطائرات المسيرة، وهي أكبر قاعدة من نوعها للـCIA وAFRICOM في العالم.

هذا السقوط لم يكن نهاية النفوذ الغربي، بل بداية لاستراتيجية أكثر مرونة وذكاءً، حيث على عكس فرنسا التي طُردت فوراً بعد الانقلاب في يوليو 2023 بسبب خطابها الاستعماري التاريخي، ناورت الولايات المتحدة لأشهر قبل إعلان الانسحاب الكامل من قاعدة أغاديز في أغسطس 2024، محافظة على "خلايا ارتباط" صغيرة للتنسيق الاستخباراتي مع المجلس العسكري النيجري، كما أشارت تقارير استخباراتية أمريكية وأفريقية مثل تلك المنشورة في "أفريكا إنتليجنس".

التكتيك الأساسي هنا هو الانتقال إلى نموذج "المراقبة عبر الأفق" (Over-the-Horizon)، الذي يعتمد على أقمار صناعية متقدمة مثل تلك التابعة لشركة ماكسار أو البرنامج الأمريكي للمراقبة الفضائية، بالإضافة إلى طائرات مسيرة بعيدة المدى مثل ريبر (Reaper) التي تنطلق من قواعد خارج النيجر، مثل تلك في دول الساحل الغربي كغانا أو ساحل العاج، لمراقبة الأجواء النيجرية وتحديد أهداف إرهابية دون الحاجة لوجود جندي واحد على الأرض، مما يسمح باستمرار عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيمات مثل داعش في الساحل الكبير دون مخاطر التصعيد السياسي أو الخسائر البشرية.

كما أن الاتفاقيات الصامتة مع المجلس العسكري النيجري، الذي يقوده الجنرال عبد الرحمن تياني، تعتمد على آليات ضغط غير مباشرة مثل ملف المساعدات الإنسانية عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) والبنك الدولي – الذي تسيطر عليه واشنطن وأوروبا بنسبة تصويت تفوق 50% – لإجبار النظام على إبقاء قنوات استخباراتية مفتوحة، خاصة في ملف داعش والقاعدة في المغرب الإسلامي، تحت ذريعة "المصلحة المشتركة" التي تضمن استمرار تدفق اليورانيوم من مناجم أرليت التابعة لشركة أورانو الفرنسية، رغم التوترات التي أدت إلى تأميم جزئي في 2025.

مالي وبوركينا فاسو: الخصخصة الأمنية كبديل للقوات الرسمية

في مالي وبوركينا فاسو، اللتين شهدتا تحالفات معلنة مع روسيا عبر مجموعة فاغنر (التي تحولت إلى فيلق أفريقيا بعد وفاة يفغيني بريغوجين في 2023)، أدت هذه التحالفات إلى طرد القوات الغربية الرسمية مثل عملية بارخان الفرنسية وعملية تاكوبا الأوروبية، لكن الغرب لجأ إلى "الخصخصة الأمنية" كاستراتيجية بديلة فعالة للحفاظ على نفوذه، مما يمثل تحولاً تحليلياً نحو استخدام الشركات الخاصة لمزاحمة النفوذ الروسي دون تكاليف سياسية مباشرة أو خسائر بشرية.

نموذج "بانكروفت جلوبال ديفلوبمنت" الأمريكية، التي تقدم نفسها كمنظمة غير ربحية متخصصة في نزع الألغام لكنها في الواقع شركة عسكرية خاصة تضم خبراء من القوات الخاصة السابقين، يبرز هنا كأداة رئيسية، حيث أجرت الشركة مفاوضات ومحاولات دخول إلى مالي وبوركينا فاسو لتقديم خدمات تدريبية وأمنية، كما أشارت تقارير من منظمة الأزمات الدولية في 2024-2025، بهدف مزاحمة الروس في مجال الحماية الخاصة من خلال تمويل غربي غير مباشر، مما يحافظ على موطئ قدم في العواصم مثل باماكو وواغادوغو دون إثارة الرأي العام الأفريقي المناهض للاستعمار.

الهدف الاستراتيجي لهذه الشركات هو تقديم "مرتزقة أكثر كفاءة تقنية" مقارنة بفاغنر، مع التركيز على تدريب وحدات نخبة محلية مثل الكتائب السريعة للقيام بالعمليات الأرضية، وهو ما يعزز الاستقرار الغربي في المنطقة دون الحاجة إلى نشر قوات رسمية، كما حدث في جمهورية أفريقيا الوسطى حيث نجحت بانكروفت في جس نبض السوق الأمني.

بالإضافة إلى ذلك، يمتلك الغرب تفوقاً كاسحاً في مجال الاستخبارات السيبرانية من خلال وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) ومديرية الأمن الخارجي الفرنسية (DGSE)، حيث يستمران في اعتراض مكالمات الهواتف، وتحركات الجماعات المسلحة، وحتى اتصالات الانقلابيين مع روسيا، ويقدمان بعض هذه المعلومات الاستخباراتية كـ"طعم" للنظم الحاكمة في مالي (تحت قيادة العقيد عاصيمي غويتا) وبوركينا فاسو (تحت النقيب إبراهيم تراوري) لإثبات تفوق التكنولوجيا الغربية على الروسية، مما يبقي "شعرة معاوية" متصلة ويمنع الانجراف الكامل نحو موسكو أو بكين.

يعكس هذا النهج نجاح الغرب في التكيف مع التحالف الساحلي (AES) الذي شكلته مالي والنيجر وبوركينا فاسو في 2023، حيث أصبحت الخصخصة الأمنية أداة للحفاظ على التوازن الجيوسياسي، رغم انتقادات منظمات حقوقية مثل أمنستي إنترناشونال لدور هذه الشركات في انتهاكات محتملة دون مساءلة.

السنغال وساحل العاج: التحول إلى مراكز قيادة وسيطرة بديلة

تحولت السنغال وساحل العاج، اللتان نجتا نسبياً من موجة الانقلابات في غرب أفريقيا، خلال الفترة 2021-2025 إلى ما يُعرف تحليلياً بـ "حاملات الطائرات البرية" للغرب؛ إذ أصبحتا مراكز قيادة وسيطرة (C2) بديلة لإعادة تموضع القوات الأمريكية والأوروبية بعيداً عن مناطق التوتر في الساحل، مما يعكس استراتيجية احتواء التهديدات الإرهابية دون التوسع العسكري المباشر الذي فشل سابقاً.

في الولايات المتحدة، تقود قيادة "أفريكوم" (AFRICOM) هذا التحول تحت إشراف الجنرال مايكل لانغلي، الذي أجرى زيارات مكوكية إلى ساحل العاج والسنغال في عامي 2024 و2025 للتفاوض بشأن إنشاء قواعد للطائرات المسيرة. وكما أكدت تقارير "رويترز" و"الجزيرة"، يهدف هذا إلى نقل الثقل العسكري من الصحراء (مثل النيجر) إلى الساحل (خليج غينيا)، مما ينشئ "جداراً نارياً" افتراضياً يمنع نزول الجماعات المسلحة -مثل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي- إلى المياه الدافئة، ويؤمن خطوط الملاحة الحيوية التي تنقل النفط من نيجيريا، والكاكاومن ساحل العاج، والمعادن من غانا إلى أوروبا وأمريكا، مع التركيز على حماية المصالح الاقتصادية في ظل المنافسة الصينية المتزايدة.

أما أوروبا، بقيادة ألمانيا وإسبانيا وفرنسا، فقد تحولت إلى نموذج "الشريك التنموي العسكري"؛ حيث تغير الوجود العسكري إلى "مراكز لوجستية" تدريبية، كما هو الحال في السنغال حيث تقوم القوات الأوروبية بتدريب القوات الخاصة المحلية تحت مظلة عملية "تاكوبا" السابقة، مع بناء ثكنات وتقديم شاحنات ومدرعات لتجنب الخسائر البشرية وتهمة الاستعمار التي أدت إلى خروج فرنسا من مالي في 2022.

هذا النهج، الذي يُسوق بوصفه "شراكة عسكرية تنموية"، يشمل تمارين مشتركة مثل "فلينتلوك" التي شاركت فيها دول غرب أفريقيا في 2025، ويضمن استمرار النفوذ دون إثارة التوترات الشعبية. لكنه يثير تساؤلات حول السيادة الوطنية، خاصة مع زيادة التمويل الأوروبي لأمن الحدود عبر وكالة "فرونتكس" الذي بلغ ملايين اليورو في 2024؛ وهو الدور الذي انتقدته منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" لاحتمال تورطه في انتهاكات ضد المهاجرين.

بنين وتوغو: بناء خطوط الدفاع الجديدة ضد التهديدات الإرهابية

بنين وتوغو، اللتان أصبحتا الجبهة الساخنة الجديدة في غرب أفريقيا مع انتشار الإرهاب جنوباً من الساحل، تمثلان خط الدفاع الجديد للغرب؛ حيث تركز الولايات المتحدة وأوروبا على برنامج "الدروع الحدودية" الذي يضخ ملايين الدولارات تحت غطاء "أمن الحدود". لكن الواقع يتجاوز ذلك إلى تركيب رادارات أمريكية متطورة -مثل تلك التابعة لشركة "رايثيون"- وأجهزة استشعار حراري وبيومترية على الحدود الشمالية مع النيجر وبوركينا فاسو، مربوطة بقواعد بيانات غربية مثل تلك التابعة لـ "الإنتربول" أو وكالة الأمن القومي (NSA)؛ مما يعني أن الغرب "يرى ويسمع" كل ما يدخل ويخرج من منطقة الساحل دون الحاجة إلى إرسال قوات برية، وفقاً لتقارير "أفريكا إنتليجنس" و"رويترز" في 2024.

هذا البرنامج، الذي بلغ تمويله مئات الملايين عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) والمفوضية الأوروبية، يشمل تدريب قوات محلية على استخدام هذه التكنولوجيا، مما يعزز الاعتماد الأفريقي على الغرب ويمنع انتشار الإرهاب جنوباً نحو خليج غينيا. بالإضافة إلى ذلك، يتم إرسال فرق صغيرة جداً من القوات الخاصة الأمريكية ("القبعات الخضراء") والفرنسية والبريطانية (SAS) لتدريب وحدات نخبة في بنين وتوغو، حيث يعمل هؤلاء بملابس مدنية أو بزي الجيش المحلي لعدم لفت الانتباه، مما يمثل تحولاً نحو "عمليات جراحية" دقيقة بدلاً من الكتائب الكبيرة، كما حدث في التمارين المشتركة عام 2025.

ساهم هذا النهج في حماية المصالح الاقتصادية، مثل حقول النفط في نيجيريا المجاورة، لكنه يعمق الاعتماد على التكنولوجيا الغربية. كما أشارت تقارير إلى مفاوضات أمريكية لإنشاء قواعد جديدة في المنطقة، مما يثير مخاوف بشأن الخصوصية والسيادة في ظل زيادة التنصت الإلكتروني.

تكتيكات الغرب الجديدة في مواجهة المنافسين

يعتمد ملخص التكتيك الغربي في غرب أفريقيا على استبدال استراتيجية "المطرقة" التقليدية (التدخل العسكري الثقيل) بـ "المشرط والواي فاي"؛ إذ يركز على شبكات غير مرئية مثل الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية للمراقبة الدائمة، وتدريب وكلاء محليين للقيام بالعمليات الأرضية، واستخدام شركات أمنية خاصة لملء الفراغ العسكري، والاحتواء الساحلي عبر التمركز في دول مطلة على المحيط -كالسنغال وساحل العاج- لخنق دول الساحل الحبيسة أو مراقبتها عن بعد، مما يضمن استمرارية النفوذ دون خسائر بشرية كبيرة أو مخاطر سياسية.

بالنسبة للولايات المتحدة، التي تُعتبر "المدير الجديد من الظل"، فهي لا تعتمد على شركة واحدة بل على منظومة معقدة من الشركات المتعاقدة، مثل "بانكروفت جلوبال ديفلوبمنت" التي أجرت مفاوضات في مالي، و"سييرا نيفادا" لتعديل طائرات الاستطلاع، و"أمنتوم" للدعم اللوجستي، كما أكدت تقارير "منظمة الابتكار العالمي ضد الجريمة" في 2025. وتشمل الشخصيات الرئيسية الجنرال مايكل لانغلي الذي هندس "الجدار الساحلي"، ومولي في التي تفاوضت مع النيجر، مما يعزز التحليل بأن أمريكا تركز على الاحتواء الناعم لمنع الانهيار الأمني.

أما فرنسا فتعيد تدوير نفوذها عبر شركات مثل "أمارانت إنترناشيونال" و"جيوس جروب"، وشركات طاقة مثل "أورانو" و"توتال"، مع شخصيات مثل جان-ماري بوكيل وبرنارد إيمييه. ويعزز الوكلاء المحليون، مثل الحسن واتارا وباتريس تالون، السيطرة الغربية، مع وجود "غرف سرية" مثل نقل قدرات أغاديز وأكاديمية مكافحة الإرهاب في ساحل العاج.

في نيجيريا، تتولى جيوش خاصة مثل "SPY Police" وشركات "G4S" و"كونترول ريسكس" حماية الدلتا، بينما تعتمد غانا وليبيريا على قوانين غربية لحماية الاستثمارات. أما دول الهامش مثل موريتانيا فتحمي من الهجرة عبر "فرونتكس"، وغينيا تحمي الألمنيوم، في حين يعمل الرأس الأخضر كمحطة ترانزيت. والنتيجة هي نفوذ أقل تكلفة وأكثر فاعلية، يحافظ على المصالح الغربية في وجه المنافسين.

المحور الثاني: "رأسمالية الشركات".. الهيمنة المالية والاستخراجية الغربية في غرب أفريقيا

في سياق التحولات الجيوسياسية التي شهدتها غرب أفريقيا بين عامي 2021 و2025، وحيث أدت الانقلابات العسكرية في دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو إلى تراجع النفوذ العسكري الفرنسي التقليدي؛ أصبحت الهيمنة الاقتصادية الغربية –خاصة من جانب اللاعبين غير الفرنسيين مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا– أكثر وضوحاً وفعالية، مستفيدة من "رأسمالية الشركات" التي تعتمد على الاختراق الاقتصادي العميق بدلاً من الوجود العسكري المباشر.

تعكس هذه الاستراتيجية فهم الغرب للديناميكيات المحلية؛ إذ يُستخدم الخطاب القومي للانقلابيين كغطاء للحفاظ على مصالح استخراجية، بينما تستمر الشركات الغربية في السيطرة على الأصول عالية القيمة مثل اليورانيوم، والذهب، والغاز، مما يضمن تدفق الثروات إلى الأسواق العالمية دون انقطاع. تحليلياً، يعزز هذا النموذج التبعية الاقتصادية للدول الأفريقية؛ حيث تظل فرنسا ممسكة بالواجهة السياسية والمالية من خلال نظام الفرنك الأفريقي (CFA)، بينما يدخل اللاعبون الأنجلوسكسونيون للسيطرة على القطاعات الاستراتيجية، مستفيدين من عقود طويلة الأمد تضمن أرباحاً مستقرة رغم الاضطرابات السياسية.

ووفقاً لتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في 2025، أدى هذا النهج إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية في التعدين بنسبة 15% سنوياً، لكنه في الوقت نفسه عمّق الفجوة الاقتصادية؛ إذ يذهب أكثر من 70% من الأرباح خارج القارة، مما يثير تساؤلات حول الاستدامة والعدالة الاقتصادية في ظل المنافسة المتزايدة من روسيا والصين.

داخل دول النفوذ الفرنسي الصلب: الاختراق الأنجلو-أمريكي

في دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، التي كانت تاريخياً تحت نفوذ فرنسي سياسي وعسكري، تركت فرنسا "واجهة متآكلة" للانقلابات والتوترات، بينما دخلت الشركات الأمريكية والبريطانية والكندية للسيطرة على "الأصول عالية القيمة" كاليورانيوم والذهب والغاز، مستفيدة من رغبة الأنظمة الجديدة في تنويع الشركاء بعيداً عن باريس. يعكس هذا الاختراق استراتيجية غربية متكاملة يتم فيها الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي رغم الاضطرابات السياسية، لضمان استمرار تدفق الموارد إلى الأسواق العالمية.

في النيجر، على سبيل المثال، يظل اليورانيوم الفرنسي تحت سيطرة "أورانو"، لكن قطاع الأعمال الأمريكي-الكندي يتوسع بسرعة. تسيطر شركة "جوفي إكس يورانيوم" (GoviEx Uranium) الكندية، ذات الرأسمال الاستثماري الأمريكي والأوروبي، على مشروع "ماداويلا" (Madaouela) وتطور مناجم جديدة بهدوء، مستغلة رغبة المجلس العسكري في تنويع الشركاء. كذلك، تدير شركة "جلوبال أتوميك" (Global Atomic) الكندية/الدولية مشروع "داسا" (Dasa)، أحد أكبر المناجم عالية التركيز، وقد وقعت اتفاقيات لبيع اليورانيوم لشركات أمريكية للطاقة النووية، مما يعني أن يورانيوم النيجر سيضيء أمريكا قريباً، وليس فرنسا فقط.

في مالي وبوركينا فاسو، تبرز المفارقة الكبرى؛ حيث تحارب فرنسا الإرهاب سياسياً، لكن الشركات الأنجلوسكسونية هي التي تستحوذ على الذهب. تدير شركة "باريك جولد" (Barrick Gold) الكندية، ثاني أكبر شركة ذهب في العالم والمدرجة في نيويورك وتورنتو، مجمع "لولو-جونكوتو" (Loulo-Gounkoto) في مالي، الذي يمثل جزءاً ضخماً من الناتج المحلي، وتدفع الضرائب مباشرة للمجلس العسكري نقداً، مما يضمن حمايتها رغم طرد الجيش الفرنسي. أما شركة "إنديفور ماينينج" (Endeavour Mining) البريطانية، ومقرها لندن، فتسيطر على مناجم "هونديه" و"مانا" و"بونجو" في بوركينا فاسو، مما يمنحها نفوذاً هائلاً في توفير العملة الصعبة لشراء السلاح الروسي، مع خروج الذهب إلى بريطانيا وسويسرا.

في السنغال وساحل العاج، يتجاوز النفوذ قطاعي الغاز والأغذية الفرنسيين إلى السيطرة الأمريكية. في السنغال، اللاعب الأساسي في الغاز ليس "توتال" الفرنسية، بل تحالف "بي بي" (BP) البريطانية و"كوزموس إنيرجي" (Kosmos Energy) الأمريكية في حقل "السلحفاة/آحميم"؛ حيث تدير BP العمليات وتسوق الغاز عالمياً، مما يجعل السنغال شريكاً صامتاً في تعويض الغاز الروسي لأوروبا. أما في ساحل العاج، فتسيطر فرنسا على الميناء، لكن أمريكا تسيطر على "الشوكولاتة" عبر شركتي "كارجيل" (Cargill) و"إيه دي إم" (ADM) الأمريكيتين، اللتين تتحكمان في شراء وتصدير وطحن حبوب الكاكاو، وتحتكران تحديد الأسعار العالمية، مما يجعل المزارع الإيفواري يعمل فعلياً لصالح "كارجيل".

دول النفوذ الأنجلوسكسوني: الأمن الاستخراجي والمصرفي

تُعتبر دول مثل نيجيريا وغانا وسيراليون وليبيريا "الملعب البيتي" لأمريكا وبريطانيا؛ حيث السيطرة الاقتصادية كاملة وشاملة، معتمدة على أمن استخراجي يحمي الموارد، ونظام مصرفي يضمن التبعية المالية، مما يعكس نموذجاً غربياً يفوق نظيره الفرنسي في الفعالية.

في نيجيريا، التي تُعرف بـ "دولة الشركات النفطية"، تسيطر الشركات الدولية (IOCs) مثل "شل" (Shell) البريطانية-الهولندية على حقل "بونجا" (Bonga) البحري العملاق، و"إكسون موبيل" (ExxonMobil) الأمريكية على محطة تصدير "كوا إيبو" (Qua Iboe) وحقول المياه العميقة، و"شيفرون" (Chevron) الأمريكية على عمليات "إسكرافوس" (Escravos)، مما يجعل النفط النيجيري يتدفق بشكل أساسي إلى الأسواق الغربية.

كما أن الاحتكار الخدمي لشركات مثل "هاليبرتون" (Halliburton) و"شلمبرجير" (Schlumberger) الأمريكية/الدولية في تكنولوجيا الحفر والصيانة يعني أن توقف هذه الشركات يؤدي إلى تعطل الآبار في غضون 24 ساعة، محافظاً بذلك على نفوذ غربي غير مباشر. أما "المدققون الماليون" من "الأربعة الكبار" (Deloitte, PwC, EY, KPMG) –وكلها أنجلوسكسونية الأصل– فيتولون مراجعة حسابات البنك المركزي النيجيري وشركة النفط الوطنية، مما يكشف "أسرار الدولة المالية" تماماً في لندن ونيويورك، ويعزز التبعية من خلال السيطرة على الشفافية المالية.

في غانا، "قلعة الذهب والديون"، تسيطر شركة "نيومونت" (Newmont) الأمريكية على منجمي "أهافو" (Ahafo) و"أكييم" (Akyem)، وقد تفاوضت على اتفاقيات تمنع زيادة الضرائب، بينما تكتشف وتدير شركة "تولو أويل" (Tullow Oil) البريطانية حقل "اليوبيل" النفطي، بعقود تضمن سداد ديونها قبل توزيع الأرباح على غانا. كما أن فخ "اليوروبوند" (Eurobonds) يغرق غانا في ديون لصناديق مثل "بلاك روك" (BlackRock) و"فيديليتي" (Fidelity) الأمريكيتين، اللتين تفرضان شروط التقشف عبر صندوق النقد الدولي، مما يعمق التبعية المالية.

في سيراليون وليبيريا، يسيطر "الاستخراج الصرف"؛ ففي ليبيريا تسيطر "فايرستون" (Firestone) –التابعة لبريدجستون– على أكبر مزرعة مطاط بنظام قضائي خاص داخلها، وتسيطر "أرسيلور ميتال" (ArcelorMittal) على مناجم الحديد والسكك الحديدية. أما في سيراليون، فشركات التعدين مثل "سييرا روتيل" (Sierra Rutile) مدرجة في لندن أو أستراليا، مع أرباح تظل خارجية، مما يجعل هذه الدول مخازن استراتيجية للغرب.

دول "الهامش المنسي": اللوجستيات والمناجم كأدوات سيطرة

تبدو دول مثل موريتانيا وغينيا (كوناكري) وغينيا بيساو والرأس الأخضر صغيرة على الخريطة الجيوسياسية، لكنها تمثل "مخازن استراتيجية" للغرب؛ حيث تسيطر اللوجستيات والمناجم على الاقتصاد، مستفيدة من موقعها الجغرافي لتعزيز النفوذ الغربي دون مواجهات مباشرة.

في موريتانيا، تسيطر شركة "كينروس جولد" (Kinross Gold) الكندية، ذات الرأسمال الأمريكي الضخم، على منجم "تازيازت" (Tasiast)، أحد أضخم مناجم الذهب في العالم، وتمثل أكبر دافع للضرائب وأكبر جهة تشغيل، مما يمنحها نفوذاً سياسياً يوازي الحكومة. وفي المقابل، تسيطر "بي بي" و"كوزموس" على حقل "تورتو" للغاز، ويدفع الاتحاد الأوروبي "إتاوة" للصيد مقابل استنزاف الثروة السمكية عبر أساطيل إسبانية وهولندية.

في غينيا (كوناكري)، يسيطر خام الحديد والبوكسيت على الاقتصاد، حيث تمتلك شركة "ألكوا" (Alcoa) الأمريكية حصة في شركة غينيا للبوكسيت (CBG). أما مشروع "سيماندو" (Simandou)، الأكبر لخام الحديد، فتتصارع عليه "ريو تينتو" (Rio Tinto) البريطانية مع تحالفات صينية، مما يجعل أي انقلاب غير مؤثر على عمليات التصدير.

أما غينيا بيساو والرأس الأخضر، فتعتمدان على السياحة والمخدرات كأدوات سيطرة؛ ففي الرأس الأخضر تسيطر مجموعة "تي يو آي" (TUI Group) الألمانية/البريطانية على الفنادق، ويعتمد الاقتصاد على السياح الأوروبيين، بينما تسيطر البنوك البرتغالية مثل (Caixa Geral de Depósitos) على القطاع المالي. وفي غينيا بيساو، يمنع الغرب تحولها إلى "دولة مخدرات" شاملة عبر تمويل قوات الاستقرار.

الدور الأوروبي (غير الفرنسي): "الاستعمار الأخضر" وأمن الحدود

بينما تنشغل فرنسا بالماضي الاستعماري وأمريكا بالنفط، تبحث أوروبا –بقيادة ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا– عن "طاقة المستقبل" مثل الهيدروجين والطاقة البديلة، مع استخدام أمن الحدود كأداة للسيطرة الاقتصادية؛ مما يمثل "الاستعمار الأخضر" الذي يستنزف الموارد تحت غطاء التنمية المستدامة.

تبحث ألمانيا، قاطرة "الهيدروجين"، عن بدائل للغاز الروسي، كما يحدث في موريتانيا والسنغال؛ حيث إن مشروع "هيدروجين موريتانيا" (Project Nour & Aman) تديره شركات مثل "كونجونكتورا" (Conjunctura) الألمانية، مستغلة شمس الصحراء لإنتاج طاقة نظيفة تُصدر إلى هامبورغ، مما يجعل موريتانيا مصدراً للطاقة الأوروبية دون فائدة محلية كبيرة.

في نيجيريا، تدير شركة "سيمنز للطاقة" (Siemens Energy) "مبادرة الطاقة الرئاسية" (PPI) لتحديث شبكة الكهرباء، ضامنةً عقود صيانة طويلة الأمد. أما إيطاليا فتركز على الغاز عبر شركة "إيني" (Eni) في نيجيريا وساحل العاج؛ حيث تدير حقولاً مثل (OML 60) و"بالين" (Baleine) الذي يُعد أول حقل "صفر انبعاثات"، مما يجعله مقبولاً سياسياً.

تستنزف إسبانيا وهولندا "الثروة السمكية" عبر اتفاقيات الصيد (SFPA)، دافعتين نحو 60 مليون يورو سنوياً مقابل جرف الأسماك، بينما يحول الاتحاد الأوروبي المساعدات إلى "رشاوى" لمكافحة الهجرة عبر صندوق (EUTF)، كما في النيجر حيث يدعم قوات الأمن لمنع المهاجرين. أما سويسرا، فتسيطر عبر "ترافيجورا" (Trafigura) و"جلينكور" (Glencore) على تجارة الترانزيت، مُقرضةً الحكومات مقابل شحنات نفط مسبقة الدفع. تحليلياً، يُعد هذا الدور براغماتياً ومستداماً، ويمر تحت الرادار السياسي.

الدور الفرنسي: "دولة الشركات" والشبكة العنكبوتية

تؤدي فرنسا دور "مشغل النظام" في غرب أفريقيا؛ حيث بنت السكك الحديدية، وأسست العملة، وتورّد الدواء والسلاح، محافظةً على نفوذها رغم العداء السياسي.

في الدول التي شهدت انقلابات مثل النيجر، تسيطر "أورانو" (Orano) على 63.4% من منجم "سوماير" (Somaïr)، وتحتفظ بـ "إيمورارين" (Imouraren) كأكبر احتياطي لليورانيوم، بينما تتولى شركة "سوجيا-ساتوم" (Sogea-Satom) بناء البنية التحتية.

في مالي وبوركينا فاسو، تسيطر "توتال إنيرجيز" (TotalEnergies) على توزيع الوقود، و"أورانج" (Orange) على الاتصالات، وتعمل خدمتها (Orange Money) كبنك شعبي. وفي "قلاع الاستقرار" مثل السنغال وساحل العاج، تسيطر "إيفاج" (Eiffage) على طريق دكار السريع، و"بويج" (Bouygues) على جسر "هنري كونان بيدي" ومترو أبيدجان، و"ألستوم" (Alstom) على قطارات (TER).

في الموانئ، تسيطر "سي إم إيه – سي جي إم" (CMA CGM) على الشحن، و"كانال بلوس" (Canal+) على التلفزيون. وفي قطاع التجزئة، تقضي "أوشان" و"كارفور" على البقالين المحليين. وتظل الآلية المالية هي الفرنك الأفريقي (CFA)، حيث يُودع 50% من الاحتياطيات في الخزانة الفرنسية، مما يصب في مصلحة الغرب. تحليلياً، يعتمد الاستثمار الفرنسي على عقود طويلة الأجل والاحتكار الخدمي.

خلاصة شكل الاستثمار الغربي (غير الفرنسي): تركز الولايات المتحدة على التكنولوجيا العالية، وبريطانيا على التمويل، وكندا على التعدين، وأوروبا على الطاقة الخضراء، بينما تحافظ فرنسا على "الشبكة العنكبوتية". هذا التكامل يعمق التبعية، لكنه يواجه تحديات متزايدة من روسيا والصين.

المحور الثالث: "حراس المعبد": النخب وشبكات الوكلاء في غرب أفريقيا

في السنوات الخمس الأخيرة (2021-2025)، شهدت غرب أفريقيا تحولات سياسية واقتصادية جذرية، إذ أدت موجة الانقلابات العسكرية في دول الساحل مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو إلى طرد القوات الغربية الرسمية، خاصة الفرنسية، وتعزيز الخطاب القومي والثوري المناهض للاستعمار. لكن خلف هذا الخطاب تقف شبكات نخب محلية تعمل كـ"حراس المعبد" للمصالح الغربية، تدير المشهد الأمني والاقتصادي بالوكالة لضمان استمرار تدفق الموارد مثل اليورانيوم والذهب والغاز إلى الأسواق العالمية.

هذه النخب، التي غالباً ما تكون "منتجاً غربياً" خالصاً من خلال التدريب في أكاديميات عسكرية مثل سان سير الفرنسية أو جامعة الدفاع الوطني في واشنطن، أو كليات إدارية مثل ENA في باريس أو هارفارد في الولايات المتحدة، تعمل كجسر بين الخطاب الثوري المحلي والمصالح الاقتصادية الغربية، محافظة على الاستقرار الذي يتيح استمرار الاستثمارات الأجنبية رغم الاضطرابات السياسية. تحليلياً، يعكس هذا النموذج تطوراً للاستعمار الجديد، حيث يُستخدم التعليم والتدريب الغربي كأداة لصنع نخب موالية عقائدياً، قادرة على المناورة بين الضغوط الشعبية والالتزامات الدولية، مما يضمن أن أي تغيير سياسي لا يمس الجوهر الاقتصادي مثل اتفاقيات التعدين أو الديون السيادية.

وفقاً لتقارير منظمات دولية مثل مجموعة الأزمات الدولية وأفريكا إنتليجنس، أدى هذا الاعتماد على النخب المدربة غربياً إلى تعزيز التبعية الاقتصادية، إذ يبلغ متوسط تدفق الاستثمارات الأجنبية في التعدين ملايين الدولارات سنوياً، لكن أكثر من 60% من الأرباح تعود إلى الشركات الأم في نيويورك ولندن وباريس، مما يثير تساؤلات حول استقلالية هذه النخب ودورها في تعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية.

دول النفوذ الفرنسي الصلب: "أبناء الجمهورية" – النخب المصنعة في باريس وواشنطن لإدارة الاستقرار

في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو والسنغال وساحل العاج وبنين وتوغو، التي كانت تاريخياً تحت النفوذ الفرنسي الصلب، تكون النخبة الحاكمة "منتجاً فرنسياً" خالصاً، مصنعاً في الكليات العسكرية مثل سان سير أو كليات الإدارة مثل ENA في باريس، مما يجعلها "أبناء الجمهورية" قادرين على الحفاظ على المصالح الغربية رغم الخطاب الثوري، من خلال تكوين يغرس قيماً غربية ويضمن ولاءً طويل الأمد.

يعتمد هذا النموذج على مزيج من التدريب العسكري والإداري، محولاً هذه النخب إلى وكلاء يديرون الاقتصاد والأمن بالوكالة، مما يضمن استمرار تدفق الموارد مثل اليورانيوم والذهب دون انقطاع، كما حدث في النيجر حيث لم يؤثر الانقلاب في يوليو 2023 على إنتاج أورانو إلا جزئياً (ورغم النزاعات المستمرة حتى 2025-2026).

في النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني (Abdourahmane Tchiani)، رئيس المجلس العسكري الذي قاد الانقلاب وأصبح رئيساً انتقالياً، تلقى تدريبات متقدمة في أكاديميات عسكرية في فرنسا وموريتانيا والسنغال والولايات المتحدة (بما في ذلك كلية الشؤون الأمنية الدولية في فورت ماكناير بواشنطن)، مما يجعله يعرف "الخطوط الحمراء" الغربية جيداً، كما أكدت تقارير من BBC وReuters في 2023، ويسمح له بالمناورة بين التحالف مع روسيا (عبر أفريكا كوربس) والحفاظ على اتفاقيات اقتصادية مع الغرب، مثل تلك المتعلقة بشركة أورانو أو الشركات الكندية مثل GoviEx.

أما علي الأمين زين (Ali Mahamane Lamine Zeine)، رئيس الوزراء ووزير المالية المعين في أغسطس 2023، فهو "رجل الإطفاء" المالي الذي عمل لسنوات كممثل للبنك الأفريقي للتنمية (AfDB) في تشاد وساحل العاج، وكان وزيراً للمالية من 2002 إلى 2010 تحت الرئيس السابق مامادو تاندجا، مما يجعله رسالة طمأنة لباريس وواشنطن بأن "الديون ستُدفع" و"اليورانيوم آمن"، وهو يفاوض حالياً البنك الدولي لفك التجميد المالي بعد العقوبات الغربية، حسب تقارير من IMF وAfrica Confidential في 2024-2025.

يعكس هذا الثنائي (العسكري والمالي) نموذجاً غربياً ناجحاً في إدارة الدول الإفريقية النامية، حيث يحمي الجنرال الاستقرار الأمني من خلال سيطرته على القوات المسلحة، بينما يضمن التكنوقراط الاستمرارية المالية من خلال خبرته في المؤسسات الدولية، مما يقلل من تأثير الانقلابات على الاستثمارات الأجنبية ويمنع الانهيار الاقتصادي الكامل، كما حدث في النيجر حيث استمر إنتاج اليورانيوم رغم التوترات مع فرنسا.

في مالي، العقيد أسيمي غويتا (Assimi Goïta)، الذي قاد انقلابين في أغسطس 2020 ومايو 2021 وأصبح رئيساً انتقالياً، تدرب في أكاديميات عسكرية في فرنسا وألمانيا وغابون والولايات المتحدة، وشارك بانتظام في مناورات "فلينتلوك" مع القوات الخاصة الأمريكية (Green Berets)، كما أكدت تقارير من BBC وFrance 24 في 2020-2022، مما يجعله "غير معادٍ تماماً" للغرب رغم التحالف مع روسيا عبر فاغنر/أفريكا كوربس، ويسمح له بالحفاظ على قنوات خلفية للتنسيق الأمني.

أما إسماعيل واغي (Ismaël Wagué)، وزير المصالحة والسلام والتماسك الوطني منذ 2021، فهو عضو كبير في الجنتا العسكرية وكان المتحدك باسمها بعد الانقلاب في أغسطس 2020، ويحافظ على "شعرة معاوية" مع المخابرات الغربية لضمان عدم انهيار الشمال أمام تنظيمات مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كما ذكرت تقارير من ReliefWeb وUN في 2023-2025.

يظهر هذا التعاون أن النخب العسكرية الإفريقية، رغم الخطاب الثوري الذي يدعو إلى الاستقلال، تظل مرتبطة بتدريبات غربية تجعلها قادرة على المناورة بين الشركاء الدوليين، مما يمنع الانهيار الكامل للعلاقات مع الغرب ويحافظ على الاستقرار الذي يسمح باستمرار الاستثمارات في التعدين والطاقة.

السنغال وساحل العاج:

في السنغال وساحل العاج، "وكلاء الاستقرار" أكثر وضوحاً ومباشرة. في ساحل العاج، الرئيس الحسن واتارا (Alassane Ouattara) هو نائب سابق لمدير صندوق النقد الدولي (IMF) من 1994 إلى 1999، وقضى حياته بين واشنطن وباريس، وزوجته دومينيك واتارا (Dominique Ouattara) فرنسية تمتلك نفوذاً هائلاً في العقارات والأعمال، بما في ذلك شركة AICI التي كانت تدير عقارات عائلة بونغو الغابونية في فرنسا، كما كشفت تحقيقات في Africa Intelligence في 2017-2022.

شقيقه تيني بيراهيما واتارا (Téné Birahima Ouattara)، المعروف بـ"Photocopy" ووزير الدفاع منذ 2021، هو اقتصادي سابق ويدير التنسيق مع المخابرات الفرنسية (DGSE) والقاعدة الفرنسية في أبيدجان، مستخدماً أجهزة تنصت إسرائيلية وفرنسية لمراقبة المعارضة، كما ذكرت تقارير من The Africa Report وAfrica Intelligence حتى 2025.

يمثل هذا النفوذ العائلي نموذجاً لـ"الدولة العائلية" المدعومة غربياً، حيث يحمي الرئيس المصالح الاقتصادية مثل اتفاقيات الكاكاو مع Cargill الأمريكية، بينما يدير الشقيق الأمن لضمان الاستقرار، مما يجعل ساحل العاج نموذجاً للدول الإفريقية التي تعتمد على نخب عائلية مدربة غربياً للحفاظ على التوازن.

في السنغال، الرئيس السابق ماكي سال (Macky Sall)، الذي حكم من 2012 إلى 2024 ولا يزال نفوذه قائماً، عُين مبعوثاً خاصاً لـ"ميثاق باريس للشعوب والكوكب" (Paris Pact for People and the Planet) في يونيو 2023، لكنه استقال في أكتوبر 2024 للتركيز على الانتخابات التشريعية، كما أكدت تقارير من Africanews وFrance 24، مما يظهر "التقاعد المريح" للوكلاء المخلصين الذين يستمرون في خدمة المصالح الغربية حتى بعد التنحي.

النخبة البيروقراطية في السنغال

تتمثل النخبة البيروقراطية في السنغال في كبار موظفي وزارة المالية والبنك المركزي في داكار، وهم غالباً من خريجي "المدرسة الوطنية للإدارة" (ENA) في فرنسا. يصر هؤلاء على البقاء ضمن "نظام الفرنك الأفريقي" (CFA Franc) لأن مصالحهم الشخصية وتقاعدهم مرتبطان بباريس؛ مما يضمن توافق أي سياسة مالية محلية مع المعايير الغربية.

رجال أعمال وسماسرة: بنين وتوغو

في بنين وتوغو، يسيطر "السماسرة ورجال الأعمال" على المشهد السياسي:

  • في بنين: يُعد باتريس تالون (Patrice Talon)، الملياردير الملقب بـ "ملك القطن" الذي سيطر على قطاع القطن والموانئ قبل تولي الرئاسة في 2016، شريكاً استراتيجياً لشركة "بولوري" (Bolloré) الفرنسية (ثم CMA CGM) في إدارة ميناء كوتونو، كما كشفت نزاعات قضائية في 2016 حسب "أفريكا كونفيدنشال" (Africa Confidential). وهو يدير الدولة بعقلية "الرئيس التنفيذي" لشركة تابعة لفرنسا، معتمداً على شبكات أعمالية تضمن استمرار الاستثمارات في القطن والنقل.
  • في توغو: تعتمد عائلة غناسينغبي، بقيادة فور غناسينغبي (Faure Gnassingbé) الذي ورث الحكم عن أبيه إياديما في 2005، على مستشارين أمنيين فرنسيين وإسرائيليين، وشركات متخصصة في التنصت والحماية، كما ذكرت "أفريكا إنتليجنس" (Africa Intelligence) في 2022-2025. وتدير شبكة محاميه في باريس (مثل مكتب Jeantet أو ما شابه) ثروات العائلة في أوروبا، مما يجعل أي انقلاب أو تغيير سياسي غير مؤثر على المصالح الغربية في المناجم والموانئ.

دول النفوذ الأنجلوسكسوني: "نخب وول ستريت والنادي الإنجليزي".. السيطرة من خلال المال والقانون

في دول مثل نيجيريا وغانا، يركز الغرب على تدريب "مصرفيين" و"قضاة" بدلاً من العسكريين، مما يحول النخب إلى ما يشبه "نادي وول ستريت والنادي الإنجليزي"، لتدير المصالح الغربية عبر الشراكات المالية والقانونية التي تضمن التبعية الاقتصادية دون حاجة لوجود عسكري مباشر.

1. نيجيريا:

  • والي إيدون (Wale Edun): وزير المالية منذ أغسطس 2023، واقتصادي ينحدر من ولاية أوجون (Ogun State). حاصل على بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة لندن وماجستير من جامعة ساسكس، وعمل في "مورغان ستانلي" (Morgan Stanley) و"سالومون براذرز" (Salomon Brothers) في نيويورك ولندن، كما ذكرت "ويكيبيديا" و"زملاء ييل العالميين" (Yale World Fellows). يجعله هذا المسار مهندس الإصلاحات الحالية التي يطلبها صندوق النقد الدولي، مثل خفض الدعم عن الوقود في 2023، محافظاً على الاستقرار المالي الغربي.
  • يمي كاردوسو (Yemi Cardoso): محافظ البنك المركزي منذ سبتمبر 2023، وخريج جامعة أستون في بريطانيا وهارفارد، ورئيس سابق لـ "سيتي بنك نيجيريا" (Citibank Nigeria) من 2011 إلى 2019. يجعله ذلك موالياً لـ "نظام السوق المفتوح" الغربي، كما أكدت تقارير من البنك المركزي النيجيري (CBN) و"بلومبيرغ" (Bloomberg)، وهو يدير سياسات مثل رفع الفائدة لمكافحة التضخم في 2024.
  • توني إلوميلو (Tony Elumelu): رئيس بنك (UBA) وشركة "هيرز القابضة" (Heirs Holdings)، ويُوصف بـ "الفتى الذهبي" للغرب في أفريقيا. حاصل على ماجستير من هارفارد، ويقدم نفسه كرأسمالي أفريقي لكنه شريك مع الولايات المتحدة وبريطانيا في الاستثمارات، كما في اتفاقيات مع "أفريكسيم بنك" (Afreximbank) والبنك الأفريقي للتنمية (African Development Bank)، حسب بيانات شركته ومؤسسته (Tony Elumelu Foundation)، مما يجعله يدير جزءاً من الاقتصاد النيجيري كامتداد للنفوذ الغربي.
  • أليكو دانغوتي (Aliko Dangote): أغنى رجل في أفريقيا. رغم استقلاليته في صناعة الإسمنت والمصافي، فإنه يعتمد على قروض مجمعة من بنوك غربية مثل "أفريكسيم بنك" و"ستاندرد تشارترد" (Standard Chartered) لمصافيه في لاغوس، كما كشفت "رويترز" (Reuters) في 2023، مما يربط ثروته بالمصالح الغربية.

2. غانا:

  • نانا أكوفو-أدو (Nana Akufo-Addo): الرئيس من 2017 إلى 2024، وهو محامٍ تدرب في "إينز أوف كورت" في لندن (المعبد الأوسط – Middle Temple) وعمل في مكتب محاماة دولي في باريس (Coudert Frères)؛ مما يجعله يضمن بيئة قانونية آمنة للشركات البريطانية مثل "تولو أويل" (Tullow Oil)، كما ذكرت "بريتانيكا" (Britannica) و"غانا ويب" (GhanaWeb).
  • كين أوفوري-أتا (Ken Ofori-Atta): وزير المالية السابق من 2017 إلى 2024، وخريج كولومبيا وييل، وعمل في "مورغان ستانلي". هو مهندس "فخ الديون" (Eurobonds) الذي ربط اقتصاد غانا بصناديق التحوط الأمريكية، كما أكدت تقارير من البنك الدولي (World Bank) في 2023.

3. ليبيريا وسيراليون:

  • جوزيف بواكاي (Joseph Boakai): الرئيس منذ 2024، يمثل النخبة القديمة المرتبطة تاريخياً بأمريكا؛ حيث يعتمد على مستشارين أمريكيين عبر برامج مثل (GEMAP) التي تمنحهم حق التوقيع المشترك على القرارات المالية، كما ورد في تقارير وزارة الخارجية الأمريكية (US State Department) في 2005-2025، مما يجعل ليبيريا تعتمد على الغرب في إدارتها المالية.

دول الهامش المنسي: حراس اللوجستيات.. النخب كفتاح للبوابات الغربية والحدود

في دول "الهامش المنسي" مثل موريتانيا وغينيا والرأس الأخضر وغينيا بيساو، تكون وظيفة النخب "فتح البوابات" للمصالح الغربية، مستفيدة من موقعها الجغرافي لإدارة اللوجستيات والحدود، محافظةً على الاستقرار الذي يسمح بتدفق الثروات دون اضطرابات كبيرة.

1. موريتانيا:

  • محمد ولد الغزواني (Mohamed Ould Ghazouani): الرئيس منذ 2019، الملقب بـ "الجنرال الراهب" بسبب شخصيته الهادئة. تدرب في الأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس في المغرب (بالتعاون مع فرنسا) وفي المدارس الفرنسية، ويحظى باحترام هائل في حلف الناتو (NATO) كشريك مميز، وقد زار مقر الناتو في بروكسل في 2021. يتيح له ذلك إدارة شبكة من الجنرالات الذين يسيطرون على المناطق الشمالية (نواذيبو والزويرات) بالتنسيق مع الاستخبارات الإسبانية والفرنسية لمنع الهجرة وتأمين شركات الغاز مثل (BP)، حسب تقارير من "الناتو" و"أفريكا إنتليجنس". يعكس غزواني نموذجاً للزعيم الأفريقي الذي يستخدم خلفيته العسكرية الغربية للحفاظ على التوازن بين الضغوط الداخلية والمصالح الدولية، مما يجعل موريتانيا "حارس بوابة" أوروبا ضد الهجرة غير الشرعية.

2. غينيا (كوناكري):

  • مامادي دومبويا (Mamady Doumbouya): الرئيس الانتقالي منذ انقلاب سبتمبر 2021. وهو عريف سابق في "الفيلق الأجنبي الفرنسي" (Légion étrangère) -قوة النخبة التي تحارب من أجل فرنسا- وزوجته ضابطة سابقة في الدرك الفرنسي. تلقى تدريبات مكثفة من "القبعات الخضراء" الأمريكية (Green Berets) في مناورات سبقت الانقلاب بأسابيع، كما كشفت "نيويورك تايمز" (New York Times) و"أفريكا كونفيدنشال" في 2021-2025. يجعله هذا "الرجل الهجين" المثالي: ولاء عاطفي لفرنسا وولاء عملياتي لأمريكا، يضمن عدم المساس بمصالح شركات الألمنيوم مثل "ألكوا" (Alcoa) الأمريكية أو "ريو تينتو" (Rio Tinto) البريطانية. يظهر دومبويا كيف يتحول التدريب العسكري الغربي إلى أداة للسيطرة، حيث يدير الانقلابيون الدولة بطريقة تحافظ على الاستثمارات الأجنبية.

3. الرأس الأخضر (Cabo Verde):

  • أوليسيس كوريا إي سيلفا (Ulisses Correia e Silva): رئيس الوزراء منذ 2016، لديه خلفية مصرفية وعلاقات قوية مع البرتغال والاتحاد الأوروبي. يدير البلاد كـ "فرع" للاتحاد الأوروبي في أفريقيا، مما يسهل استخدام الأرخبيل كقاعدة لحلف الناتو وللشرطة الأوروبية، كما التقى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في 2024 حسب السفارة الأمريكية (US Embassy)، محولاً الجزر إلى نقطة لوجستية غربية.

4. غينيا بيساو:

  • تدير النخب العسكرية والمدنية الموانئ والممرات المائية، وتسهل العمليات الأمنية الغربية العابرة للحدود بعيداً عن الرقابة الشعبية أو البرلمانية، كما يحدث في اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي لمكافحة المخدرات، حسب "دائرة العمل الخارجي الأوروبي" (EU External Action Service).

المحور الرابع: السردية والقوة الناعمة في غرب أفريقيا.. "مصنع الأوهام": كيف يبرر الغرب نهب القارة؟

في الفترة من 2021 إلى 2025، ومع استمرار التأثيرات حتى بداية 2026، شهدت غرب أفريقيا موجة من التحولات السياسية العنيفة والجذرية؛ حيث أدت سلسلة الانقلابات العسكرية في دول الساحل، مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، إلى طرد القوات العسكرية الغربية الرسمية -خاصة الفرنسية والأمريكية- وتعزيز خطاب قومي ثوري يرفض الاستعمار الجديد ويطالب بالسيادة الكاملة. لكن خلف هذا الخطاب الرسمي والشعبي، يعمل "مصنع الأوهام" الغربي بكفاءة عالية ودقة متناهية. وهو نظام سردي متكامل يعتمد على القوة الناعمة لتبرير نهب الموارد الطبيعية الغنية، مثل اليورانيوم في النيجر، والذهب في مالي، والغاز في السنغال، والكاكاو في ساحل العاج؛ مستخدماً الإعلام، والثقافة، والمساعدات الإنسانية، والمنظمات غير الحكومية كأدوات رئيسية لإعادة صياغة الواقع وتحويله من نهب استعماري إلى "شراكة ضرورية"، أو "مساعدة إنسانية"، أو "تعاون تنموي".

هذه السردية ليست مجرد دعاية عفوية أو رد فعل على الأحداث، بل استراتيجية مدروسة وممولة جيداً تهدف إلى الحفاظ على الهيمنة الاقتصادية والأمنية في ظل تراجع الوجود العسكري المباشر الذي أصبح مكلفاً سياسياً وبشرياً؛ حيث يُصور الغرب نفسه كـ "المنقذ الوحيد" من الفوضى الإرهابية، أو "الشريك الأمين" في التنمية المستدامة. ورغم ذلك، أكدت تقارير البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمات مثل "أوكسفام" (Oxfam) و"غرينبيس" (Greenpeace) في 2025 أن أكثر من 70-80% من الأرباح من الاستثمارات في التعدين والطاقة والزراعة تعود إلى الشركات الأم في باريس ولندن ونيويورك وتورنتو، بينما يظل الناتج المحلي الإجمالي للدول الأفريقية يعاني من الركود أو النمو الوهمي الذي يخفي الفقر المدقع والتفاوت الاجتماعي.

تعتمد هذه القوة الناعمة على مفهوم جوزيف ناي (Joseph Nye) في كتابه "Soft Power"، الذي يعرفها بأنها القدرة على التأثير على الآخرين من خلال الجاذبية والإقناع والقيم المشتركة بدلاً من الإكراه العسكري أو الاقتصادي المباشر؛ مما يجعل الشعوب الأفريقية، خاصة الطبقة الوسطى والشباب، تتقبل النهب كجزء طبيعي من "النظام العالمي الحر"، ويمنع تشكل وعي جماعي مناهض حقيقي يؤدي إلى ثورات اقتصادية أو إصلاحات جذرية.

في هذا السياق الجيوسياسي المعقد، يتنوع "مصنع الأوهام" حسب نوع النفوذ الغربي: ففي دول النفوذ الفرنسي الصلب يعتمد على "فزاعة الرعب" والوصاية الأبوية لإثارة الخوف من الفوضى؛ وفي دول النفوذ الأنجلوسكسوني يستخدم "إنجيل الحوكمة" والثقافة الاستهلاكية للإغراء بالحلم الأمريكي أو البريطاني؛ وفي دول الهامش المنسي يركز على "الأمن الإنساني" كغطاء للنهب اللوجستي والبيئي.

دول النفوذ الفرنسي الصلب: "فزاعة الرعب" والوصاية الأبوية – الإعلام كأداة للتحكم في الوعي الجماعي

في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بالإضافة إلى الدول التابعة مثل السنغال وساحل العاج وبنين وتوغو، تدير فرنسا حرباً إعلامية شرسة ومنظمة لاستعادة "الشرعية الأخلاقية" المفقودة بعد طرد قواتها في 2022-2024. وتستخدم في ذلك آلة إعلامية متكاملة تمولها وزارة الخارجية الفرنسية بميزانيات سنوية تصل إلى مئات الملايين من اليورو لتصوير الانسحاب الفرنسي كسبب مباشر للفوضى والإرهاب، وفرنسا كـ "الأب الحامي" أو "الأم الحنون" التي يجب العودة إليها للنجاة.

تعتمد هذه السردية بشكل أساسي على "فزاعة الرعب" لإثارة الخوف من الفراغ الأمني، و"الوصاية الأبوية" لتصوير الدول الأفريقية كـ "أطفال غير ناضجين" يحتاجون إلى توجيه غربي؛ مما يخفي الدور الفرنسي التاريخي في تعزيز التبعية عبر نظام الفرنك الأفريقي (CFA) الذي يربط عملات 14 دولة باليورو، والشركات الفرنسية مثل "توتال إنيرجيز" (TotalEnergies) و"أورانو" (Orano) التي تسيطر على الطاقة واليورانيوم.

تمثل الآلة الإعلامية الفرنسية، المعروفة باسم (France Médias Monde)، إمبراطورية حقيقية موجهة خصيصاً للقارة الأفريقية؛ حيث تبث إذاعة فرنسا الدولية (RFI) كـ "المرجع الإخباري" الأول في القرى والمدن النائية، مستخدمةً لغات محلية مثل البامبارا في مالي أو الهوسا في النيجر للوصول إلى الجماهير الواسعة. وتستخدم التكتيك التركيزي على أخبار المجازر وهجمات الجماعات المسلحة أو مجموعات مثل "أفريقيا كوربس" الروسية فور خروج الفرنسيين، مع رسالة ضمنية واضحة: "انظروا، بمجرد خروجنا حل الخراب والموت". وقد ظهر ذلك في تغطية (RFI) اليومية والمكثفة للأحداث في شمال مالي بعد انسحاب عملية "بارخان" في أغسطس 2022؛ حيث زادت التغطية للهجمات الإرهابية بنسبة 40-50% مقارنة بالفترة السابقة، حسب تحليلات مستقلة من "ميديا بارت" (Mediapart) و"لوموند ديبلوماتيك" (Le Monde diplomatique) في 2023، مما يعزز الخوف ويجعل الجمهور يربط السلام بالوجود الفرنسي.

قناة "فرانس 24" (France 24)، التي تبث بالفرنسية والإنجليزية والعربية والإسبانية لتغطية أوسع، تستضيف بانتظام "محللين" أفارقة مقيمين في باريس أو مدربين في فرنسا، يهاجمون المجالس العسكرية ويصفونها بـ "الشعبوية الخطرة" و"الانتحار الاقتصادي" و"الديكتاتورية المقنعة". يعزز هذا السردية الغربية بوجوه أفريقية لتجنب اتهام الاستعلاء العنصري أو الاستعمار، كما حدث في برامجها التحليلية عن النيجر في 2024 التي استضافت محللين من ساحل العاج أو السنغال ينتقدون الجنرال عبد الرحمن تياني ويمدحون "الاستقرار الديمقراطي" في دول موالية لفرنسا.

أما قناة "تي في 5 موند" (TV5 Monde)، الشريكة مع قنوات أفريقية محلية، فتركز على "الثقافة واللغة" لربط النخبة الأفريقية وجدانياً بالفرنكوفونية، من خلال برامج ترفيهية وثقافية وأفلام فرنسية مدبلجة تصور فرنسا كـ "الأم الحنون" للثقافة الأفريقية، مثل سلسلة "أفريقيا في باريس" أو مهرجانات الموسيقى التي تبث في السنغال وساحل العاج؛ مما يعزز الولاء الثقافي بين الطبقة الوسطى والمتعلمين الذين يتحدثون الفرنسية كلغة أولى أو ثانية.

تعتمد هذه الآلة الإعلامية على نظرية "السيطرة على الوعي" لأنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci)، حيث يُستخدم الإعلام لترسيخ الهيمنة الثقافية والإيديولوجية؛ مما يجعل الشعوب تتقبل النهب كـ "ضرورة أمنية" أو "حماية ثقافية"، ويمنع تشكل سردية بديلة محلية قوية، خاصة في ظل ضعف الإعلام المحلي الممول محلياً.

تشمل السرديات الكبرى الفرنسية:

  1. "فزاعة الإرهاب" (The Security Vacuum): حيث تستخدم مصطلحات مثل "الفراغ الأمني" و"الانهيار الوشيك" و"الصوملة" (تحويل المنطقة إلى صومال آخر) لتبرير بقاء الاستخبارات الفرنسية (DGSE) والقوات الخاصة تحت مسميات "مدربين" أو "مستشارين فنيين"، بحجة أن الجيوش المحلية عاجزة تقنياً عن مواجهة التهديدات. ظهر ذلك في مقالات "لو فيغارو" (Le Figaro) و"لوموند" (Le Monde) عن بوركينا فاسو في 2024، التي ربطت زيادة الهجمات الإرهابية بانسحاب الفرنسيين ووصول الروس.
  2. "الانهيار الاقتصادي": يُستخدم لشيطنة أي محاولة للخروج من الفرنك الأفريقي، حيث تتحرك الماكينة الإعلامية ومجلات اقتصادية مثل "جون أفريك" (Jeune Afrique) -القريبة من دوائر باريس وتمول جزئياً من مصادر فرنسية- للحديث عن "التضخم المفرط" و"سيناريو زيمبابوي" أو "فنزويلا الأفريقية"، مرعبة الطبقة الوسطى والنخبة الحضرية بأن مدخراتها ستتبخر والبلاد ستغرق في الفوضى إذا تخلت عن الضمان الفرنسي. وقد حدث هذا في تغطية مكثفة ومنسقة للنيجر في 2025 عندما هدد المجلس العسكري بإصلاح نقدي أو إنشاء عملة جديدة للتحالف الساحلي (AES).
  3. "واحة الديمقراطية": تصور السنغال وساحل العاج كـ "نموذج للاستقرار والنمو الاقتصادي"، متجاهلة تماماً قمع المتظاهرين في داكار أو الفساد في أبيدجان، وتركز على "معدلات النمو" التي تصب في صالح الشركات الفرنسية مثل "توتال" و"بويج" و"أورانج". تجلى ذلك في تقارير "فرانس 24" عن الرئيس الحسن واتارا في 2024 التي مدحت "المعجزة الإيفوارية" دون ذكر الديون أو التفاوت.

المنظمات غير الحكومية (NGOs) كسلاح إضافي: منظمات حقوقية مقراتها باريس أو ممولة فرنسياً، مثل الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH) أو فرع "هيومن رايتس ووتش" في باريس، تصدر تقارير "موقوتة بدقة" عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الجيوش في مالي أو بوركينا فاسو، بينما تصمت نسبياً أو تقلل من تلك التي تحدث في الدول الموالية مثل ساحل العاج. ومثال ذلك تقرير منظمة العفو الدولية (Amnesty International) عن مالي في 2023 الذي ركز على "أفريقيا كوربس" الروسية، مما ينزع الشرعية الأخلاقية عن الانقلابيين ويعزلهم دولياً، معتمداً على تمويل غربي يضمن التوجه السياسي.

دول النفوذ الأنجلوسكسوني: "إنجيل الحوكمة" والثقافة الاستهلاكية – الجاذبية الثقافية كسلاح للإغراء والتخدير

تعد أمريكا وبريطانيا أذكى وأكثر مرونة في استخدام القوة الناعمة؛ حيث لا تستخدمان لغة "الاستعمار" أو "الوصاية" الفرنسية، بل لغة "إدارة الأعمال" و"نمط الحياة الحلم الأمريكي" أو "الفرص البريطانية"، مستخدمين الإعلام، والثقافة، والبرامج التعليمية لجعل النهب يبدو كـ "فرصة تنموية" أو "شراكة متكافئة"؛ مما يعكس تفوقاً في الجاذبية الثقافية والاستهلاكية على النهج الفرنسي الأكثر استعلاءً.

تستخدم الولايات المتحدة "القوة الناعمة الهوليوودية والتعليمية" ببراعة، كما في "برنامج القادة الشباب الأفارقة" (YALI – Mandela Washington Fellowship)، الذي يأخذ ألمع الشباب من نيجيريا وغانا وسيراليون ويدربهم لأسابيع في جامعات أمريكية مرموقة مثل "هارفارد" أو "ستانفورد" على "ريادة الأعمال" و"الديمقراطية الليبرالية" و"الابتكار التكنولوجي". وكما في دورات 2025 التي شملت مئات الشباب من غرب أفريقيا، حسب موقع وزارة الخارجية الأمريكية (US State Department) الرسمي، يعود هؤلاء لبلادهم ليصبحوا وزراء أو مديري شركات أو ناشطين، مقتنعين تماماً بأن "النموذج الأمريكي" هو الحل الوحيد للتنمية، وأن الشركات الأمريكية مثل "شيفرون" (Chevron) أو "نيومونت" (Newmont) أو "كارجيل" (Cargill) هي الشريك الأمثل للازدهار؛ مما يخلق جيلاً جديداً من النخب موالية لأمريكا.

الإعلام والثقافة الأمريكية، مثل قنوات (CNN International) ومنصات (Netflix) و(Amazon Prime) و(MTV Base)، تضخ ملايين الدولارات سنوياً في "نوليود" (السينما النيجيرية)، لتصوير نيجيريا كدولة "رأسمالية ناجحة" مليئة بالثراء والحياة الفارهة، وللتغطية على الفقر المدقع في دلتا النيجر والتلوث النفطي الذي تسببه شركات مثل "شل" (Shell) و"إكسون موبيل" (ExxonMobil). وتجلى ذلك في استثمارات "نتفليكس" التي بلغت ملايين في إنتاج أفلام نيجيرية في 2024-2025 حسب تقارير "فارايتي" (Variety) و"هوليوود ريبورتر" (Hollywood Reporter)، مما يخدّر الشباب بحلم "الثراء السريع" (The American Dream) بدلاً من النضال ضد الشركات الناهبة.

تبث إذاعة "صوت أمريكا" (VOA) بلغات محلية مثل الهوسا واليوروبا والفولاني في شمال نيجيريا والساحل، وتركز على "مكافحة التطرف الإسلامي" وسردية أن أمريكا هي "الشريك التكنولوجي والإنساني" الذي يقدم المساعدات دون شروط استعمارية؛ مما يجعل الشباب في المناطق الريفية يفضلون الثقافة الأمريكية على البدائل الروسية أو الصينية.

بريطانيا، بدورها، تستخدم "السمعة" واللغة الإنجليزية كأسلحة ناعمة. تتمتع قناة (BBC Africa) بمصداقية عالية جداً بين الأفريقيين لترسيخ مصطلحات مثل "المستثمرين الدوليين" بدلاً من "الشركات الناهبة"، و"الإصلاحات الضرورية" بدلاً من "شروط التقشف القاسية" التي يفرضها صندوق النقد، كما ظهر في تغطيتها اليومية لغانا في 2025 أثناء أزمة الديون.

يمنح "المجلس الثقافي البريطاني" (British Council) ومنح "تشيفنينغ" (Chevening Scholarships) آلاف الفرص السنوية للدراسة في جامعات بريطانية مثل أكسفورد ولندن، مما يخلق "ولاء طبقياً" طويل الأمد. ويظهر ذلك في خريجين أصبحوا قضاة أو وزراء في غانا وسيراليون وليبيريا، مما يضمن أن قوانين التعدين والاستثمار تُكتب بصيغ تحمي الشركات البريطانية مثل "تولو أويل" (Tullow Oil) أو "ريو تينتو" (Rio Tinto).

تصور سردية "الحوكمة والشفافية" البريطانية النهب كـ "استثمار أجنبي مباشر" (FDI) مفيد، ملقية اللوم على "الفساد المحلي" في توزيع العوائد، كما في تقارير (BBC) عن نيجيريا التي تركز على "الإصلاحات" دون ذكر التلوث النفطي. تحليلياً، هذه السردية الأنجلوسكسونية أكثر جاذبية واستدامة من الفرنسية، لأنها تستخدم الثقافة الاستهلاكية والحلم بالثراء لتخدير الشباب، مما يمنع النضال الجماعي ضد الشركات الناهبة، ويجعل النهب يبدو "طبيعياً" في "عالم السوق الحر".

دول الهامش المنسي: سردية "الأمن الإنساني" – المساعدة الإنسانية كغطاء للاستنزاف البيئي واللوجستي

في دول مثل موريتانيا وغينيا (كوناكري) والرأس الأخضر وغينيا بيساو، التي تبدو هامشية في الخريطة الإعلامية، تكون السردية الغربية هادئة وغير عدوانية. تركز هذه السردية على "المساعدة الإنسانية" و"الحماية من التهديدات"، مستخدمةً القوة الناعمة لتبرير السيطرة على اللوجستيات والحدود والموارد البيئية؛ مما يجعل النهب يبدو كـ "تعاون تنموي إنساني" ينقذ الدول من نفسها.

يستخدم الاتحاد الأوروبي وإسبانيا وهولندا "حماية الحدود" كسردية رئيسية، مع مصطلحات مثل "الهجرة غير النظامية" و"مكافحة الاتجار بالبشر" و"التنمية المستدامة"، لتصوير خفر السواحل الإسباني والتمويل الأوروبي في موريتانيا كـ "مساعدة إنسانية" لحماية الدولة من تدفق المهاجرين. وكما في اتفاقيات وكالة "فرونتكس" (Frontex) في 2024-2025 التي بلغ تمويلها عشرات الملايين من اليورو حسب "ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة والشؤون الداخلية" (EU Migration and Home Affairs Pact)، فإن ذلك يخفي الحقيقة أن هذه الاتفاقيات تعطي أوروبا "سيادة أمنية ورادارية" كاملة على المياه الإقليمية الموريتانية، وتمنع الصيادين المحليين من العمل بحرية، مما يفاقم الفقر في نواذيبو.

تضخم السردية "التنموية" أخبار "المشاريع الصغيرة"، مثل بناء مدارس أو آبار ماء أو عيادات صحية في غينيا بيساو أو غينيا كوناكري، للتغطية على استنزاف الموارد الضخمة مثل البوكسيت في غينيا من قبل شركات مثل "ريو تينتو" البريطانية أو "ألكوا" (Alcoa) الأمريكية. وكما في تقارير الاتحاد الأوروبي عن "المساعدات التنموية" في 2025 التي بلغت مئات الملايين، تُصور هذه الدول كـ "دول هشة" (Fragile States) تحتاج دائماً للوصاية الغربية "لتقف على قدميها"؛ مما يبرر التدخل المستمر في شؤونها الداخلية دون إثارة مقاومة شعبية.

هذه السردية الهادئة هي الأكثر خطورة لأنها تبدو "إنسانية" وغير عدوانية، محافظةً على التبعية في دول هامشية لا تثير اهتماماً إعلامياً كبيراً، مما يسمح باستنزاف الموارد البيئية مثل الأسماك في موريتانيا أو الغابات في غينيا دون احتجاج دولي.

تحميل المزيد