110 نواب ليبيون يقرّون الاتفاقية البحرية مع تركيا بالإجماع.. هل بدأت تفاهمات باريس تؤتي ثمارها؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/20 الساعة 21:42 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/20 الساعة 21:42 بتوقيت غرينتش
البرلمان الليبي يقر الاتفاقية بعد أن عارضها قبل 6 سنوات/ عربي بوست

صوّت مجلس النواب الليبي، الثلاثاء 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بالإجماع على الموافقة على الاتفاقية البحرية مع تركيا الموقعة عام 2019، خلال جلسة مغلقة عقدها بمقره في بنغازي، في تحول سياسي لافت بعد سنوات من رفض المؤسسة التشريعية المصادقة على الاتفاقية ومعارضتها النفوذ التركي في ليبيا.

وكشف مصدر برلماني خاص لـ"عربي بوست" أن 110 أعضاء شاركوا في التصويت، ووافقوا جميعاً على اعتماد الاتفاقية البحرية الليبية التركية. وقرر المجلس خلال الجلسة أيضاً سحب قراره الصادر عام 2020 بشأن مقاطعة تركيا، في خطوة تعكس تحولاً في موقف البرلمان من أنقرة.

يأتي هذا التطور بعد أسبوعين من انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب خلفاً لعقيلة صالح، الذي عارض الاتفاقية لسنوات، بالتزامن مع تقارب سياسي وأمني متسارع بين أنقرة والقيادة العسكرية في شرق ليبيا، بعدما كان الطرفان على طرفي نقيض خلال الحرب على طرابلس عام 2019.

وتزامن التصويت كذلك مع محادثات يجريها رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في العاصمة طرابلس، شملت لقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى توسيع علاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية.

ماذا تغير داخل البرلمان؟

يمثل تصويت الثلاثاء بقبول الاتفاقية البحرية مع تركيا تحولاً في موقف مجلس النواب من تركيا، بعدما كان المجلس من أبرز المؤسسات الليبية المعارضة للاتفاقية البحرية الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

ففي 8 يناير/ كانون الثاني 2020، أصدر البرلمان القرار رقم (1)، الذي قضى برفض المصادقة على مذكرتَي التفاهم الموقعتين مع تركيا بشأن التعاون الأمني والعسكري وتحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، واعتبرهما لاغيتين من وجهة نظره.

كما أصدر المجلس القرار رقم (6) لسنة 2020 بشأن قطع العلاقات السياسية مع الجمهورية التركية، في ذروة المواجهة العسكرية التي شهدتها ليبيا آنذاك، عندما تدخلت أنقرة لدعم حكومة الوفاق في مواجهة الهجوم الذي قادته قوات خليفة حفتر على طرابلس.

بعد نحو 6 سنوات، يعود البرلمان ذاته للموافقة على الاتفاقية البحرية بأصوات جميع النواب الـ110 المشاركين في التصويت، وفق المعلومات الخاصة التي حصل عليها "عربي بوست"، بالتزامن مع سحب قرار المقاطعة السياسية.

غير أن التحول لم يبدأ خلال جلسة الثلاثاء، إذ سبق أن اتخذ مجلس النواب في يونيو/ حزيران 2025 خطوة تمهيدية بتشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاقية البحرية المقدمة من الحكومة المكلفة برئاسة أسامة حماد.

وأعلن المتحدث باسم المجلس عبد الله بليحق، آنذاك، تشكيل اللجنة، من دون الكشف عن تفاصيل الاتفاقية المقدمة أو طبيعة المراجعات المطلوب إجراؤها.

يطرح التصويت الجديد تساؤلات بشأن النتائج التي توصلت إليها اللجنة، وما إذا كان النواب قد استندوا إلى توصياتها قبل الموافقة، أم اعتمدوا النص الأصلي الموقع عام 2019 دون تعديلات.

تبرز كذلك مسألة قانونية تتعلق بالفصل بين القرارين الصادرين عام 2020؛ إذ إن سحب قرار قطع العلاقات السياسية مع تركيا لا يعني بالضرورة الإلغاء الصريح للقرار السابق الذي رفض المصادقة على الاتفاقية.

لم تتضح حتى إعداد التقرير الصيغة القانونية الكاملة للقرارات المعتمدة خلال جلسة الثلاثاء، أو ما إذا كانت الموافقة الجديدة قد تضمنت معالجة صريحة للقرار رقم (1) لسنة 2020.

يكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ضوء الخلافات المستمرة حول رئاسة مجلس النواب، وما قد يترتب عليها من نقاش بشأن الإجراءات التشريعية وصحة القرارات الصادرة عن المجلس.

تفاهمات باريس وتغيير رئاسة البرلمان

لا يبدو توقيت الموافقة منفصلاً عن التغييرات السياسية التي شهدتها المؤسسة التشريعية مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2026، ولا عن مسار التقارب بين صدام حفتر والمسؤولين الأتراك خلال الفترة الماضية، ووفق ما نشره "عربي بوست" في تقرير سابق، فإن ذلك يأتي ضمن تفاهمات سياسية غير معلنة.

الاجتماع استضافته العاصمة الفرنسية باريس يوم 28 يناير/ كانون الثاني 2026، وجمع صدام حفتر، وإبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية. وجاء ضمن جهود دبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، في إطار التحركات الرامية إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي.

هناك جانب غير معلن من المحادثات، تمثل في بحث تجاوز العقبات السياسية والتشريعية أمام إقرار الاتفاقية البحرية الليبية التركية، عبر تغيير القيادة البرلمانية التي كانت تعارضها. وارتبط هذا التوجه بتقارب صدام حفتر مع أنقرة، وسعيه إلى توسيع قاعدة دعمه الإقليمي وتعزيز موقعه في الترتيبات السياسية المستقبلية.

قبل أسبوع من التصويت، كشف مصدر برلماني لـ"عربي بوست" عن اتجاه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب، بقيادة الصالحين عبد النبي، إلى الدعوة لجلسة لمناقشة الاتفاقية البحرية والتصويت عليها، باعتبارها من الملفات ذات الأولوية بعد تغيير رئاسة المجلس.

مع انعقاد الجلسة والموافقة على الاتفاقية بالإجماع، تحقق المسار البرلماني الذي سبق أن تحدثت عنه مصادر الموقع. غير أن ذلك لا يمثل دليلاً مستقلاً على جميع تفاصيل التفاهمات غير المعلنة، أو على وجود مقايضة مباشرة بين الموافقة على الاتفاقية والحصول على دعم تركي لصدام حفتر.

تبرز في هذا السياق أهمية رئيس البرلمان الجديد، الذي سبق أن تولى رئاسة لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، وشارك في تطوير التواصل بين المؤسستين التشريعيتين. وتلقى عبد النبي تهنئة من رئيس البرلمان التركي، تضمنت تطلعاً إلى تعزيز العلاقات البرلمانية والتعاون بين البلدين.

لكن صعود عبد النبي إلى رئاسة المجلس لا يزال محل خلاف داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عقيلة صالح الاعتراف بالإجراءات التي انتهت بانتخاب خلفه، وهو ما يضيف بُعداً داخلياً إلى النقاش حول القرارات الجديدة.

أين يقف صدام حفتر وما الذي تريده أنقرة؟

تزامن تغيير رئاسة البرلمان مع تطور ملحوظ في العلاقات بين أنقرة والقيادة العسكرية في شرق ليبيا، بعدما كانت تركيا أحد أبرز الأطراف الداعمة لحكومة الوفاق الوطني في مواجهة قوات حفتر خلال الحرب على طرابلس.

خلال عام 2025، أجرى صدام حفتر زيارات إلى أنقرة التقى خلالها مسؤولين عسكريين وأمنيين أتراكاً، فيما شهدت بنغازي اتصالات مع رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، تناولت توسيع التعاون الأمني والعسكري.

في أبريل/ نيسان 2026، كشفت وكالة "رويترز" عن تعمق العلاقات العسكرية بين تركيا ومعسكر حفتر، في سياق سعي أنقرة إلى حماية مصالحها الاقتصادية وقطاع الطاقة في ليبيا، والحصول على موافقة البرلمان على الاتفاقية البحرية.

تشير هذه التحولات إلى أن التقارب بين الجانبين لم يعد مقتصراً على الاتصالات الدبلوماسية، وإنما أصبح يشمل ملفات أمنية وعسكرية واقتصادية، قد تمنح الطرفين مصالح مشتركة رغم اختلاف مواقعهما خلال الحرب السابقة.

بالنسبة إلى أنقرة، تمثل موافقة البرلمان مكسباً سياسياً مهماً، لأنها تزيل أحد أبرز الاعتراضات الداخلية على الاتفاقية البحرية. أما بالنسبة إلى صدام حفتر والقيادة العسكرية في شرق ليبيا، فقد يوفر التقارب التركي فرصة لتنويع العلاقات الخارجية وتوسيع هامش الحركة السياسية، دون التخلي بالضرورة عن التحالفات التقليدية مع القاهرة أو غيرها من العواصم الإقليمية.

لكن مدى ارتباط التصويت البرلماني بهذه المصالح لا يزال يحتاج إلى معلومات إضافية بشأن طبيعة التفاهمات التي جرت بين الأطراف المعنية.

يأتي لقاء إبراهيم قالن مع عبد الحميد الدبيبة في طرابلس ليعكس اتساع شبكة الاتصالات التركية داخل ليبيا؛ إذ باتت أنقرة تحتفظ بعلاقات مع حكومة الوحدة الوطنية، بالتوازي مع انفتاحها على القيادة العسكرية والمؤسسة التشريعية في شرق البلاد.

ولا يكفي التزامن بين زيارة قالن والتصويت لإثبات وجود تنسيق مباشر بشأن الاتفاقية، لكنه يبرز كثافة الحراك التركي في مرحلة تشهد إعادة ترتيب للعلاقات بين مراكز القوة الليبية.

مكاسب تركيا وترقب مصر واليونان

تعود الاتفاقية البحرية إلى 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، عندما وقعتها حكومة الوفاق الوطني وتركيا لتحديد مناطق الصلاحية البحرية للبلدين في البحر المتوسط.

بحسب سجل المعاهدات التابع للأمم المتحدة، دخلت مذكرة التفاهم حيز النفاذ بين الطرفين في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2019، وسُجلت لدى المنظمة الدولية في 11 ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه.

وعليه، فإن موافقة مجلس النواب الليبي لا تعني دخول الاتفاقية حيز النفاذ الدولي للمرة الأولى، وإنما تمثل تحولاً في موقف المؤسسة التشريعية التي ظلت ترفض المصادقة عليها منذ توقيعها.

وتكمن أهمية هذا التحول بالنسبة إلى أنقرة في تعزيز الموقف السياسي للاتفاقية داخل ليبيا، وتقليص الانقسام المؤسسي بشأنها، ما قد يتيح توسيع التعاون الاقتصادي والبحري في المرحلة المقبلة.

كما يمكن أن يدعم التصويت مساعي تركيا إلى تطوير مشاريع استكشاف النفط والغاز والتعاون في قطاع الطاقة، وإن كانت هذه الأنشطة تتطلب إجراءات فنية وتنظيمية واتفاقات تنفيذية مستقلة.

مع ذلك، فإن الموافقة البرلمانية لا تعني حسم الخلافات القانونية المتعلقة بالمناطق البحرية مع الدول الثالثة، ولا تفرض اعترافاً دولياً تلقائياً بالحدود التي تتضمنها الاتفاقية.

تبرز هنا حسابات مصر واليونان، اللتين عارضتا الاتفاقية بسبب الخلاف حول حدود المناطق الاقتصادية البحرية والحقوق المرتبطة بها في شرق المتوسط. وكانت القاهرة وأثينا قد وقعتا اتفاقاً لترسيم المناطق البحرية بينهما في أغسطس/ آب 2020، في ظل التنافس الإقليمي حول الحدود البحرية وموارد الطاقة.

تكتسب التطورات الأخيرة أهمية إضافية بالنظر إلى المشاورات السياسية التي عقدتها مصر واليونان في العاصمة أثينا يوم 15 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، قبل التصويت البرلماني بـ5 أيام.

وبحسب بيان وزارة الخارجية اليونانية، ناقشت المشاورات التطورات السياسية والأمنية في ليبيا، ودعم العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، وسبل توحيد المؤسسات الليبية.

وأكد الجانبان أهمية احترام القانون الدولي، ما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مع الاتفاق على استمرار التنسيق والتشاور بشأن الملف الليبي.

ولا يمكن اعتبار تلك المشاورات رداً مباشراً على تصويت الثلاثاء، لكنها تعكس استمرار التنسيق المصري اليوناني في مرحلة تشهد تغيراً واضحاً في علاقة أنقرة بالقوى النافذة في شرق ليبيا.

وتواجه القاهرة حسابات سياسية معقدة، إذ ترتبط بعلاقات وثيقة مع القيادة العسكرية في بنغازي، في الوقت الذي تعارض فيه جوانب من التصور التركي لترسيم المناطق البحرية في شرق المتوسط.

وبالتالي، فإن تحول موقف البرلمان الليبي قد يفرض على مصر إعادة تقييم تداعيات التقارب بين أنقرة ومعسكر حفتر، خصوصاً إذا انتقلت الموافقة على الاتفاقية إلى خطوات تنفيذية تتعلق بالتعاون البحري أو الاستثمارات في الطاقة.

أما اليونان، فتتمسك بموقفها الرافض للاتفاقية، وهو موقف ينسجم مع اعتراضات الاتحاد الأوروبي التي جددها المجلس الأوروبي في يونيو/ حزيران 2025، معتبراً أن مذكرة التفاهم التركية الليبية تمس الحقوق السيادية لدول ثالثة ولا تنشئ آثاراً قانونية في مواجهتها.

ولذلك، فإن القرار البرلماني قد يعزز موقف تركيا السياسي داخل ليبيا، لكنه لا ينهي النزاع الدبلوماسي والقانوني حول الاتفاقية في شرق المتوسط.

يمثل تصويت 110 نواب ليبيين بالإجماع على الاتفاقية البحرية مع تركيا، وسحب قرار مقاطعتها، تحولاً بارزاً في موقف مجلس النواب، بعد سنوات كانت فيها الاتفاقية إحدى أهم نقاط الخلاف بين أنقرة وبنغازي.

كما يمنح القرار أهمية إضافية للتغيير الذي شهدته رئاسة البرلمان مطلع أكتوبر/ تشرين الأول، ويطرح أسئلة بشأن الدور الذي لعبه التقارب بين صدام حفتر وأنقرة في تهيئة الظروف السياسية لاتخاذه.

غير أن الإجماع البرلماني لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات الداخلية بشأن شرعية رئاسة المجلس، كما لا يحسم الآثار القانونية للمصادقة أو الاعتراضات الإقليمية على الاتفاقية.