من ممرات “مدينة الجن” في تركيا إلى أنفاق لاس فيغاس وبوخارست.. مجتمعات بشرية ضاقت بها الأرض فعاشت تحتها

عربي بوست
تم النشر: 2021/08/25 الساعة 11:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/08/25 الساعة 12:30 بتوقيت غرينتش
iStock/ شعوب عاشت تحت الأرض

لَطالما تنقَّل البشر تحت الأرض، سواء من خلال السراديب في العصور القديمة، أو حتّى من خلال محطات المترو الفاخرة في الوقت الحالي، ولكن هل تساءلتَ سابقاً ما إذا كان قد سبق أن عاشت مُجتمعات بشرية كاملة تحت الأرض؟

شعوب عاشت تحت الأرض

تاريخياً عاش الناس تحت الأرض بشكلٍ مؤقت لمختلف الأسباب، مثل بناء منازل نصفها تحت الأرض لغياب المواد اللازمة لبناء البيوت بالكامل فوق الأرض، أو من أجل الحفاظ على أنفسهم من حرارة الصيف وبرودة الشتاء.

بالإضافة إلى أنّ السكن تحت الأرض كان بمثابة ملاذٍ آمنٍ للاختباء من الأعداء، تماماً مثلما فعل سكان كبادوكيا عبر التاريخ.

مدينة الجنّ في كبادوكيا التركيّة

تعتبر مدينة كابادوكيا الواقعة في تركيا الآن أشهر المدن التي بنت منازلَ تحت الأرض من أجل حماية الناس من الحرب والطقس.

ويقول ويل هانت، مؤلف كتاب عن تاريخ الحياة تحت الأرض " Underground: A Human History of the Worlds Beneath Our Feet": "إنَّ سكان كابدوكيا كانوا يعيشون في موقع استراتيجي للغاية، جعلهم عرضة لهجمات مستمرة في العصور الوسطى من قبل الجيوش التي تعبر المنطقة".

وأضاف وفقاً لما ذكره موقع Live Science الأمريكي، أنّ الآلاف من الناس كانوا يهربون ويبقون على قيد الحياة تحت الأرض، وأحياناً لشهور متتالية.

في حين يقول جامع التحف وصاحب أول فندق فاخر في كابادوكيا، عمير طوسون، إن ما يصل إلى 20 ألف شخص كانوا يختبئون في هذه الممرات الضيقة لعدة أشهر، في وقت كانت القوات المغولية تجوب المنطقة.

وأضاف وفقاً لـCNN أنّ مدينة الجن تمتد إلى 18 طابقاً، وإلى عمق 85 متراً، وأنَّ الناس تحت الأرض كانوا يستفيدون من غرف المعيشة وغرف أخرى كمتاجر للبيع، ومن الممرات التي كانت تستخدم لنقل الرسائل والأخبار عما كان يحدث فوق الأرض.

iStock/ مدينة الجنّ في كبادوكيا التركيّة
iStock/ مدينة الجنّ في كبادوكيا التركيّة

في حين يقول موقع Turk Press إنّ غرف مدينة الجن كانت تتسع لجميع أفراد العائلة، وتحتوي على أماكن لتربية الحيوانات، ومخازن للمواد الغذائية، وغرف دينية، ومقابر، وقاعات طعام، إضافة إلى وجود فتحات تهوية تصل جميع غرف الطوابق لضمان وصول الهواء إليها.

ومن بين الأمور التي أدهشت علماء الآثار أنّ المدينة بُنيت داخل صخور بركانية لينة، وبالتالي فإنّها بُنيت من مواد دقيقة جداً، على اعتبار أنّ المدينة كانت بحاجة لأعمدة أساس تتحمل طبقات الأرض.

إضافة إلى وجود نهر يمر في المدينة عن طريق آبار أسطوانية الشكل لتصل إلى جميع الطوابق.

وقد وجد علماء فيزياء الأرض (الجيوفيزياء) مؤخراً مدينةً أخرى في المنطقة، تمتد على مساحة 460 ألف متر مربع، وعمق 113 متراً، بحسب National Geographic، ولو صحت تلك المعلومات فسوف تكون المدينة الجديدة أكبر من مدينة الجن بنحو الثُّلث.

بلدة كوبر بيدي الأستراليّة

لم تكن كل المدن المبنية تحت الأرض بنفس درجة تعقيد كابدوكيا، إذ إنّ الكثير من البشر عاشوا تحت الأرض في منازل بدائية الصنع، ويمكن رؤيتها في أي دولة في العالم.

ولكن في أستراليا فالأمر مختلف، فهناك بلدة تدعى كوبر بيدي، يعيش نصف سكانها تقريباً في منازل محفورة في الأرض على جوانب المرتفعات.

فمُنذ تأسيسها قبل نحو 100 عام بعد أن اكتشف مراهق أحجار الأوبال هناك، أصبحت هذه البلدة تقدم نحو 70% من إنتاج تعدين الأوبال

الأوبال

هي أحجار مميزة بشفافية لها لمعان متلألئ، وتتواجد بجميع الألوان، واستخدمت كأحجار كريمة في الثقافات القديمة، وتتواجد بشكل خاص في أستراليا، التي يعد فيها هذا الحجر من الأحجار الوطنية.

الشعوب القديمة كانت تعتبر أحجار الأوبال من الأحجار ذات القوة الخارقة، بدءاً من جلب العواصف والصواعق، ووصولاً إلى التسبب في الكوارث والمآسي

في العالم، حتى أطلق عليها عاصمة أوبال العالم.

وبحسب مجلة Smithsonian Magazine الأمريكية، فإنّ غالبية سكان البلدة كانوا يهجرونها بسبب ارتفاع درجات الحرارة الكبيرة، التي قد تجاوزت 50 درجة مئوية.

ولكن مع هذا الاكتشاف الجديد اتّجه السكان المتبقون للعمل في صناعة الأوبال، وإيجاد طرق لتخفيف الحرارة عن طريق إنشاء منازل تحت الأرض.

اليوم بإمكانك رؤية مجتمع كامل هناك، يضم مناجم ومتاحف وكنائس، حتى إنّ نصف غرف فندق Desert Cave تحت الأرض، ما يتيح للضيوف والسياح تجربة الحياة تحت السطح.

iStock/ بلدة كوبر بيدي الأستراليّة
iStock/ بلدة كوبر بيدي الأستراليّة

سكان الأنفاق في أمريكا ورومانيا

وبعيداً عن العيش تحت الأرض في العصور القديمة، ففي القرنين الأخيرين وجد العديد من البشر المهمشين والمشردين من البنية التحتية المهجورة للمدن المعاصرة ملاذاً يقيمون فيه.

ففي نيويورك الأمريكية يعيش أكثر من 1000 شخص مشرد داخل الأنفاق الواقعة تحت مدينة نيويورك، وهو رقمٌ أقل بكثير من أعداد المشردين الذين عاشوا في تلك الأنفاق خلال الثمانينيات.

أما في مدينة لاس فيغاس فيعيش أيضاً العديد من المشردين في محطة مترو الأنفاق تحت المدينة، لكنّ معظم هؤلاء السكان هم من العاطلين عن العمل ومدمني المخدرات وألعاب القمار.

في حين يوجد بعض الأشخاص الذين قرروا العيش هناك بمحض إرادتهم، مثل شخص يُدعى جون أيتشيسون، قال لصحيفة The Guardian إنّ لديه وظيفة يعمل بها، وبإمكانه استئجار منزل فوق الأرض، لكنّ راتبه سيذهب إلى الإيجار والطعام وفواتير الكهرباء والمياه، وبالتالي فإنه لن يستطيع ادخار أي سنت واحد من عمله.

وفي العاصمة الرومانية بوخارست لا يختلف الأمر كثيراً، إذ إنّ هناك المئات من الشباب والأطفال الذين نسيهم المجتمع الروماني، يعيشون في وضع مأساوي أسفل بوخارست.

ويقود هذه المدينة السفلية رجل يطلق على نفسه اسم "بروس لي"، بسبب ولعه بقتال الشوارع، ويصف نفسه بأنه المسؤول عن الشباب والأطفال الذين يعيشون معه في الأنفاق الحارة والضيقة، وبأنه يقدم لهم الأدوية بشكل دائم، لاسيما أنّ مرضى السل وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) ينتشرون بكثرة هناك، وفقاً لما ذكره موقع The Modern Rogue.

ووصل الشباب إلى أنفاق بوخارست نتيجة إغلاق الحكومة دور الأيتام في العام 1989، وإلقاء جميع الأطفال في الشوارع، ليجدوا أنفسهم داخل هذا المجتمع الجديد.

هل سنقوم ببناء المنازل إلى الأسفل بدلاً من الأعلى؟

لا شكَّ أنّ جميعنا ندرك أننا لا نصلح للحياة تحت الأرض، فمن النواحي البيولوجية والنفسية أجسامنا ليست مصممةً للحياة تحت الأرض، ولكن مع ذلك تبقى هذه الفطرة مطروحة للتنفيذ مستقبلاً.

في حين لم يتبيّن حتى الآن إن كانت الحياة تحت سطح الأرض لها آثارها النفسية السلبية على الإنسان، ما دامت توافقت الإضاءة، ومساحات الغرف، وارتفاع السقف، وغيرها من العوامل المادية مع نظيرتها فوق سطح الأرض.

فعلى سبيل المثال، يمكن لتقنية مثل lightwells أو ينابيع الضوء أن تسمح بوصول ضوء الشمس الطبيعي لإضاءة المساحات الموجودة تحت الأرض باستخدام مواد مثل الطلاء العاكس، ما من شأنه تقليل الاكتئاب الناجم عن قلة ضوء الشمس.

أخيراً، يبدو أننا على مشارف حقبة "منازل تحت الأرض" التي لم تعُد مجرد فكرة، لكنّ التحدي بكل تأكيد سيكمن في طريقة إقناع الناس بالانتقال إلى هناك.

تحميل المزيد