السبت, 19 يناير 2019

  صحيح أن وسائل التكنولوجيا سيطرت على الحياة بالكامل، لكن لا يمكن أن تحلّ محلَّ البشر في هذه المجالات

عربي بوست، ترجمة

على الرغم من الغزو الإلكتروني الذي اجتاح أغلب مهن العالم، إلا أن العنصر البشري لا يمكن التغافل أو التغاضي عن دوره رغم الأخطاء التي يقع فيها بنو البشر إلا أنهم الأكثر أماناً ومرونة أيضا، ولا يمكن أن يحل شيء ما محله.

إليزابيث برو الباحثة بمركز تحليل السياسات الأوروبية في واشنطن، اعتبرت أن العنصر البشري مما بدرَ منه من الأخطاء يظل الركيزة الأساسية لأي مجتمع ولا يمكن أن يحل محله العنصر الإلكتروني رغم التفوق الذي يتميز به الأخير إلا أنهم هو الأهم.

وقالت برو في مقال بمجلة Foreign Policy الأمريكية إن جمع وقراءة مخطط جرد ورقي، معرفة المكان الذي يمكن إيجاد البضائع فيه داخل المستودع، تحديد اتجاهاتك بمساعدة الشمس والنجوم. جميع هذه المهارات ليست صعبة، ومنذ جيل مضى كان معظم الناس لديهم واحدة أو أكثر منها. كانت الخدمات الأساسية للمجتمع توفير الطعام والطاقة، مثلاً، أو النقل أو الخدمات المصرفية تعمل بسلاسة، وإن كانت ببطء. وقد أدى استبدال الوسائل الرقمية بها إلى تسريع الأمور، لكنه أيضاً جعلها هشة للغاية، فالمجتمعات الحديثة بحاجةٍ إلى دعمٍ بشري.

وأضافت على الرغم من أنَّ الغربيين ليسوا أقل موهبة في ما يخص المهارات العملية، مما كان عليه أقرانهم منذ ثلاثين عاماً، فإنَّ الأتمتة أو ما يعرف بـ (التشغيل الآلي) تعني أنَّ معظم الناس ليس مطلوباً منهم إتقان هذه المهارات. قال دانيال جونسون، مدير الأبحاث بقسم التحليل الدفاعي التابع لوكالة أبحاث الدفاع السويدية: «نحن في خضم سلسلةٍ متعاقبة تقود إلى الأتمتة الكاملة لأنَّ الناس لا يثقون بالعامل البشري بشكلٍ كامل. لكنَّ ذلك جعلنا أيضاً أكثر سلبية في الأمن. لا يمكننا حتى تبديل شمعة الإشعال في سياراتنا لأنَّ غطاء المحرك لا يفتح».

الدور الكبير للأجهزة أمر منطقي.. ولكن

إنَّ إزالة البشر –البطيئين وغير الموثوقين في كثيرٍ من الأحيان كما هو الحال– من أكبر عدد ممكن من العمليات أمرٌ منطقي من وجهة نظر الأعمال. فالآلات تستطيع تفريغ حمولة السفن وإجراء عمليات الجرد بشكلٍ أسرع، وأكفأ، وأكثر أماناً. إذ لا مجال للقلق من نسيان أحدهم أو الوصول متأخراً أو المرور بيومٍ سيئ. ولا ينتهي تسلسل الأتمتة هذا. بالعكس: فبحسب تقرير صادر من معهد ماكينزي العالمي، فثمة 800 مليون وظيفة أخرى يمكن فقدانها لصالح الآلات بحلول عام 2030.

لكنَّ الحماس للأتمتة يمكن أن يتجاوز البراغماتية. فأعمالٌ مثل قيادة الشاحنات، التي لا تزال تعاني من نقصٍ حاد في العمال البشريين الضروريين للغاية، لا تشهد ارتفاعاً في الأجور إلى المستويات المطلوبة، ويرجع ذلك جزئياً لأنَّ هذه الصناعة تراهن بشكلٍ كبير على السيارات ذاتية القيادة، وهي تكنولوجيا قد لا تعمل على الإطلاق. علاوة على أنَّ الماكينات لا تؤدي دائماً المهمة بشكل أفضل، كما يعرف ذلك جيداً أيُّ شخصٍ حاول التبضُّع بالخدمة الذاتية في المتاجر الكبيرة أو جَرَّبَ الغضب الناتج من استخدام خط المساعدة الآلي. أحياناً ما تكون هذه الماكينات أكثر جاذبية للرؤساء فحسب، لا المستخدمين، بحسب المقال.

ومن وجهة نظر أمنية، فإنَّ للأتمتة عيوباً أعمق. فمن قبيل المفارقة أنَّ الآلات أكثر هشاشة بكثير من البشر، إذ لا تستطيع الارتجال. وليست لديها عيون لتحديد المشكلات بنفسها. وما لم تُعطَ هذه الآلات تعليمات محددة للغاية، فإنها لا تستطيع التعرُّف على الأوامر الضارة بوضوح أو الأوامر المتناقضة. ترتكب الآلات أخطاءً أقل من البشر، لكن بإمكانها ارتكاب الأخطاء على نطاقٍ أكثر ضرراً بكثير. ومع سحب الموظفين البشريين من البنية التحتية المهمة والمُخصَّخصة مثل الموانئ والخدمات اللوجستية بسبب منطق الأعمال، فإنَّ هذه المواقع تصبح أكثر هشاشة.

ومع أنَّ هذا هو عصر الأتمتة، فإنه أيضاً عصر التوترات الجيوسياسية الجديدة التي أدت فيه الأتمتة إلى خلق وسائل راحة جديدة، لكنها خلقت أيضاً مواطن ضعف كثيرة. ففي العالم المتقدم، تحل الحرب الهجينة (المعروفة أيضاً باسم حرب المناطق الرمادية أو حرب العتبة) محل حروب الغزو الإقليمي التي هيمنت على العلاقات بين الدول منذ أمد بعيد. وكما تظهر روسيا، بمهارة كبيرة، فإنَّ بلداً ما يستطيع الإضرار بخصومه دون عبور جندي واحد للحدود.

إذ يستطيع المهاجم، من خلال اختراق شبكة الكهرباء، إحداث الفوضى سريعاً في البلد المستهدف. وليس اضطرار السكان إلى العيش في الظلام والبرد سوى الخطوة الأولى فحسب. فدون كهرباء، لا يمكن للمحلات تشغيل ثلاجاتها أو ماكينات الخروج. ولا تستطيع السكك الحديدية تشغيل القطارات، وبالنظر إلى أنَّ محطات الغاز تعتمد هي الأخرى على الكهرباء، فإنَّ التبديل إلى السيارات والحافلات ليس خياراً أيضاً. ومن شأن توقف شبكة الإنترنت أن يكون ذا عواقب مدمرة هو أيضاً. أما السكان الذين لن يصبحوا فجأة قادرين على استخدام هواتفهم الذكية، فليسوا سوى أكثر النتائج ظهوراً. تخيَّل حشوداً من الناس تتظاهر ضد الحكومة لفشلها في حمايتهم من خصمٍ ما، أو زبائن غير قادرين على استخدام بطاقاتهم الائتمانية يقتحمون البنوك، ليكتشفوا أنَّ عدداً قليلاً فحسب من العملاء قادرون على الحصول على النقد، بحسب المجلة الأمريكية.

العواصف قد تدمر البنية التحتية بالكامل

وبحسب المقال بل إنَّ هذا لا يتطلَّب حتى وجود فاعل عدواني. ففي عالم من التغير المناخي، تصبح احتمالية تعرُّض البنية التحتية الهشة إلى العواصف أو التسونامي أو الأعاصير أعلى (الأسبوع الجاري، ضربت عاصفة سفينة شحن ذات سعة تحميل تقدر بـ19 ألف حاوية، قبالة ساحل ألمانيا وهولندا، فسقطت من السفينة 270 حاوية، بعضها يحتوي على مواد خطرة، والكثير منها وصل إلى الساحل). وعندما تحل الكوارث، من أيِّ نوعٍ كانت، فإنَّ الارتجال والمهارات العملية، والدعم المتبادل تكون أموراً حيوية للبقاء. وإنَّ سكاناً فقدوا هذه الأمور يعدون من العوائق لا من الأصول.

وليس من المحتم أن تكون الأمور كذلك. فدون مساهمات السكان المدنيين، من المرجح أنَّ بريطانيا ما كان لها أن تنتصر في الحرب العالمية الثانية. ففي شهر مايو/أيار 1940، قبيل بدء الحرب الجوية بشكل جدي، سأل أحد أعضاء البرلمان وزير الغذاء حديث السن، روبرت بوثباي، عمَّا إذا كان «على علمٍ بأنَّ أعداداً كبيرة من الناس سوف تتنازل عن أخذ حصصهم من السكر والزبد إذا طُلِبَ منهم ذلك». فرد بوثباي بالقول إنه «يدرك جيداً مدى استعداد الجماهير لتقديم مثل هذه التضحية للمصلحة العامة، وفي حال اقتضت الضرورة فإنَّ صديقي النبيل لن يتردد في تقديم مثل هذا الطلب ضمن الإطار الذي اقترحه صديقي المحترم الهمام. لقد تم التأكيد مراراً على الحاجة إلى اقتصاد صارم في استخدام المواد الغذائية بشكل عام وتجنب التبديد». وخلال الحرب ذاتها، ذهبت السويد إلى أبعد من ذلك. إذ لما أدركت أنَّ قواتها المسلحة لن تكون في مستوى ألمانيا النازية في حال قرر أدولف هتلر غزوها، قدمت البلاد جهداً يشمل المجتمع بأسره أُطلِقَ عليه اسم «الدفاع الكامل» بقي على حاله حتى نهاية الحرب الباردة. كان لكل بالغ دور يؤديه في الدفاع القومي، حتى لو كان الاضطلاع بهذا الدور لا يعني أكثر من ترشيد الاستهلاك.

الحرب الهجينة مختلفة بالتأكيد عن الحرب العالمية الثانية

وبحسب المقال مما لا شك فيه أنَّ الحرب الهجينة مختلفةٌ تماماً عن الحرب العالمية الثانية. لكن يمكن للسكان أن يصبحوا من مصادر الأمن القومي مرة أخرى. في الحقيقة، فإنَّ البشر لا يُقدَّرون بثمن بوصفهم يشكِّلون دعماً للأدوات المُعقَّدة. وقد عرفت القوات المسلحة بالفعل هذا القدر. فالبحرية الأمريكية، على سبيل المثال، أعادت تقديم الملاحة السماوية. فما يفتقر إليه البشر في السرعة، يعوِّضونه في المرونة. (ومن الشهير أنَّ مهارات الملاحة المستندة إلى النجوم قد أدت الغرض للملوك الثلاثة الذين كانوا يبحثون عن وليدٍ جديد منذ 2018 عام مضى). وسوف يكون من الصعوبة التشويش التام على أسطول بحري يعتمد على التوجيه السماوي للبحارة –لكن من الممكن تماماً لأيِّ معتدٍ أن يتدخَّل في إشارات نظام التموضع العالمي (GPS). والواقع أنَّ معظم القوات المسلحة للبلدان المتقدمة مدربة على العمل حتى في الحالات التي تفشل فيها جميع الآلات. بل إنَّ الكثير من الجنود مدربون على قتل الحيوانات البرية في حال تعطلت إمداداتهم الغذائية.

ومن الواضح أنَّ إتقان مهارات البقاء في الغابة أمر لا يمكن طلبه من معظم المواطنين وسوف يكون أمراً غير ضروري على أية حال. لكن كما تعرف القوات المسلحة، فإنَّ عدم وجود دعم للآلات ليس خياراً هو الآخر. إذ يقول مارك هاغيروت، الضابط المتقاعد بالبحرية الأمريكية الذي يشغل الآن منصب مستشار نظام جامعة نورث داكوتا: «في عصر الحرب السيبرانية المصحوبة بتحرك سريع للذكاء الاصطناعي والآلات الرقمية، فنحن أمام أزمة محتملة. نحن بحاجة إلى أنظمة قديمة احتياطية، إذا كانت مثل هذه الأنظمة لا تزال موجودة».

البحث عن خطط مرنة

وبحسب المقال لكنَّ هذه الأنظمة لم تعد موجودة في الكثير من الحالات، أو أنها باهظة الثمن بشكل لا يمكن معه إحياؤها. لكنَّ النسخ الاحتياطية البسيطة ممكنة. وقال جونسون: «يمكننا تدريب الناس على تشغيل قوائم الجرد اليدوية». ورد هاغيروت بالقول إنَّ مشغلي البنية التحتية الحرجة، مثل الطاقة والمواصلات وشركات الغذاء، ينبغي أن تُطلب منهم خطط مرنة في حالة حدوث خلل ما.

ومع أنَّ حلف شمال الأطلسي (الناتو) لديه متطلبات أساسية تتعلق بالمرونة، فإنَّ الكثير من الدول الأعضاء فيه ودول أخرى متقدمة تفتقر إلى تشريعات تطلب من الشركات الخاصة تشغيل أنظمة دعم. ولا تقتصر أهمية هذا الأمر على المدنيين فحسب وإنما على القوات المسلحة أيضاً. فـ 90% من النقل العسكري اليوم تقدمه شركات خاصة، كما هو الحال مع 40٪ من اتصالات الأقمار الصناعية العسكرية. سوف يكون البشر الذين لديهم قوائم جرد ورقية، أو مجموعة من الخرائط الورقية أبطأ كثيراً من القوائم والخرائط الرقمية، وقد يرتكبون أخطاءً أيضاً، لكنهم أفضل بكثير من عدم وجود قوائم أو خرائط على الإطلاق.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
  صحيح أن وسائل التكنولوجيا سيطرت على الحياة بالكامل، لكن لا يمكن أن تحلّ محلَّ البشر في هذه المجالات

قصص ذات صلة