نعيش عصر الحسد على الشبكات الاجتماعية بامتياز.. فكيف نتجنب هذا الشعور؟
الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018
منوعات

الكل يعيشون في "عصر الحسد" بسبب الشبكات الاجتماعية.. كيف تكون سعيداً عندما تبدو حياة الآخرين حولك رائعة؟

الحسد ألم ينتابنا لدى مشاهدة حظوظ الآخرين ونعمهم، فكيف نتجنبه؟ / Istock
عربي بوست، ترجمة

إننا نعيش عصر الحسد على الشبكات الاجتماعية بامتياز: حسد مهني، حسد على البنين والبنات، حسد على الأكل، حسد على عضلات الذراع المفتولة، أو على العطلات والرحلات والأسفار. الحسد لا ينتهي.

لطالما شعر البشر بذاك الشعور الذي عرّفه أرسطو في القرن الـ4 قبل الميلاد بأنه ألم ينتابنا لدى مشاهدة حظوظ الآخرين ونعمهم.

يغذيه فينا «أولئك الذين يملكون ما كان ينبغي أن نملكه نحن»، وذلك قبل ألف عام من إدراج الحسد على قائمة البابا غريغوري للخطايا السبع وسعي المسلمين للاكتفاء من شره بالدعاء والصلوات.

ولكن ظهور الشبكات الاجتماعية على الساحة، حسب رأي إيثان كروس، بروفيسور علم النفس بجامعة ميشيغان الذي درس أثر فيسبوك على صحتنا النفسية وراحة بالنا، جعل «الحسد يأخذ أبعاداً هائلة».

اللقطات المعدّلة بالفوتوشوب تترك أثراً غير لطيف إطلاقاً

فنحن على الدوام نتعرض لهجوم من صور مظاهر حياة الآخرين الملمعة والمعدلة بالفوتوشوب، «ما يترك فينا أثراً لم نسبق أن خبرنا له مثيلاً في تاريخ جنسنا، وليس الأمر لطيفاً أبداً».

تقول ريتشيل آندرو عالمة النفس السريري لصحيفة The Guardian إنها باتت ترى المزيد من حالات الحسد في غرفة استشارتها.

منهم أناس «لا يمكنهم تحقيق نمط المعيشة الذي يرغبون به ويرونه ملك الآخرين».

تقول إن استخدامنا لمنصات مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام وسناب تشات يضخم هذا التشويش النفسي المزعج جداً.

وتشرح قائلة: «أظن أن ما فعلته الشبكات الاجتماعية هو أنها جعلت الكل متاحاً للمقارنة. في الماضي لعل الناس كانوا لا يحسدون سوى جيرانهم، أما الآن بات في وسعنا مقارنة أنفسنا بالجميع حول العالم».

ويندي درايدن، أهم معالجي الأسلوب السلوكي المعرفي في المملكة المتحدة، يطلق على هذه الظاهرة اسم «التهاب المقارنة».

عندما تمس هذه الصور ما نتوق إليه، عندئذ تكتسب قوة هائلة

تمضي آندرو فتقول إن هذه المقارنات أصبحت الآن أقل واقعية بكثير، «فنحن جميعاً نعرف أن الصور قابلة للفلترة، وأن الناس يبرزون أفضل نواحي حياتهم».

وتعتبر أننا نحمل جهاز مكبر الحسد معنا في جيبنا وننام بجانبه على المخدة وهو يغرينا طوال 24 ساعة في النهار لحظة نستيقظ، حتى لو كان ذلك في منتصف الليل.

لاحظت آندرو وسط مرضاها أنه رغم علمهم بأن ما يرونه ليس إلا نسخة منقحة عن الواقع، فإن وعيهم بزيف الوسم #nofilter لا يشكل أبداً خط دفاع أمام القوة العاطفية للحسد.

تقول: «ما ألاحظه هو أن معظمنا قادر على فلسفة ما نراه على منصات التواصل الاجتماعي. فنحن نعرف أن هذه الصور والروايات المستعرضة أمامنا ليست حقيقية، وفي وسعنا التحدث عن ذلك وفلسفته بشكل عقلاني، أما على المستوى العاطفي فنحن مستثارون جداً».

وتضيف: «عندما تمس هذه الصور والروايات الأمور التي نتوق إليها والتي لا نملكها، عندئذ تكتسب قوة هائلة».

كلما طال الوقت تصفحاً كلما زاد الحسد على الشبكات الاجتماعية

ولاكتشاف دور الحسد في طريقة استخدامنا للشبكات الاجتماعية، صمم كروس وفريقه دراسة للوقوف على العلاقة بين الاستخدام السلبي لفيسبوك «أي مجرد المرور المتصفح بقصد التفرج» على حد تعبيره، وبين الحسد وتغيرات المزاج بين اللحظة والأخرى.

ضمن الدراسة يتلقى المشاركون رسائل نصية 5 مرات في اليوم طيلة أسبوعين.

تسألهم عن استخدامهم السلبي لفيسبوك منذ تسلمهم آخر رسالة وكيف يشعرون في تلك اللحظة.

يقول إن النتائج كانت مثيرة «فكلما طال الوقت الذي تمضيه في المرور والتصفح أثير لديك شعور الحسد، ما يتنبأ بالتالي بنوبات من المزاج السيئ تصيبك».

فلا أحد محصّن من هذا الشعور

ما من مجموعة عمرية ولا شريحة اجتماعية لديها حصانة من الحسد وفق ما تراه آندرو.

ففي غرفة استشاراتها ترى الشابات مهمومات بمظهرهن ويبدأن في تتبع حسابات معينة على إنستغرام بغية استمداد الإلهام لتسريحات الشعر أو تقنيات وضع المكياج.

وفي نهاية المطاف ينتهي بهن الأمر إلى الشعور بالحسد تجاه هؤلاء النسوة اللواتي يتبعن وإلى الشعور بالسوء تجاه أنفسهن.

حتى من هم أكبر سناً وأكثر حكمة

لكنها كذلك ترى النمط ذاته بين رجال ونساء أعمال أكبر سناً، يبدأ بهم الأمر عندما يبحثون عن استراتيجيات ونصائح على تويتر.

ثم يعانون لتقبل ما اكتشفوه، ألا وهو أن ثمة آخرين أكثر نجاحاً منهم.

تقول آندرو: «بالشكل نفسه قد يكون الأهل والأصحاب هم الذين يثيرون فينا مشاعر الحسد تلك إزاء المظهر ونمط المعيشة والوظيفة المهنية والأبوة والأمومة؛ لأنه دوماً يوجد من يبلي بلاء أحسن منا على الشبكات الاجتماعية».

وأحياناً قد نحسد أنفسنا فنشعر بالغربة

رغم أن الحسد يكفي لتدمير صاحبه، إلا أن عالمة النفس الاجتماعي المرموقة شيري تيركل تقول: «لدينا ما هو أدهى وأمرّ برأيي، فنحن ننظر إلى الحياة التي نسجناها على الإنترنت والتي لا نبرز فيها سوى خير ما لدينا».

وتعتبر أننا نشعر بخوف من التقصير تجاه حياتنا، «فنحن بعيدون عن الحياة التي نقول للآخرين إننا نعيشها، وننظر إلى ذاتنا وكأنها «لشخص آخر» فنشعر بالحسد تجاهها».

وهذا ما يخلق شعوراً بالغربة قوامه «حسد الذات» حسب رأيها، «فنشعر أننا لسنا حقيقيين والعجيب أننا نحسد الآفاتار الذي صنعناه لأنفسنا».

يرمق البعض الصور المفلترة المنحفة التي تُنشرا على وسم #OutfitOfTheDay (زي اليوم) ونشتهي أن يكون لنا ذاك الجسم.

نبصق الأزهار «القابلة للأكل» الخالية من الطعم التي تزين طبق الحبوب والفواكه المجففة بالحليب، فهي في الواقع ليست لذيذة أبداً مثلما نحاول إبرازها على وسم #foodgasm.

وبينما نحن مشغولون بإيجاد أفضل زاوية للكاميرا، تصبح الحياة أشبه بصدفة سلحفاة لا عيب فيها، لكنها خاوية القلب إلا من الحسد تجاه الآخرين وتجاه أنفسنا.

التعريف الآخر للحسد أنه كره وغلٌّ صافٍ

ثمة تعريف مختلف أكثر سوءاً لمفهوم الحسد، ففي رأي باتريشا بوليدري، المعالجة النفسية التحليلية ومؤلفة كتاب Envy in Everyday Life (الحسد في الحياة اليومية) فإن الكلمة ترمز إلى شيء شديد الخطورة قد يتخذ شكل الاستغلال العاطفي وأفعال العنف الإجرامية .

تقول: «الحسد هو رغبة بتدمير ما يملكه شخص آخر وليس مجرد الرغبة في أن تملكه أنت، وإنما هو أن ترغب في أن يخسره الآخرون».

وتوضح: «إنه قضية ذات جذور عميقة يشعر فيها الإنسان بالاستياء والحقد والضغينة الشديدة تجاه سعادة شخص آخر، سواء كانت مظهرهم أو منصبهم أو سيارتهم. إنه شعور صامت، مدمر، خفي. إنه غل صاف، كره صاف.»

وهو يبدأ في فترة الطفولة والعلاقة غير المشبّعة مع الأم

يُصعِّب هذا على الحسودين طلب المعونة وتلقيها؛ لأنهم يشعرون أنه من المستحيل أخذ شيء قيم من شخص آخر.

فالرغبة عارمة لديهم لتدمير كل خير لدى الآخرين بل وحتى في أنفسهم.

وتعتقد بوليدري أن الحسد ليس فطرة متأصلة، بل يبدأ بتجربة حرمان مبكر عندما لا تبني الأم علاقة متينة مع رضيعها، فلا يتغذى شعور هذا الطفل بتقدير الذات طيلة حياته.

وبصفته معالجاً سلوكياً إدراكياً فإن درايدن لا يكترث كثيراً بأصل أسباب الحسد الجذرية، بل يركز بدلاً من ذلك على ما يمكن فعله حياله.

عندما يتعلق الأمر بنوع الحسد الذي تثيره الشبكات الاجتماعية، حسب رأيه، فهناك عاملان يجعلان المرء أكثر عرضة له، ألا وهما قلة تقدير الذات والتحسس المفرط من الحرمان.

يصف الشعور الأخير عدم القدرة على تحمل عدم حصول الإنسان على ما يريده.

علّم طفلك أن عدم الحصول على ما يريد لا ينتقص من شخصيته

وللتغلب على ذلك، يقول درايدن، عليك التفكير بما قد تعلمه لطفلك، فالهدف هو تطوير فلسفة، طريقة أو أسلوب للوجود والعيش في العالم تتيح لك إدراك أن شخصاً آخر يملك ما تريده أنت.

وعليك أن تدرك كذلك أن بوسعك البقاء على قيد الحياة من دونه، وأن عدم امتلاكك له لا يقلل من قيمتك ولا ينتقص من شخصك.

لا تستخدم فيسبوك بطريقة سلبية فتراقب الآخرين وحسب

بإمكاننا كذلك تغيير طريقتنا المعتادة في استخدام الشبكات الاجتماعية.

يوضح كروس ذلك بالقول إنه في معظم الأحيان يستخدم الناس فيسبوك بشكل سلبي غير فاعل، وبشكل كسول خامل يقرأون فيه بدلاً من الكتابة والمشاركة والتراسل والتعليق.

يقول أيضاً: «الأمر مثير عندما ندرك أن الاستعمال السلبي هو الذي يعد أكثر إضراراً من الاستعمال الفاعل.

فالعلاقة بين الاستعمال السلبي وبين الشعور بالسوء قوية جداً ومستدل عليها من خلال البيانات الهائلة التي لدينا عن عشرات الآلاف من الناس».

ومع أن تأثير الاستعمال الفاعل على صحتنا النفسية وسعادتنا هو أقل وضوحاً، إلا أنه يبدو أن ثمة علاقة إيجابية صغيرة، حسبما يوضح كروس في استعمال فيسبوك للتواصل مع الآخرين والشعور بشعور أفضل.

لكن لعل على كل واحد منا التفكير بحذر أكبر عندما نستخدم الشبكات الاجتماعية بشكل فاعل.

ينبغي علينا التفكير ملياً في ما نحاول قوله وفي السبب من ورائه، وفي الإسهام الذي تسهمه معالجتنا لشخصيتنا الافتراضية على الإنترنت في عصر الحسد الذي نعيشه.

هل هناك داع أن يعرف الجميع شؤون حياتك الشخصية؟

من السهل تبرير نشر إعلان على تويتر بأن ذلك ضروري من أجل العمل، فهذه طريقة سريعة لنشر الخبر بين الزملاء والأقران.

ولكن عندما نطبع على لوحة المفاتيح هذه الكلمات «أخبار على الصعيد الشخصي» لنا أن نتوقف قليلاً ونسأل أنفسنا لماذا حقاً نفعل هذا الذي نفعله؟

الأصدقاء والعائلة والزملاء وكل من ينبغي أن يعلم سوف يعلم عما قريب، أما عندما تكون الأخبار شخصية جداً، فهل من الضرورة كشفها على الملأ ونشرها بصفة public؟

لعل تلميع شخصيتك التي تسوقها على الشبكات الاجتماعية أمر جيد لعملك، ولكن لهذا ثمن.

فكل هذا يخلق جواً يجعل التباهي –سواء الصريح المباشر منه أو المزيف المبطن- ليس مجرد أمر معتاد وحسب، بل شيئاً متوقعاً أيضاً، وهذا الجو هو خير بيئة للحسد كي ينمو ويتكاثر.

وهناك فرق بين المشاركة للتوعية والمشاركة للغرور

بالطبع إن نشر الوعي حول تجارب مدمرة سابقة مثل الإجهاض أو الاستغلال أو التحرش لقادرٌ على تحدي وصمة العار التي توصم بها هذه التجارب، وقادر على تغيير المجتمع.

أما المشاركات الحقيقية بشكل فيه حب للظهور والبروز والتي تدور حول الوعي أو عن الحزن أو صور السيلفي التي من دون مكياج، فهذه كلها وراءها هدفٌ هو إبراز صاحبها في أبهى هالة.

لا توجد إيجابيات للحسد، ولكنه قد يؤدي وظيفة في حياتنا على شكل تجربة عاطفية أقل تطرفاً وحِدة.

يفرق درايدن بين الحسد غير الصحي وبين النوع الصحي منه والذي يقول عنه إنه «قد يكون خلاقاً».

فمثلما الجوع يخبرنا أن علينا أن نأكل، شعور الحسد هو الآخر يخبرنا –إن نحن استمعنا إليه بالصورة الصحيحة- عن الأمور التي تنقصنا في حياتنا والتي تهمنا حقاً، حسبما يوضحه كروس.

تقول آندرو: «الموضوع هو في مسماه كشعور وفي معرفة هذا الشعور ومن ثم في عدم تفسيره سلباً أم إيجاباً، وإنما في محاولة فهم ما يخبرك أنك تريده.

فإن كان ذلك ممكن التحقيق، صار بوسعك اتخاذ خطوات مناسبة نحو تحقيقه. ولكن في الوقت نفسه اسأل نفسك: ما الذي يرضيك؟

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
الكل يعيشون في "عصر الحسد" بسبب الشبكات الاجتماعية.. كيف تكون سعيداً عندما تبدو حياة الآخرين حولك رائعة؟