قصر "الداي" ينفض عن نفسه آثار لعنة "المروحة"
الأربعاء, 14 نوفمبر 2018
منوعات

قصر "الداي" ينفض عن نفسه آثار لعنة "المروحة"

طالبوا فرنسا بأداء الديون التي عليها فاستغلتها فرصة لاستعمار الجزائر في 1830

عربي بوست، الأناضول

يخضع القصر العثماني «الداي»، الذي شهد حادثة «المروحة» الشهيرة التي اتُّخذت ذريعة لاحتلال فرنسا للجزائر، لعمليات ترميم من أجل استعادة هويته.

ويقع قصر «الداي» بالقصبة في الحي العثماني العتيق بعاصمة البلاد، حيث بُني في النصف الثاني من القرن الـ16، ليكون مقراً لإقامة آخر دايات (حكام) الجزائر حسين (1773-1838) إبان الفترة العثمانية في البلاد (1515-1830).

ويجري حالياً ترميم واسع لهذا القصر، الذي شهد حادثة «المروحة» (1827)، التي اتخذتها فرنسا حجة لاحتلال الجزائر، وذلك عندما استقبل الداي للقنصل الفرنسي شارل دوفال، وطالبه بتسديد الديون التي على عاتق فرنسا.

وتقول الروايات التاريخية إن القنصل الفرنسي رفض الطلب، بشكل دفع الداي إلى التلويح بمروحته على وجهه، فغضبت فرنسا وشنّت حملة عسكرية على البلاد.

واحتلت فرنسا الجزائر في 5 يوليو/تموز 1830، لكن حصار السواحل الجزائرية كان قد بدأ في 14 يونيو/حزيران 1827.

حصار السواحل الجزائرية من قبل السفن الحربية الفرنسية بدأ في 14 يونيو/حزيران 1827

«الداي» تحت الترميم

ويخضع حالياً قصر «الداي» -أو «قلعة الجزائر» كما يُسمى- لعمليات ترميم يقوم بها خبراء جزائريون، تحت إشراف محافظة الجزائر العاصمة، حسب تصريح عبد الوهاب زقاغ، مدير الديوان الجزائري لاستغلال الممتلكات الثقافية.

وانطلقت عمليات الترميم في شهر يوليو/تموز 2017، ويُرتقب أن تنتهي بعد 3 سنوات، «الأشغال متقدمة، ويرجَّح أن تُفتح بعض أجزاء القصر بعد أشهر قليلة؛ لأنّ هذه القلعة شاسعة جداً، وتعدّ أكبر مَعلم عثماني في العاصمة»، يضيف المسؤول.

ولفت إلى أنّ الترميم يقوم به خبراء جزائريون، ويشرف عليهم مكتب دراسات جزائري تابع لمحافظة العاصمة.

ويضم القصر، الذي صنَّفته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) ضمن قائمة التراث العالمي المحمي، قاعة وسطى مزيَّنة بنافورة من رخام، وجناحاً خشبياً صغيراً يُعرف بجناح «حادثة المروحة»، ومطابخ وحماماً، وقاعة للموسيقى، وجناح «الحريم»، وقاعة ديوان الحكم، ومخزناً للأسلحة.

وتمزج القلعة، التي تحتل مساحة تقدَّر بـ4500 متر مربع، بين الطراز المعماري الأندلسي والتركي والفارسي والأوروبي، كما تظهر اللمسة الموظفة للموريسكيين، الذين هجروا الأندلس قسراً عام 1610، في الخزف التونسي، بحسب مراجع تاريخية.

أين وقعت حادثة المروحة؟

انطلقت عمليات الترميم في 2017، ويُرتقب أن تنتهي بعد 3 سنوات

وتتضارب الروايات بشأن مكان وقوع حادثة «المروحة»؛ هل في قصر «الداي» أم بمكان آخر في قصبة الجزائر، لكن أغلب الروايات ترجح أنها وقعت بهذا القصر.

المؤرخ محمد عباس يرى أن مكان حادثة المروحة يحتاج إلى تدقيق وبحث، «لا يمكنني الإجابة، صراحة؛ بل وجب أن أدقق في هذه الأمور».

بدوره، أقر المؤرخ محمد قورصو بأنّ «هذه القضية تتطلب دراسة ميدانية وإعادة إحياء الموضوع مجدداً».

وأشار قورصو إلى أنّ «هذه المسألة يتم التعرّض لها من دون بحث معمق، والبحث فيها يستدعي فتح الأرشيف العثماني بالموازاة مع العودة أيضاً إلى ما ورد في الكتابات الفرنسية والأرشيف الخاص بالقنصل دوفال».

وشدد على أنّ «القضية تتطلّب قراءة جديدة بفتح الأرشيف، وقراءة المصادر التاريخية الجديدة وإخضاعها للتحليل وليس قراءتها كرونولوجياً».

وقال إن «حادثة المروحة تم الاعتماد عليها كمسألة أساسية للاحتلال، في حين أن المشروع أُعِدّ له منذ العشرية الأولى من القرن الـ19 (بين 1812 و1817). وفي 1827، كانت المواجهة الأولى بين فرنسا والجزائر».

وكانت المروحة سبباً من بين الأسباب المختلفة، وروَّجت لها المصادر الفرنسية على أنّها إهانة، ولكنّ الإهانة الفعلية هي رفض فرنسا تسديد ديونها، يضيف المؤرخ.

كانت سبباً فقط..

في المقابل، أكد الدكتور والباحث الجزائري المتخصص بالحقبة العثمانية أرزقي شويتم، أنّ حادثة المروحة وقعت بقصر الداي، حيث اشتغل سنواتٍ على القصة ويملك وثائق في الموضوع.

ويشرح الباحث أن قصر الداي كان يقع في «الجنينة» بالقرب من المسجد العثماني الشهير «كتشاوة». وفي 1817، قام الداي علي خوجة (1784-1818) بنقل مقر السلطة من الجنينة إلى قصر القصبة الجاري ترميمه حالياً، والذي اتخذه الداي حسين مقراً للسلطة حتى عام 1830.

وتم نقل مقر السلطة من القصبة السفلى إلى أعلى القصبة لأسباب أمنية بحتة؛ لكون قصر الجنينة الواقع أسفل القصبة محاطاً بالثكنات العسكرية الانكشارية (قوات مشاة من النخبة بالجيش العثماني)، وكلما وقعت اضطرابات يتعرض الداي لمحاولات اغتيال.

تمزج القلعة في 4500 متر مربع، بين الطراز المعماري الأندلسي والتركي والفارسي والأوروبي

وفي المقر الجديد بالقصر كان الداي حسين يستقبل الوفود، ومنهم القنصل الفرنسي بيار دوفال، بمناسبة تقديم تهاني العيد (البيرم باللغة العثمانية) في 27 أبريل/نيسان 1827.

ويحكي المؤرخ شويتم أن الداي سأل قنصل فرنسا عن مصير الرسائل التي وجهها إلى الملك شارل العاشر، يسأل فيها عن الديون، فأجابه القنصل بأنّ الملك لا يهتم بهذه الرسائل، وهو مشغول بأمور أخرى.

الجواب كان فيه نوع من الاحتقار، دفع الداي حسين إلى التلويح بمروحته في وجه القنصل الفرنسي.

بعثات التجسس الفرنسية كانت بهدف الإعداد لشن حملة واحتلال للبلاد

بدوره، أوضح المؤرخ الجزائري ناصر لمجد، أنّ مكان حادثة المروحة هو قصر الداي؛ لأنّ الداي حسين استقبل القنصل الفرنسي في قصره، وأكد بالمقابل أنها كانت مجرد سبب، «فرنسا كانت تبحث عن السبب فقط لاحتلال بلادنا».

وحسب المؤرخ، فإنه لو لم تكن حادثة المروحة لكان هناك سبب آخر، فالبعثات الاستكشافية والاستشراقية للتجسس والتعرف على الطبيعة الجزائرية كانت قبل حادثة المروحة في 1827، بهدف الإعداد لشن حملة واحتلال للبلاد.

 

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
قصر "الداي" ينفض عن نفسه آثار لعنة "المروحة"

قصص ذات صلة