حلموا باللعب في تشيلسي فوجدوا أنفسهم في نيبال.. وهْم الدوري الإنكليزي الذي بِيعَ للأفارقة اليافعين
الثلاثاء, 21 أغسطس 2018
منوعات

حلموا باللعب في تشيلسي فوجدوا أنفسهم في نيبال.. وهْم الدوري الإنكليزي الذي بِيعَ للأفارقة اليافعين

عربي بوست  

 في قبو بارد بإحدى الضواحي الجنوبية لكاتماندوا (عاصمة نيبال)، كان أبو بكر سيدي بي يجلس على حصيرة ذات طبقة سميكة يشاهد مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز على هاتفه، ومن نافذة ضيقة وراءه يمكن رؤية جبال الهيمالايا الشاهقة المغطاة بالثلوج.

لم يسمع عن نيبال من قبلُ، لكن -وكحال آلاف اليافعين في مالي المتيَّمين بكرة القدم- حلم «سيدي بي» باللعب لنادي تشيلسي يوماً ما؛ لذا عندما عرض عليه مدربٌ توقيعَ عقدٍ مع نادٍ هندي، قائلاً له إنَّها خطوةٌ للانتقال إلى أحد الأندية الأوروبية، اغتنم الفرصة على الفور.

لم يكن مهماً حينها أنَّ عمره لم يتجاوز 17 عاماً، أو أنَّ عليه دفع أكثر من 3650 دولاراً. فقد بدا أنَّ ذلك مبلغ مقبول لبدء مسيرته في كرة القدم. وبعد مرور أسابيع، لعب «سيدي بي» بالفعل خارج بلاده، لكنَّه لم يكن قريباً من ستامفورد بريدج؛ بل وجد نفسه يركل كرة قدم ممزقةً في ملعب يملؤه الغبار ببلدٍ لم يسمع به قَط قبل ذلك: نيبال.

ملاحقة الحلم الكروي

عندما وصل «سيدي بي» إلى هناك، لم يكن الأمر كما وصفه له المدرب على الإطلاق، وحينما يتصل به يُكرر على مسامعه: «سيكون كل شيء على ما يرام»، لكنَّ الأمور لم تصبح كذلك قَط، «أنا أكرهه؛ لقد خدعني»، يقول الشاب بحنقٍ دون أن يرفع عينيه عن شاشة هاتفه.

نيبال ليست وِجهةً مهمة للاعبين الطامحين إلى بدء مسار دولي. الاتحاد الدولي لكرة القدم يصنفها في المرتبة الـ162 من أصل 207 دول، ولكنَّ سياسة دخول الأجانب هناك تسمح لأي شخص من أي دولة تقريباً بالحصول على تأشيرة فور الوصول إليها.

تدفَّق الشباب باستمرار من غرب إفريقيا بأعدادٍ قليلة إلى نيبال كما جاء في تقرير لصحيفة The Guardian، آملين أن تكون تلك خطوتهم الأولى على طريق الشهرة في عالم كرة القدم. عشرات من اللاعبين الأفارقة، اليافعين مثل «سيدي بي»، يطاردون أحلامهم الكروية في أبعد مناطق العالم.

وفي عام 2017، دخل نيبال أكثر من 100 شخص من مالي وساحل العاج وبوركينا فاسو وغينيا وبنين وتوغو، دفع بعضهم تكاليف السفر في أثناء الرحلة، لكنَّ معظمهم -نحو 80% وفقاً لما ذكره اللاعبون- دفعوا آلاف الدولارات لشبكةٍ غامضة من «الوكلاء» في كلٍ من إفريقيا ونيبال.

وُعِد هؤلاء بفرصة للعب بدوري كرة القدم في نيبال، وهو عرض يشمل نادياً وعقداً وتصريحاً بالعمل. ولكن عند وصولهم، اكتشفوا أنَّهم خُدِعُوا.

جُمِّدَ نشاط كرة القدم في نيبال بالكامل تقريباً خلال السنوات الثلاث الماضية. توقَّف في البداية بسبب زلزال عام 2015، الذي أدى إلى إلحاق الأضرار بالملعب الوطني، ثم تأجل النشاط مراراً بسبب سوء الإدارة والنزاع بين الجهات المختلفة التابعة لاتحاد نيبال لكرة القدم.

إندرا مان تولادار، الأمين العام لاتحاد نيبال لكرة القدم يدرك تماماً أنَّ الأفارقة يأتون إلى البلد، ويعتبر أنه في حال إذا ما دعت النوادي النيبالية الأجانب، فعليهم اتباع القواعد؛ «إصدار بطاقة دولية للاعب واستخراج تأشيرة صالحة»، لكنَّ أغلب الأفارقة لم يتلقوا أي دعوة ولا يرتبطون بأي فريق.

عالقون في الجحيم

من دون عقد ولعْب بانتظام في الدوري، يكافح العديد من الشباب الأفارقة لتغطية نفقاتهم. فأي شيء يجنونه يذهب للطعام والإيجار وتمديد تأشيراتهم، «سيدي بي» كان يجني في مالي أكثر مما يجنيه الآن، ويحاول الخروج من مأزق نيبال واللعب في بلدٍ آخر.

لكنَّ هذا ليس بالأمر السهل، كحال جميع لاعبي غرب إفريقيا تقريباً، اشترى «سيدي بي» تذكرة ذهاب فقط. ومن دون المال الكافي للعيش في البلاد، أو لشراء تذكرة عودة إلى الوطن، سيبقى محاصَراً هناك.. شعور الإحباط صار يلازمه، «لا بد لي من سداد ديوني. أنا محبَط للغاية… ليس لدينا ما يكفي من الطعام. وفي الليل نستلقي على أَسرَّتنا بلا نوم».

يتقاسم «سيدي بي» القبو مع 5 لاعبين آخرين من غرب إفريقيا. ولأن الشقة بلا أثاث، يجلسون على أرضية خرسانية أو يتمددون على أوعية مقلوبة بالمطبخ، معهم كاندي سيدي بي، شاب من مالي دفع آلاف الدولارات للمدرب نفسه، يعبِّر عن مزاج الجميع في القبو فيقول: «أنا نادم حقاً على القدوم إلى هنا… لقد لعبت 4 أو 5 مباريات فقط خلال 5 أشهر … نحن نعاني هنا؛ فالوضع صعب للغاية».

لا شيء يحيي في نفوسهم الأمل سوى الحديث عن كرة القدم، فتحمى نقاشاتهم عن الفريق المرشح للفوز بكأس العالم، ويراهن أغلبهم على المنتخب البرازيلي أو الألماني، ولا يرى أيٌ منهم للمنتخب الإنكليزي فرصة لنيل اللقب.

داي ليكبايسايرا شاب من ساحل العاج، حلم هو الآخر باللعب مع فرق كبرى في أوروبا، ظن أن المدربين الأوروبيين يقصدون آسيا لاستكشاف المواهب، فجاء إلى نيبال ليحظى بهذه الفرصة، «إذا رأوا أنَّ لدينا موهبة، فسيخبرون الآخرين».

تحوَّلوا إلى مرتزقة

داي ورفاقه وبينما هم ينتظرون أن يكتشفهم أحد، ليست لديهم سوى طريقة واحدة لكسب المال؛ وهي جوب البلاد للعب في بطولاتٍ بنظام إقصاء المهزوم نظير مقابل زهيد يبلغ نحو 25 دولاراً فقط للمباراة، وهي طريقة مرهقة للغاية.

ليو مبالا، لاعب كرة قدم من الكاميرون يعيش بغرفةٍ صغيرة على الجانب الآخر من كاتماندو، ينتهي من مباراةٍ في الساعة 6 مساءً، ثم يستقل الحافلة الليلية إلى الجانب الآخر من البلاد، للعب مرةً أخرى في الساعة 3 مساءً، وإذا خسر بالجولة الأولى يخرج من البطولة؛ لذا يدعو بالفوز في المباراة الأولى.

يجلس مبالا على بطانياتٍ تغطي أرضية خرسانية عارية في غرفةٍ تنتشر فيها أحذية كرة القدم، وتحوي وعاءً واحد لطبخ الأرز، أما المطبخ فهو مجرد صندوق من الخضراوات، في حين تُستخدم بطانية ومنشفة كستائر.

الشيء الوحيد الأسوأ من اللعب في البطولات هو عدم اللعب بها. فحتى يتمكن الشباب الأفارقة من اللعب يحتاجون عادةً إلى توصيةٍ نيبالية، ويتعين عليهم الدفع للحصول عليها، إما مقدماً وإما بتسليم جزء من أرباح المباراة.

يطلب الوكلاء النيبالييون من مبالا مبلغ 250 دولاراً نظير التوصية، و»إذا لم تدفع، فلن تلعب»، كما يؤكد.

عصابات غير منظمة

«سيدي بي» ومبالا والآخرون، ضحايا شبكة غير رسمية من الوسطاء، تشمل «مدربين» في غرب إفريقيا، وأفارقة آخرين عاشوا في نيبال أو الهند سنوات. يختلقون الطرق لكسب المال من اللاعبين. حتى إنَّهم يأتون بأناس لا علاقة لهم بكرة القدم كما يؤكد مبالا، «فهم لا يفكرون فيمن يجلبونهم إلى هنا؛ بل يفكرون في أرباحهم فحسب».

وحالة فيليب أتاندا مثال على ذلك؛ إذ دفع الشاب، القادم من ساحل العاج، «مبلغاً كبيراً» لأحد المدربين ببلده ممن عاشوا سنواتٍ في نيبال. أقنعه بأنَّه سيكون هناك دوري، وسوف تتاح له فرصة للانضمام إلى فريق، ويمكنه جني الكثير من المال… لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

هم كالعصابات، لكن دون تنظيم -كما يصفهم جبريل كابور من بوركينا فاسو- يستغلون رغبة الجميع في ترك إفريقيا؛ لذا يسهل استغلال أحلامهم، «إنَّه شيء مؤلم حقاً؛ أن ترى الكثيرين من الأفارقة يعانون! يعلم الوكلاء الأفارقة في نيبال حقيقة الوضع هنا، فكيف لهم أن يفعلوا ذلك بإخوانهم؟!».

يرغب الجميع في الرحيل، لكنَّ أحداً لا يرغب في العودة إلى الوطن، وتلك حالة «سيدي بي»، الذي لا تعرف عائلته شيئاً عن وضعه في نيبال، استدان مبلغاً كبيراً ولا يُمكنه العودة خالي الوفاض، كما يؤكد، «الموت أهون عليّ من ذلك».

وبعد شهر، تراجع «سيدي بي» عن موقفه، فاتصل بعائلته وغادر نيبال. وبدلاً من العودة إلى الوطن، قرَّر الذهاب إلى المغرب، ليرى ما يحمله له القدر من حظ في ذلك البلد الإفريقي المطل على أوروبا. لكنَّ حلمه باللعب لنادي تشيلسي قد أصبح بعيد المنال.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
حلموا باللعب في تشيلسي فوجدوا أنفسهم في نيبال.. وهْم الدوري الإنكليزي الذي بِيعَ للأفارقة اليافعين