قصة الطفل "ظاهرة الشطرنج" في مدينة درنة الذي تحدى الحرب والحصار
الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018
منوعات

قصة الطفل "ظاهرة الشطرنج" في مدينة درنة الذي تحدى الحرب والحصار

فاز ببطولة إفريقيا في 11 من عمره

عبد العزيز الوصلي (طرابلس) عربي بوست  

بجسم مُمتلئ بعض الشيء وابتسامة لا تكاد تغادر محياه البريء، كان يوسف الحصادي غارقاً مع أصحابه في أجواء حماسية لمبارة كرة القدم التي يلعبونها في ملعب «زنقة الحبس» في مدينة درنة شرق ليبيا حيث تختلط روائح النعناع والحبق برائحة القهوة الدرناوية الشهيرة وأجواء الحصار وترقب هجوم قوات المشير خليفة حفتر.

كل شيء في طفل 12 كان عادياً ولا ينبأ بكل هذا الذكاء الذي يشتهر به في أنحاء المدينة، الفتى الذهبي، أو سيد الطاولة الأول، كما يطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي على يوسف ظاهرة الشطرنج التي برزت في زمن قياسي جداً وبالصدفة.

والده الشطرنجي الدولي السابق عبدالباسط الحصادي يحكي لـ»عربي بوست» أنه كان يدرب الابن الأكبر حينما كان يوسف في سن السادسة، جلس يراقبهم بصمت وسط الصالون ثم بدأ بطرح بعض الأسئلة التي تنم عن فضول كبير للعبة، وفي إحدى المرات تجرأ وطلب من والده أن يلعبا معاً «فاجأني حينها وتفوق علي وبشكل احترافي».. يومها عرف الأب أن موهبة جديدة ظهرت في الأسرة.

ظاهرة الشطرنج الليبي

بدأ اهتمام الوالد بالصبي الموهوب يكبر، ثم سجله في أولى مشاركاته الرسمية ببطولة ليبيا الفردية للشطرنج في المدينة الجارة طبرق، حينها لفت أصغر لاعبي البطولة انتباه كل المشاركين والمنظمين وحصد 5 نقاط من أصل 9 بين عدد من المصنفين ممن يفوقونه سناً وخبرة.

ليحصد بعد أقل من عام ذهبية بطولة ليبيا للناشئين عن فئة تحت سن الـ 10 سنوات بمدينة زليتن شرقي العاصمة طرابلس ويفوز في ذات العام 2013 بالترتيب الأول على مستوى المنطقة الشرقية ويتبعها بالميدالية البرونزية للبطولة العربية في جربة التونسية في مشاركته الدولية الأولى.

عبدالحميد الحصادي في نادي «دارنس» الرياضي كان من أوائل من احتضنوا يوسف الموهوب يتذكر كيف انطلق يوسف إلى جربة التونسية ثم إلى مطروح والاسكندرية بمصر، إلا أن براعة يوسف وطموحه واستحقاقه للرفع من تصنيفه الإفريقي والدولي عجز النادي عن مجاراته بسبب ظروف حصار المدينة.

عدم وجود أندية في الفئة العمرية ليوسف في النطاق الجغرافي وكذلك العناصر والكفاءات التدريبية أجبر والد يوسف على نقله إلى نادي مختص في لعبة الشطرنج بالإسكندرية (الحوار) لتمثيل النادي في البطولات بمصر واكتساب الخبرة وهو ما تحقق فعلاً حين فاز يوسف في سن 11 سنة ببطولة «الخياري للشطرنج الكلاسيكي» بمصر عن فئة الناشئين على حساب بطل العرب المصري يوسف ياشين ليحتفظ الموهوب الليبي باللقب لعامين متتالين.  

غياب دعم أم سوء تنسيق

غياب الدعم، الذي يشتكي منه والد يوسف، لم يكن مقتصراً على نادي المدينة التي تعاني الحرب والحصار منذ سنوات، فالاتحاد الليبي للشطرنج يعمل دون ميزانية منذ أول 2015 كما يخبرنا رئيسه المكلف فوزي بورجعه «لا أعضاء الاتحاد ولا الحكام تقاضوا شيئاً من رواتبهم لأكثر من عامين».

بورجعه يعتبر تبعيتهم للاتحاد الدولي للعبة دوناً عن اللجنة الأولمبية الليبية بسوء الحظ الذي ضيع عليهم كل فرصة في تلقي الدعم المادي من مؤسسات الدولة، كون الشطرنج لا يصنف ضمن الألعاب الأولمبية، مما يهدد مشاركة ليبيا في بطولة العالم في جورجيا مطلع سبتمبر\أيلول القادم.

منافسات سيغيب عنها حتماً يوسف بسبب عدم مشاركته في التصفيات التي احتضنتها مدينة شحات\ قورينا الأثرية واختيرت على ضوئها عناصر المنتخب الليبي للشطرنج.

والد يوسف يعتبر ما حدث ظلماً صارخاً في حق ابنه بطل إفريقيا والعرب ويحمل لقب أستاذ دولي في اللعبة FM ومن «غير المنطقي أن يطلب منه في كل مرة خوض التصفيات مع الناشئين المبتدئين».

وطالب الاتحاد بمراعاة ظروف يوسف ودراسته التي تسببت في ابتعاده عن المشاركة قرابة الـ 6 أشهر، إضافة إلى ما تمر به المدينة من ظروف أمنية ومعيشية صعبة.

رئيس اتحاد الشطرنج المكلف من جهته يرى أنه من غير المنطقي أن يدعم الاتحاد لاعباً لا يشارك في بطولاته التي ينظمها محلياً، واختيار يوسف في ظل توقفه الحالي يعد ظلماً لغيره من اللاعبين وطالب والده بوضع ثقته في اتحاد اللعبة من أجل رعاية موهبة ابنه وتوفير كل ما يحتاجه.

خلاف قد يضيع الموهبة

الخلاف بين والد يوسف والاتحاد أخذ اتسع بسبب آلية صرف المبلغ المالي الوحيد الذي خصصته هيئة الرياضة بالحكومة المؤقتة للطفل يوسف الحصادي 80 ألف دينار بعد فوزه بذهبية إفريقيا قبل بضعة أشهر في القاهرة.

الوالد يرى أحقيته في استلام المبلغ بشكل مباشر كمكافأة، والاتحاد يصر على أن المبلغ يجب أن يصرف من خلال قنواته الإدارية وهو من يشرف على تأهيل يوسف واختيار مدرب له قبل بطولة العالم.

خلاف قد يحرم يوسف من تمثيل ليبيا وإفريقيا في بطولة العالم في أكتوبر المقبل باليونان في حال لم يتلق الدعم والتدريب اللازمين، وهو ما يؤكده عبد الباسط الحصادي والد اللاعب لـ»عربي بوست» «منذ البداية تنقلنا وشاركنا على حسابنا الخاص في إحدى المرات بعت سيارتي من أجل السفر ومشاركة يوسف خارجياً، لكن البطولة المقبلة تحتاج مبالغ كبيرة من أجل تعيين مدرب دولي».

فوزي بورجعه من مقر إقامته في مدينة شحات شرقاً وبعيداً عن مكتبه شبه المقفل في العاصمة طرابلس بسبب الانقسام الذي تشهده البلاد، يحاول طمأنة يوسف بأن الخلاف ليس كبيراً ويمكن حله مجدداً ودعوة والده والجلوس معه من أجل تسوية الأمر قبل فوات الأوان «حتى لو أخطأنا يوسف ابنننا جميعا.. هو ليس ملك والده أو ملك اتحاد اللعبة فهو يمثل كل الوطن».

وبين شكوى الاتحاد الليبي للشطرنج من ضعف الإمكانيات وشكوى عبدالباسط الحصادي من قلة اهتمام الأخير بموهبة ابنه ينتظر بطل إفريقيا والعرب حل الإشكال، في غرفته يحل واجباته المدرسية، ويتركها بين الحين والآخر لينتقل إلى رقعة الشطرنج وبرنامج التدريب الذي وضعه له والده في المنزل.

الأب مصر على الانسحاب من البطولة في حال عدم توفر الدعم، لن يغامر بمشاركة يوسف دون استعداد حفاظاً على معنوياته، ولكنه مع ذلك يحتفظ بالحلم الأكبر: ماذا لو أصبح  ليبي بطلاً للعالم؟ «الأمر ليس مستحيلاً ألا نستحق ذلك الإنجاز لنعطي فكرة مغايرة عن درنة وعن ليبيا للعالم؟» يتساءل الوالد وهو يرقب أنامل يوسف وهي تتحرك بكل تلك الانسيابية على الرقعة الخشبية.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
قصة الطفل "ظاهرة الشطرنج" في مدينة درنة الذي تحدى الحرب والحصار