المزيد من السيطرة والمراقبة الحكومية والقمع.. الوجه الآخر للسيارات ذاتية القيادة

عربي بوست
تم النشر: 2018/07/15 الساعة 07:01 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/07/15 الساعة 07:01 بتوقيت غرينتش
Empty cockpit of autonomous car, HUD(Head Up Display) and digital speedometer. self-driving vehicle.

تخيل تواجد شخص عاجز يبلغ من العمر 90 عاماً، داخل سيارة ذاتية القيادة مندفعة عبر الطريق، وتصادف مروره مع مرور سيدة وطفلها بشكل مفاجئ على نفس الطريق، يجب على السيارة في هذه الحالة اتخاذ أحد القرارين؛ إما قتل الأم وطفلها أو الانحراف تجاه الحائط وقتل السائق.

ماذا لو أعطينا الآلة الاختيار الأخلاقي؟

وهنا يكمن الاختلاف حول معضلة العربة، وهي تجربة فكرية في مجال الأخلاقيات هيمنت على التفكير الأكاديمي وتفكير الأفراد بشكل عام حول مدى التعامل الأخلاقي للسيارات ذاتية القيادة، فمثل هذه المناظرات المستمرة لا تصرف النظر فقط عن تعقيد النظام الذي ستنشئه السيارات ذاتية التحكم، بل تمثل هذه المناظرات مغالطة منطقية أخلاقية تتمثل بعرض بيانات خارجة عن الموضوع لتشتيت الانتباه عن الموضوع الأصلي، حسب صحيفة The Independent البريطانية.

السياسة والسلطة تسيطر على أخلاقيات الآلة

تكمن المخاوف الأخلاقية الحقيقية من السيارات ذاتية القيادة في مدى سيطرة السياسة والسلطة على هذا الابتكار.

إذ تبدي مختلف الحكومات في جميع أنحاء العالم اهتماماً كبيراً بالسيارات ذاتية القيادة، وفي هذا الصدد أصدرت الحكومة الألمانية مجموعة من المبادئ الأخلاقية الواجب توافرها في السيارات ذاتية القيادة، فيما وعدت الحكومة البريطانية بتفعيل السيارات ذاتية القيادة بحلول عام 2021، ولم تغب الحكومة الروسية هى الأخرى عن المشهد إذ أعلنت بدأ تشغيل هذه السيارات بنهاية العام الجاري، ومن جانبها تعمل الصين على تطبيق بعض الخطط الطموحة التي قد تمكننا من ربط السيارات ذاتية القيادة بالإنترنت وتركيب أجهزة استشعار في الطرقات وإشارات مرور بحلول عام 2025، حسب صحيفة The Independent البريطانية.

مستقبل القارة العجوز

وفي مارس/آذار عام 2017، طرح رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يانكر، تقريراً حول مستقبل القارة العجوز يعرف باسم "ورقة بيضاء حول مستقبل أوروبا" وتضمن بعض ملامح مستقبل السيارات ذاتية التحكم، واشتمل هذا التقرير على لمحة حول شكل أوروبا في عام 2025؛ في مستقبلٍ اتحدت فيه دول الاتحاد الأوروبي معاً بشكلٍ فعال لتكون قوة فيدرالية عظمى موحدة.

ويكشف التقرير، وفقاً للخطة المقررة، أن السيارات ذاتية القيادة سوف تشهد ازدهاراً كبيراً، وسوف يسمح لها بالتنقل بحرية كبيرة عبر حدود دول الاتحاد من مدينة لأخرى.

مزيد من السيطرة والتتبع الحكومي

ولا يقتصر الدافع وراء حرص الحكومات العالمية على بدء تنفيذ مشروع السيارات ذاتية القيادة على الدافع المادي فقط، بل من المقرر أن تتيح هذه السيارات فرصة أكبر لمزيد من السيطرة والتتبع لأماكن تواجد المواطنين.

ومزيد من المراقبة والقمع

تهدد السيارات ذاتية القيادة بالمساعدة في خلق أشكال جديدة من المراقبة والقمع، وهذا أبعد ما يكون عن تحررنا، وأبعد ما يكون عن مخيّلتنا عند التفكير في السيارات ذاتية القيادة.

وتعد السيارات ذاتية القيادة بمثابة جهاز حاسوب يسير على عجلات، فهي دائمة الاتصال بالإنترنت. وتعمل أجهزة الاستشعار فيها على توفير تدفقٍ مزدوجٍ ومستمرٍ للمعلومات، إذ ترسل السيارات معلومات حول أدائها وفعاليتها إلى الشركة المصنعة.

ومزيد من المعلومات التفصيلية

وتستقبل السيارات تحديثات لبرامجها وإشارات التحكم الخاصة بها بهدف إحداث تعديل لسلوكها، وبدورها تكون الشركة المصنعة على علم بموقع السيارة وظروف الطريق المتواجدة فيه بالإضافة إلى درجات حرارة الموقع، فضلاً عن معرفة أداء السيارة عند الوصول لسرعة معينة.

وقد تصل نسب الأمان بالسيارات إلى درجات فائقة إذ يُتوقع أن تستلم الشركات المصنعة معلومات حول حالة السيارة وموقعها والسرعة التي تسير بها وحالة الطريق التي تسير عليها بمعدل كل دقيقة، وذلك لأن معدلات الأمان تختلف من طريق إلى آخر، ومن الممكن أن تعمل السيارة على الإبلاغ بإمكانية فقدان غطائها أو حدوث عطل قبل عشر دقائق من وقوع الحدث.

وإمكانية التنبؤ

ومن المرجح أن تكون قواعد البيانات الحكومية على علم بمكان تواجد السيارة، وماذا يعني تواجدها بهذا الموقع بالإضافة إلى التعرف على الموقع المتجه إليه، بل يبلغ الأمر ذروته عند استخدام الحكومات تحليلات تنبؤية تتمكن من خلالها من التعرف على المكان الذى سوف تتجه إليه السيارة في الرحلة التالية.

والتحكم بها عن بعد

ومن المقرر أن تتحكم الطرق السريعة الذكية والمتقدمة بسرعة السيارات، إذ تستطيع خفض سرعة السيارات ذاتية القيادة كجزء من عملية الربط بين السيارة والطرق التي تسير عليها، وسوف تعمل إشارات المرور بالمدن الذكية على إعادة توجيه مسار السيارة وفقاً لبعض الحسابات المتعلقة بالاختناقات المرورية وظروف الطرق ومتطلبات الوضع.

ويمكن توظيفها تجارياً

ويمكن أيضاً إنشاء أسواق على الطرق السريعة والأماكن المركزية، وربما تدفع الشركات مقابلاً للموظفين من أجل استخدام هذه الطرق الافتراضية ومنحها الأولوية، وربما توضح سجلات السفر بشكل كامل جهات وتوقيتات المسافرين، بل قد تزداد خطورة الأمر باستنتاج  سبب الرحلة من خلال التعرف على الوجهات والتوقيت.

وتمثل نهاية لاستقلالية وفردية السيارة الخاصة

كانت السيارات تمثل الاستقلالية المطلقة والفردية، بالإضافة إلى أحد أشكال الحرية الديمقراطية لأكثر من 130 عام، إِذْ تعتبر الرحلات بالسيارة خاصة وغير معروفة. يمكننا الذهاب إلى حيث نريد وعندما نريد. ولا يتحتم علينا إخبار أي شخص.

والالتزام الحتمي بالقانون

 نتحمل حالياً مسؤولية التزامنا بالقوانين من عدمه. لكن السيارات ذاتية القيادة ستضع حداً لهذا الأمر.

والآن سيعرف المصنعون والحكومات وسلطات المدن؛ وجهتنا، وماذا نفعل ومتى نفعل ذلك. فإذا لم يحبذ أي شخص ما نقوم به، فسيكون بإمكانه إيقافنا وسحب الغطاء الفني والتأمين ضد الحوادث، وأن يمنعنا من استخدام طرق أو شوارع معينة، أو أن يوقفنا تماماً. لن يكون السائق مستقلاً بذاته، بل ستقع مسؤولية التوجيه على السلطات والأنظمة التي تقوم بتشغيل وصيانة سياراتهم، حسب الصحيفة البريطانية.

ومنح المزيد من السلطة للحكومات

يتوارى وراء المنطق المتمثل في جعلنا أكثر أماناً والحد من حجم المخاطر أمر آخر، إذ ستُسحب السلطة منا وتُمنح للسلطات المركزية، سواء كانت تتمثل في المدن أو الحكومات أو اللجان. والآن يمكن لهؤلاء الذي يتحكمون بالأمور أن يغيروا ببساطة مسارنا وفقاً لأغراضهم الخاصة، سواء لمنع الزحام المروري أو لإخلاء الطريق من أجل شخصية هامة. ومن أجل الحفاظ على سلامتنا، ستسحب الحكومات منا جميع السلطات.

وفي الديكتاتوريات ربما تمنع من الذهاب لمظاهرة

في الدول الديمقراطية، سيوفر التدفق المتزايد للمعلومات الشخصية نحو السلطة المركزية الأساس لوضع اللوائح وإنفاذها. وسوف يشكل مواطنوها هدفاً للموضوعات السلوكية والإعلانات التي تتدفق إلى السيارات ذاتية القيادة.

أما في الدول الديكتاتورية، فتستطيع السلطات منعك من الذهاب إلى مظاهرة أو منعك من الذهاب إلى الكنيسة.

وتخضع لإدارة الحكومة

كما أن مثل هذه الأنظمة التي تُدار بشكل مركزي، والتي ستكون ضرورية لسلامة السيارات ذاتية القيادة، ليست مقتصرة فقط على الإخفاقات التكنولوجية الحتمية المتعلقة بالأنظمة المعقدة، لكنها تشمل أيضاً القرصنة والهجمات التي ربما تشنها الدول الأخرى أو بعض الأفراد.

وتزيد خطورة هجمات القرصنة

إذ لماذا تخترق سيارة واحدة، فيما يمكنك اختراق نظام مدينة بأكملها وإيقاف حركة المرور بها، أو أن تتسبب في اصطدام 30 ألف سيارة ببعضها البعض؟

عند التفكير في أخلاقيات السيارات ذاتية القيادة، نحتاج إلى تجاوز قيود معضلة العربة (الترام) والنظر إلى جدول أعمال أوسع نطاقاً يعالج عدداً من المفاهيم مثل الاستقلالية والمجتمع والشفافية والهوية والتقدير والتعاطف.

يجب أن يعالج نقاشنا الأخلاقي التغيرات التي تلحق بميزان القوى، والمسؤوليات السياسية وحقوق الإنسان التي ربما تؤدي تصوراتنا ورؤيتنا حول السيارات ذاتية القيادة إلى التضحية بها.


واقرأ أيضاً..

 أوبر توقف سياراتها ذاتية القيادة في ولايات أميركية بعد شهرين من حادث مميت

الذكاء الاصطناعي: موضوعية علمية أم نزعة إعلامية؟