القضاء بانتظار اللاعب الكرواتي مودريتش لمحاكمته، ولحضور رئيسة البلاد المبارايات قصة أخرى!
الخميس, 20 سبتمبر 2018
رياضة

القضاء بانتظار اللاعب الكرواتي مودريتش لمحاكمته، ولحضور رئيسة البلاد المبارايات قصة أخرى!

رحلة كرواتيا في كأس العالم معقدة للغاية

عربي بوست، ترجمة

كان مشهداً سريالياً: شبابٌ في العقدين الثاني والثالث من العمر يشعرون بالحر ويتصببون عرقاً، وبعضهم لم يكن مرتدياً سوى ملابسه الداخلية استعداداً للاستحمام، تعانقهم الواحد تلو الآخر سيدةٌ في منتصف العمر ترتدي قميصاً من المربعات الحمراء والبيضاء، بينما يرفع مرافقوها هواتفهم لتصوير هذا اللقاء. لكن رغم كل الغرابة التي اعترت هذا المشهد، وما تضمنه من تلميحات، لم يثر ضجةً كبيرة بين الشعب الكرواتي. 

بعد أنَّ فاز منتخب كرواتيا على نظيره الدنماركي بركلات الترجيح في المباراة التي جمعتهما يوم الأحد 1 يوليو/تموز على ملعب مدينة نيجني نوفغورود الروسية، وبينما كان يحتفل الفريق في غرفة تبديل الملابس، تلقى زيارةً غير مُعلَنةٍ من رئيسة كرواتيا كوليندا غرابار كيتاروفيتش.

رسائل الرئيسة وراء تصرفاتها غير الرسمية

وكما يظهر في مقاطع الفيديو التي نُشِرَت على منصاتها الرسمية على الشبكات الاجتماعية، هنأت كوليندا أولاً المدير الفني للمنتخب زلاتكو داليتش وعانقته بقوة، ثم كررت هذا الفعل غير الرسمي على الإطلاق مع العديد من لاعبيه، وهي تدعس أثناء ذلك على أحذية وجوارب الفريق وزجاجات المياه المبعثرة على الأرض، دون أن تمنعها حقيقة أنّ بعض اللاعبين، مثل الظهير الأيسر إيفان سترينيتش، لا يتمتعون بما يكفي من اللياقة للظهور علناً، فكيف إذاً بتلقي زيارةٍ رسمية. 

أما لوكا مودريتش، كابتن المنتخب الكرواتي، فقد نال بصفةٍ خاصة عناقاً قوياً طويلاً، إضافةً إلى ما بدا أنَّه بضع كلماتٍ تشجيعية. وهذا بالتأكيد لم يمر دون ملاحظة.

منهم من وصفوها بالتواضع، لكن آخرين انتقدوها!

وكما هو الحال مع كل شيءٍ تقريباً، حتى ما لا يهم الرأي العام كثيراً في كرواتيا، أثارت هذه الواقعة ردود أفعالٍ قوية ومنقسمة بحدة فيما بينها، وإن كانت لم تمتد سوى لوقتٍ قليل. إذ رحب بها البعض على أنَّها دليلٌ على أنَّ الرئيسة غرابار-كيتاروفيتش، البالغة من العمر 50 عاماً، تتسم بالتواضع، وهي رمز للأم الوطنية التي تهتم كثيراً بكرة القدم وتدعم منتخب بلادها بشغف، وذلك على عكس بعض الرؤساء السابقين لها، وبالأخص أولئك المنتمين للتيار المنتمي أكثر منها إلى اليسار. أما البعض الآخر فقد رأوا أنَّ هذا المشهد يمثل دعايةً شعبية مُفرطة بصورةٍ مخزية سارت على نحوٍ خاطئ، استُلهِمت بالتأكيد من لقاءٍ مشابه للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مع منتخب بلادها، لكنه نُفِذ في هذه الحالة بمبالغةٍ تثير الاستهجان.        

هل كانت تحتفل ببساطة أم الأمر أكثر تعقيداً!

لكنَّ السؤال هنا لا يتعلق فقط بما إذا كانت رئيسة كرواتيا تسعى لاستغلال وهج النجاح الذي أحاط باللاعبين قبل الانتخابات الرئاسية العام المقبل، أم أنَّها كانت ببساطة تُعبِّر عن شغفها بوطنها وكرة القدم؛ فالمسألة أكثر تعقيداً بكثير من ذلك.      

إذ أدين اللاعب مودريتش مؤخراً بحنث اليمين، وذكرت هيئة الادعاء أنَّه أدلى بشهادة زور خلال محاكمة زدرافكو ماميتش بتهمة الفساد، التي انتهت بإدانة الرجل الذي ظل على مدى عقدٍ من الزمن الشخصية الأقوى في كرة القدم الكرواتية.

ويبدو أنَّ الحُكم أيد الرأي أنَّ مودريتش كذب ليحمي الرجل الذي جنى أرباحاً شخصية طائلة، وغير مشروعة على حد قول الادعاء، من صفقة انتقال مودريتش من فريق دينامو زغرب إلى فريق توتنهام هوتسبير عام 2008.

ومن المقرر أنَّ تبدأ محاكمة مودريتش على هذه التهمة عقب انتهاء كأس العالم. هذا بينما فرّ ماميتش إلى البوسنة والهرسك، التي لن تكون مُلزَمةً بتسليمه لكرواتيا لأنه نجح بطريقةٍ ما في الحصول على الجنسية البوسنية.

وللاعب المميز مودريتش قصته مع القضاء

لقد فجرت مشاركة الفريق وتألقه مشاكل في البلاد

تربط ماميتش علاقة صداقة قوية بالرئيسة غرابار كيتاروفيتش، أو ربما انتهت تلك العلاقة. إذ كان المدير التنفيذي السابق لاتحاد كرة القدم الكرواتي وفريق دينامو أحد الممولين لحملتها الرئاسية، وكان ضيف شرف في حفل تنصيبها لرئاسة البلاد، إلى جانب أنَّه نظم العديد من حفلات العشاء وأعياد الميلاد بعد توليها الرئاسة.

ولم تخرج هذه المعلومات للعلن إلا بعد أن سرّبت وسائل الإعلام معلوماتٍ حول خضوع ماميتش للمراقبة من جانب وكالة استخبارات حكومية خلال التحقيقات التي أسفرت عن إدانته، وفيما يبدو سُجلت بعض المحادثات الخاصة التي خاضها مع غرابار كيتاروفيتش، التي لم تكن تعلم وقتها أنَّ ماميتش تحت المراقبة. ولم تُنشَر هذه التسجيلات، غير أنَّ الرئيسة أقرت بأنها أجرت بالفعل هذه المحادثات معه. 

وقالت غرابار كيتاروفيتش في تصريحٍ لقناة Nova TV نوفمبر/تشرين الثاني 2017: «لم أحاول قط أن أخفي أنَّني قابلت السيد ماميتش خلال عددٍ من المناسبات، قبل أن أعرف أنه خاضع لمثل هذه الإجراءات. ونظَّم لي أيضاً عدة حفلات عشاء».

إذا أشرت إلى أنَّك لا تبالي إذا ما ربح الفريق أو خسر فأنت «لست وطنياً»

في كرواتيا كرة القدم ليست مجرد لعبة، فلطالما انطوت على مدلولٍ سياسي واجتماعي، وهذا هو الحال تحديداً مع المنتخب الوطني.

ففي فترة التسعينيات، أعلن فرانغو تودجمان، أول رئيسٍ لكرواتيا: «الرياضيون هم أفضل سفراء لبلادنا»، ومنذ حينها أُخِذَ هذا التعليق على أنه حقيقةٌ بديهية بالكاد يشكك في صحتها أحد. وهي حقيقة لم تنطوِ فحسب على أقصى درجات التكريم، لكنَّ الواجب أيضاً. فـ»الناريون» لا يمثلون كرة القدم الكرواتية فقط بل يمثلون كرواتيا بأكملها على النحو الذي يجعل فرصهم ونجاحاتهم ترتبط بفرص ونجاحات الدولة نفسها.

الأمر لا يتعلق بكرة القدم، بل أصبحت المسألة تتعلق بالمصلحة وطنية

وامتد هذا الواجب أيضاً إلى عموم الشعب. فإذا أشرت إلى أنَّك لا تبالي إذا ما ربح الفريق أو خسر فسيؤخذ هذا على أنَّه إشارةٌ قوية على أنك لست وطنياً، ولا يهم ما إذا كنت من متابعي كرة القدم أم لا، لأنَّه كما ترى الأمر لا يتعلق بكرة القدم، بل أصبحت المسألة تتعلق بالمصلحة وطنية، وبالأخص بعد أنَّ احتل المنتخب المرتبة الثالثة في أول مونديال يخوضه عام 1998.  

وسعى الاتحاد الكرواتي لكرة القدم دائماً إلى الحفاظ على صورة المنتخب كقوة كبيرة موحدة تجمع الكرواتيين بأكملهم، بغضّ النظر عن الانتماءات السياسية والكروية وغيرها من الانتماءات؛ فصرح دافور شوكر، رئيس الاتحاد، قبل كأس الأمم الأوروبية لعام 2016: «حين تبدأ دورة الألعاب الضخمة سنكون جميعاً مرتدين زيّ المنتخب»، منحياً جميع الأزمات جانباً، مثل المزاعم بوجود عمليات فساد مؤسسية داخل الاتحاد.  

حسناً، ربما ليس الكرواتيون جميعاً، فقد تغيرت كرواتيا كثيراً منذ عام 1998 حين حقق منتخب كرة القدم أكبر إنجازٍ له. وقد حقق الفريق الحالي إنجازاً مساوياً إذا هزم نظيره الروسي في مباراة أمس السبت 7 يوليو/ تموز، وتأهل لنصف النهائيات. ويُعَد تحقيق هذا النجاح مرتين خلال 20 عاماً إنجازاً رائعاً لشعبٍ قوامه يزيد على الأربعة ملايين بقليل. 

وتُظهِر الدراسات أنَّ الشعب الكرواتي يتمتع بقدرٍ أقل بكثير من التفاؤل حول مستقبل بلاده، بجانب شعوره المتزايد والعميق بعدم الثقة بمؤسسات الدولة، سواءً السياسية أو القضائية أو غيرها.

وفي ظل الصراعات المستمرة بين السياسيين، توضح المؤشرات الاقتصادية وقوع تحسنٍ طفيفٍ جداً عقب فترةٍ شهدت زيادة الركود والنزوح الاقتصادي بمعدلاتٍ مقلقة. ومفهوم الوطنية، الذي كان محركاً كبيراً للرياضيين الذين مثلوا كرواتيا دولياً في التسعينيات وكذلك للشعب الذي ساندهم، أسيء استخدامه عدة مرات من جانب شخصياتٍ عامة اتضح فيما بعد أنَّهم أنذال لا يهتمون إلا لمصالحهم الشخصية، وأنَّ الوطنية بالنسبة لهم ليست أكثر من مجرد غطاء يخفون تحته كل أمراضهم الاجتماعية.

أما كرواتيا في 2018، فهي دولةٌ منقسمة بشدة حول الكثير من القضايا المختلفة، وليست كرة القدم باستثناءٍ منها. 

فبينما يتشبث البعض مثل غرابار كيتاروفيتش بالصورة المثالية، هناك آخرون كُثر لم يعودوا راغبين في التساهل مع الانخراط السياسي، والآن الإجرامي، في اللعبة، وكذلك غير راغبين في تقبل حقيقة أنَّ هناك لاعبين التزموا الصمت حول الأمر طوال هذه الفترة. فقرر بعض الأشخاص عدم دعم الفريق، بينما أبقى البعض على تأييده، لكن يراودهم الشعور بأنَّ كل هذه الأشياء التي تحوم حول اللعبة قتلت حماستهم لها، وهناك آخرون لا يزال يمثل الأمر لهم صراعاً داخلياً.

فما كان سابقاً نسيجاً يربط الأمة، أصبح الآن عاملاً مسبباً للانقسام، وهو الأمر الذي من غير المحتمل أنَّ يتغير كثيراً حتى إذا حققت كرواتيا المستحيل وفازت بـكأس العالم.


اقرأ أيضا

رفضت الجلوس في مكان كبار الزوار.. رئيسة كرواتيا تسافر على متن الدرجة الاقتصادية لتشجيع منتخب بلادها في روسيا

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
القضاء بانتظار اللاعب الكرواتي مودريتش لمحاكمته، ولحضور رئيسة البلاد المبارايات قصة أخرى!