هل كانت محاولة اغتيال رئيس فنزويلا مسرحية؟ لغز ظهر فجأة شكَّك في الواقعة برمتها
الإثنين, 15 أكتوبر 2018

هل كانت محاولة اغتيال رئيس فنزويلا مسرحية؟ لغز ظهر فجأة شكَّك في الواقعة برمتها

عربي بوست، ترجمة

لم يكن يدر في خلد أي من سكان العاصمة الفنزويلية كاركاس أن الخطاب الذي يلقيه الرئيس نيكولاس مادورو، سيخلف هذا الخوف والفزع بعد محاولة الاغتيال التي كانت تسهتدف رأس السلطة والتي فشلت في النهاية.

الطريقة الهوليودية التي رافقت محاولة اغتيال مادورو، تركت حيرة في أذهان الكثير من الشعب الفنزويلي عن حقيقة هذه العملية فحتى وصل التفكير بالبعض بأن الهجوم برمته مفبرك!، بعد بيان المجموعة التي تزعم قيامها بالعملية.

شهود عيان كانوا على مقربة من الحدث قصوا رواياتهم عن الحادث كما نقلتها صحيفة The New York Times الأميركية عنهم، ورووا كيف كانوا يشعرون في ذلك الوقت العصيب.

ترقب على المنصة

وقف الكادر الصغير الذي يحكم البلاد عند المنصة الرئاسية والمكون من لواء مخلص يشغل الآن منصب وزير الداخلية، ورئيس المحكمة العليا، والرئيس نيكولاس مادورو الذي كان يتطلع إلى أسفل لموكب من قوات الحرس الوطني.

تزين مادورو للحفل مرتدياً سلسلة ذهبية والوشاح الذي يحمل علم بلاده ذا الثلاثة ألوان، وكان يختتم حديثه بعد ظهر السبت 4 أغسطس/آب حول الموضوع الذي يشغل كل فنزويلي بشكل أساسي: الاقتصاد المُدمَّر الذي خلّف الكثير من المواطنين بحاجةٍ ماسة إلى الغذاء، وأفرغ المستشفيات من الأدوية، ودفع مئات الآلاف لمغادرة البلاد.

وعلى مرأى الجمهور المؤيد له، حاول الرئيس التحدُّث بنبرةٍ متفائلة بشأن التحسينات القادمة بالرغم من الوضع القاسي الذي تعيشه فنزويلا.

قال مادورو في خطابه: «نحن نراهن على النتائج الجيدة التي سيشهدها هذا البلد. لقد حان وقت الانتعاش الاقتصادي». ثم دوَّى انفجار.

أخفض أحد اللواءات رأسه، في حين ارتبكت السيدة الأولى وحاولت الإمساك بذراع رئيس المحكمة العليا الواقف إلى جوارها. هرع المسؤولون الأمنيون إلى المنصة وأحاطوا بالرئيس حاملين دروعاً سوداء كبيرة. ثم نظر الجميع إلى السماء والخوف يعتريهم.

تعرض مادورو إلى هجوم وصفته الحكومة بأنه محاولة اغتيال استُخدِمَت فيها طائرات بدون طيَّار لأول مرة ضد رئيس دولة.

الانفجار ليس وليد اللحظة!

وبحسب الصحيفة الأميركية، كان المشهد الفوضوي خير دليل على الاضطرابات التي تشهدها فنزويلا منذ الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت الصيف الماضي وسحقتها قوات الأمن وأسفرت عن مقتل ما يزيد عن 100 شخص واعتقال أكثر من 3 آلاف. منذ أن قمعت الحكومة تلك المظاهرات، ونجح مادورو مرة أخرى في الانتخابات في مايو/أيار التي وصفت على نطاقٍ واسع أنها انتخاباتٌ مُزوَّرة، وقد هدأت المعارضة إلى حدٍّ كبير.

في يوم الأحد 5 أغسطس/آب، قال وزير الداخلية نيستور ريفرول إن «ستة إرهابيين وقتلة مأجورين» قد اعتُقِلوا، وإن أحدهم شنَّ هجوماً ضد الحكومة من قبل.

وكان هناك بثٌّ مباشر للاحتفال على شاشات التلفاز، وبدلاً من أن تنطفئ الكاميرات وتظهر شاشة سوداء عند بدء الهجوم، صوّرَت أعداد الجنود المحتشدين. وفي لقطة قريبة، اعترى الخوف وجه جندي شاب يرتدي قبعة عسكرية حمراء. وصاح أحدهم في الخلفية: «لنتجه إلى اليمين».

ثم وقع انفجارٌ آخر. وفجأة تخلى مئات من رجال الحرس الوطني، الواقفين من أجل أداء العرض العسكري، عن الرئيس متدافعين في حالةٍ من الذعر بحثاً عن ملجأ آمن.

روايات عن الحادث

قال الناشط كارلوس خوليو روخاس إنه شاهد تدافعاً عنيفاً بينما كان يقف في احتجاج قريب من المكان. وأضاف: «سمعت صراخاً ورأيت رجال الحرس الوطني يركضون ببنادقهم الطويلة في الشوارع مثل المجانين حتى أنهم دفعوا سيدةً عجوزاً كان تحاول الجري. تخيَّل ذلك: من المفترض أن جيشنا هو من يحمينا ولكنك تُفاجَأ بهم يركضون بهذا الشكل».

خرج مادورو سليماً من هذا الهجوم، وظهر على شاشات التلفاز مساء ذلك اليوم ليعلن فشل محاولة الاغتيال. ولكنه لم يبد يقيناً تاماً بشأن من حاول قتله. وبالرغم من أنه ألقى اللوم على العناصر اليمينية في فنزويلا والحكومة الكولومبية، لم يقدم أي دليل يدعم هذا الزعم.

صدر بلاغ رسمي، يُنسب إلى مجموعة غامضة من رجال الجيش الفنزويليين الفاسدين، نُشِرَ على تويتر بعد الهجوم، مع تصريحات غامضة تُندِّد بالحكومة، ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن المجموعة تتحمَّل مسؤولية الواقعة، بحسب الصحيفة الأميركية.

هل للحكومة يد فيها؟

ألقى البعض في فنزويلا مسؤولية المؤامرة على مادورو، في تلميح إلى أنه ربما للحكومة يد في الهجوم لتمارس مزيداً من القمع على المعارضين. لم تصدر أي إجراءات أمنية خاصة يوم الأحد حول موقع الهجوم، مما أثار مزيداً من الشكوك حول مدى جدية الحكومة في النظر إلى الأمر ومواصلة التحقيقات.

قال نيكمار إيفانز، وهو عالم سياسة انفصل عن حزب مادورو وخاض حملاتٍ معارضة: «تكمن الفكرة في أنه إذا كان ذلك هجوماً شنته الحكومة بنفسها، فهل ستستغل الموقف الآن لمضاعفة الموجة القمعية؟».

في تمام الساعة 5:41، كان مادورو في ختام الاحتفال بمناسبة إحياء الذكرى الـ81 للحرس الوطني، تلك القوات التي كانت على الخطوط الأمامية العام الماضي في حملته المهلكة ضد المحتجين.

كان خوسيه غريغوريو تشاسين، الذي يقطن أمام موقع الانفجار، يجلس في منزله بالقرب من شارع بوليفار، يشاهد العرض العسكري من نافذته.

قال يوم الأحد: «نحن نشاهد دائماً جميع الأحداث. رأيت ضوءاً ثم سمعت صوت انفجار. كان يشبه صوت فرقعة كما لم أسمع مثله في حياتي من قبل».

كان رد فعله البديهي هو الاتصال بزوجته التي خرجت مع ابنته، وعندما رأى تدفق القوات هرباً من العرض، فكر في أنه «ربما وقع شيء ما لمادورو».

ومع تردد أخبار الحادث، انطلقت فِرَق التلفزيون إلى مكان الموقع.

قالت نيدي فريتس، وهي مراسلة تبث الحدث مباشرة على قناة VivoPlay الفنزويلية، بكاميرا معلقة على المقعد الخلفي للسيارة: «نحن ندور الآن حول شارع بوليفار. يمكنكم رؤية الشرطة ومسؤولي الحرس الوطني أمامكم».

ثم سُمِعَ صوت ضربة على زجاج السيارة. قالت فريتس في مقابلة إن قوات الحرس الوطني أمرت بإغلاق كاميراتها وقاموا بتعطيلها ثم اعتقالها.

لا أحد يعلم ماذا حدث؟

قال الشهود وذكرت تقارير الأخبار إنه كان يمكن رؤية الدخان يتصاعد من مبنى قريب يبدو أنه اشتعلت فيه النيران في نفس وقت الهجوم. أخبر رجال الإطفاء الصحفيين أن السبب هو انفجار خزان الغاز، في حين قال الشهود إن الحريق نجم عن انفجار طائرة بدون طيار بعد سقوطها.

قال موظف شاب يعمل بمخزن في المنطقة، طَلَبَ عدم نشر اسمه خوفاً من أن تلقي الحكومة القبض عليه في تحقيق حكومي: «كان الشيء الطائر سيسقط في الشارع ولكنه اصطدم بالمبنى».

ولأكثر من ساعة بعد الهجوم، كانت البلاد في حالة انتظار وسط تردد شائعات فقط على وسائل الإعلام لسد ثغرات ما قد شوهد للتو. ماذا كان الانفجار؟ وهل نجا الرئيس الذي اختفى من على شاشات التلفاز فجأة؟

قال وزير الاتصالات خورخي رودريغز، الذي تحدَّث أمام الصحفيين بعد الساعة السابعة مساءً بقليل، إن مادورو تحدَّث إليه شخصياً وطلب منه «تهدئة روع البلاد».

وقال الوزير إن ما حدث كان محاولة لقتل الرئيس باستخدام «أجهزة طائرة متنوعة تشبه الطائرة بدون طيار»، وعلى الرغم من أنها باءت بالفشل، أُصِيبَ سبعة من رجال الحرس الوطني.

أشاد رودريغز بالجنود قائلاً: «إن تشكيل جنود الحرس الوطني بقي صامداً في مكانه». ولكن بدا ذلك مناقضاً لانسحاب الجنود المضطرب الذي شهدته البلاد.

لغز جديد ظهر فجأة

وفي وقتٍ لاحق من المساء، ظهر لغزٌ جديد على تويتر: نسخٌ من بيان نُسِبَ إلى مجموعة غامضة تطلق على نفسها «Operation Phoenix – برنامج فينيكس».

تزعَّمَ المجموعة، التي تتألَّف من رجالٍ عسكريين ساخطين، طيارٌ فاسد استولى العام الماضي على طائرة هليكوبتر وأطلق قنابل صاعقة على مبنى المحكمة العليا. لقي الطيار أوسكار بيريز مصرعه في تبادل إطلاق نار مع الحكومة في يناير/كانون الثاني، بعدما كان ينشر رسائل على حسابه على موقع إنستغرام يحث فيها شعب فنزويلا على التمرد حتى لقى حتفه.

سخرت الرسالة التي نشرتها المجموعة مساء يوم السبت 4 أغسطس/آب من الحكومة ونعتتها بأنها «شيوعية» و»حكومة تجار مخدرات»، وقالت إن المتمردين سيدفعون حياتهم ثمناً لاستعادة الديمقراطية. ولكن البيان الغامض خلَّف وراءه سؤالاً رئيسياً مفتوحاً: هل هم من أرسلوا الطائرات بدون طيار؟

شاهَدَ شعب فنزويلا رئيسه من جديد، على شاشات التلفاز في حوالي الساعة التاسعة مساءً يوم السبت، وكان واقفاً أمام المنصة ويبدو أنه لا يزال يرتدي البدلة وربطة العنق ذاتها. وبدا غير مرتبك بل متحمساً لشرح ما حدث على المنصة بعد ظهر ذلك اليوم.

وقال: «كان أول رد فعل لي هو المراقبة مع الحفاظ على هدوئي، لأنني لدي ثقة كاملة في الشعب والقوات المسلحة والله الذي يحميني».

وأوضح أن الأمر كان مُحيِّراً ولكنه قضى وقتاً في محاولة حل لغز ما قد وقع أمامه بالفعل.

اتهامات بلا دليل!

قال الرئيس إن الجناة كانوا معروفين: المعارضين اليمينيين وخوان مانويل سانتوس رئيس كولومبيا الذي تنتهي ولايته يوم الثلاثاء 7 أغسطس/آب.

وأردف: «جميع التحقيقات توجه أصابع الاتهام إلى بوغوتا (عاصمة كولومبيا)»، ملقياً باللوم على رئيس اليمين الوسط الذي أدانه مراراً وتكراراً بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

وصفت الحكومة الكولومبية الاتهام بأنه سخيف. ويُقال إن سانتوس كان يحتفل بمعمودية حفيدته يوم الهجوم.

كذلك أنكرت ماريا كورينا ماتشادو، وهي مشرعة قانونية يمينية من فنزويلا، تورط الحكومة الكولومبية. وقالت يوم الأحد: «نحن نريد مادورو على قيد الحياة حتى يواجه العدالة ويجيب على أسئلة شعبه».


اقرأ أيضاً

كانت الطائرتان محمَّلتين بالمتفجرات وتقتربان من الرئيس الفنزويلي.. هكذا ساعدت التكنولوجيا في إبقاء مادورو على قيد الحياة

طائرات بلا طيار محملة بعبوات ناسفة استهدفته وهو يلقي خطابه.. شاهد لحظة محاولة اغتيال الرئيس الفنزويلي

الصور والفيديوهات تُظهر كم أن الرعب كان مسيطراً أثناء محاولة اغتيال رئيس فنزويلا

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هل كانت محاولة اغتيال رئيس فنزويلا مسرحية؟ لغز ظهر فجأة شكَّك في الواقعة برمتها

قصص ذات صلة