في العالم الافتراضي.. أطفال غزة ينصرفون عن الحرب ويبدأون تعلم البرمجيات
الخميس, 20 سبتمبر 2018

في العالم الافتراضي.. أطفال غزة ينصرفون عن الحرب ويبدأون تعلم البرمجيات

تسبَّبت القيود المشدَّدة على انتقال السلع، والأهم من ذلك البشر، في موت أغلب الصناعات هناك، غير أنَّ أول أكاديمية لتعليم البرمجة في غزة تأمل لنموذج أعمالها التكنولوجي، الذي يدير أعماله في العالم الافتراضي أكثر من العالم الواقعي، أن يكون بطريقةٍ ما حصيناً أمام العوائق المادية التي تعترض طريق التجارة.

وتنقل صحيفة The Guardian البريطانية ملمحاً من أجواء المشهد في قطاع غزة، حتى إنها وصفته وكأنَّه من إحدى الشركات الناشئة في وادي السيليكون.

تلك المكاتب المشتركة التي يجلس عليها نيفٌ وعشرون شخصاً يُدخلون أكواداً إلى حواسيبهم المحمولة المغطاة بالملصقات. والحوائط المزينة بغرافيتي لعبة باك مان الكلاسيكية، وشعارات تحفيزية على شاكلة «حققوا أشياء ملحمية». وأرفف الكتب الممتلئة بما يعتبر الآن من كلاسيكيات عالم التقنية: مثل كتابي The Facebook Effect وThe Founder’s Dilemmas. تتدلى أجهزة الراوتر اللاسلكية فوق رؤوسهم، وكذلك تبث مصابيح إديسون الكهربية مزيداً من روح الأناقة على المكان أكثر من الضوء الحقيقي.

ولكن مهلاً، فأنت لست في منطقة خليج سان فرانسيسكو التي تحتضن وادي السيليكون. فليست هناك سيارات كهربائية تأزّ بالجوار.

 الحصار المصري الإسرائيلي يدفع شباب غزة إلى الابتكار

هنا غزة، بشوارعها المتصدعة ونقاط التفتيش التي تنصبها الميليشيات. تحيط هذه المدينة الساحلية إسرائيل ومصر، البلدان اللذان يحاصران هذه القطعة الصغيرة من الأرض لأعوامٍ الآن.

تقول غادة إبراهيم، البالغة من العمر 31 عاماً، وكانت ضمن أول صفٍّ للمبرمجين بدأ منذ عام، إنَّ «ذلك هو السبب الذي جعلنا نبدأ هذا الأمر. إنَّه يتجاهل جميع الحدود. يُشكِّل الحصار على غزة عاملاً كبيراً. وهذا هو السبب في أن لدينا عدداً من الناس الذين جاؤوا من أجل الانضمام».

من خلال التمويلات التي ترسلها الجمعيات والمؤسسات الخيرية العالمية، مثل منظمة Mercy Corps والجهات الفاعلة الرئيسية في العالم مثل Google، تقدم الأكاديمية زوجاً من المتطلبات الرئيسية التي يحتاجها طلابها، من أجل مسارٍ مهني مستقل في تطوير المواقع والتطبيقات: وهما الإنترنت والكهرباء.

يعني ذلك في غزة دفع الأموال اللازمة لإحضار مولد كهرباء قادر على إمداد الكهرباء للحواسيب لعشر ساعات يومياً.

وتقول غادة «نحن نفعل شيئاً لا يقدر أي شخص أن يوقفه». ثم توقفت وسط الجملة لثوانٍ معدودة، وأضافت وهي تبتسم: «رغم أنَّهم ربما يستطيعون إيقافنا». إذ توفر إسرائيل الإنترنت للقطاع، وبالرغم من هذا لم تقطعه عنهم على الإطلاق حتى الآن.

دعم دولي لتوفير برامج برمجة لقطاع غزة

سجل ستة عشر من الطلاب والطالبات (القاعدة أن يكون نصفهم من الإناث) في الصف الأول، الذي حظي بدعمِ دولي من Founders & Coders، وهي منظمة خيرية في المملكة المتحدة، تقدم دروس برمجة مجانية. تتذكر غادة البرنامج الذي كان عشوائياً قليلاً: ثماني ساعات يومياً يُتوقع فيها من الطلاب أن يتعلموا ذاتياً البرمجة، ويقدموا مشروعاً أسبوعياً. ومن أصل 16 طالباً في البداية، تخرج تسعة فقط، وفق الصحيفة البريطانية.

وتقول: «كان لدينا الكثير من المشكلات. كان من المفترض أن يستمر البرنامج لشهر. واستمرَّ لستة أشهر». وتوضح أنَّ الطلاب، الذين كان الكثيرون منهم حاصلين على درجةٍ علمية في تكنولوجيا المعلومات، كافحوا للتكيف مع تقنيات التعلم الذاتي، بعد عمرٍ قضَوه في أسلوب التعليم بالتلقين: فكانوا باستمرار يتطلعون إلى مساعدة المعلم عندما يواجهون مشكلةً ما.

وتضيف: «كبرنا جميعاً معتادين على أن شخصاً ما سيُعلِّمنا. فلم يكن تعليمنا على الإطلاق تعليماً ذاتياً». طبَّق الصف القاعدة التي تُطلِق عليها غادة 20/20/20 لمواجهة هذه المشكلة. حينما يواجه الطلاب إشكاليةً ما يقضون 20 دقيقة يحاولون خلالها معالجتها بأنفسهم عبر الإنترنت، ثم يقضون 20 دقيقة في الوصول إلى حلٍّ بمساعدةٍ من زميلٍ آخر. فيما يحصل الطلاب خلال الدقائق العشرين الأخيرة على مساعدة مرشدهم.

وفي ظل ازمة الحصار، هناك إقبال واضح من طلاب القطاع

نجح هذا الأسلوب. تخرج 12 شخصاً في الصف الذي جاء بعد صفّ غادة، وتخرج 14 في الصف الذي تلاه. وتقول غادة إنَّ المجموعة الرابعة تستمر الآن بجميع طلابها الـ16، فيبحثون عن حلولٍ للمشكلات التي تقابلهم داخل قاعة الدراسة، لكنَّه «الأسبوع الثالث فقط» حسبما توضح. وبينما حصلت الصفوف الأولى على دعمٍ من المبرمجين المحترفين، صار جميع المرشدين الآن من الطلاب السابقين، لتكون عمليةً مستدامة من تلقاء نفسها.

يعمل مؤمن سلامة أبو عويضة، البالغ من العمر 34 عاماً، مديراً للمشاركة والتطوير في مركز التكنولوجيا، ومساحة العمل المشتركة المسماة Gaza Sky Geeks، التي أنشأت أكاديمية البرمجة في العام الماضي.

يتدرَّب كلُّ طالب وطالبة على كيفية تقديم العروض للعملاء الدوليين، واستخدام مواقع الحصول على الوظائف مثل Upwork، وهي منصة عالمية للعمل المستقل. ولضمان الحصول على ممارسةٍ عملية خلال الدورة التدريبية، يُعرَض على المؤسسات التجارية والشركات الخيرية خدمةٌ مجانية لتطوير أعمال مواقعها الإلكترونية.

وبالطبع يساعد المركز الخريجين على الحصول على المال، في منطقةٍ تتجنَّبها العديد من المؤسسات المالية، خوفاً من غسيل الأموال، ناهيك عن ذكر حقيقة أنَّ حكومتها الفعلية وُضعت على قائمة الولايات المتحدة للمنظمات «الإرهابية الأجنبية» منذ عام 1997.

دخل المركز في شراكةٍ مع مصارف وأنظمة دفع إلكترونية قادرة على التحقق من بيانات اعتمادها. وبدأ الخريجون فعلياً في تطوير المواقع لصالح عملاء دوليين في أوروبا.

ويقول أبو عويضة: «هدفنا النهائي استخدام التكنولوجيا لتكون بوابة. هذه المنطقة (غزة) يمكن أن تكون برلين أو دبلن القادمة». ويحذر أيضاً من التخلي عن ذلك الحلم، ويقول إنَّ الظروف مواتية لتنمية مجتمع برمجة مستقل ومزدهر: «لدينا الموهبة. والثمن الذي نحصل عليه أقل قليلاً من الآخرين. ويمكننا تقديم (الخدمات)».

ويوضح أنَّه بخلاف هذا «يستطيع المكان منحنا أكثر من مجرد فرصة. فيمكنه منحنا الأمل. الأمر عاطفي أكثر من كونه مهنياً».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
في العالم الافتراضي.. أطفال غزة ينصرفون عن الحرب ويبدأون تعلم البرمجيات

قصص ذات صلة