ماليزيا: فصول أربعة في ربيع واحد
الأربعاء, 24 أكتوبر 2018
العالم

ماليزيا: فصول أربعة في ربيع واحد

خاص "عربي بوست": مهاتير يقود فترة انتقالية لاستعادة عافية الاقتصاد والإطاحة بالخصوم

عربي بوست - ماليزيا

سيذكر كثير من الماليزيين ليلة التاسع من مايو/أيار 2018، على أنها بداية مرحلة جديدة في الواقع السياسي للبلاد، ففي الوقت الذي ظن فيه كثير من الماليزيين أن الحياة السياسة التي أسسها وقادها حزب «أمنو» طوال 61 عاماً قد انتهت إلى حالة مستعصية من الفساد وانغلاق الأفق، جاءت الانتخابات الأخيرة لتحقق المعجزة، وتطيح بحزب «أمنو» عبر تحالف فريد، جمع أطراف المعارضة على اختلاف ألوانها، وبشكل رئيسي جمع الرجلين اللذين طبعت العداوة بينهما الحياة السياسية الماليزية عبر العقدين الفائتين: مهاتير محمد وأنور إبراهيم.

انضمام مهاتير إلى المعارضة، واتفاق الأحزاب على تنصيبه رئيساً للتحالف ومرشحها لرئاسة الوزراء بدوا للوهلة الأولى مغامرة يائسة، فالرجل الذي بلغ من السن 93 عاماً هو ذاته الذي أسلم زمام حزب أمنو ومعه مستقبل ماليزيا إلى رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق، لقد اعتبرت قطاعات واسعة من الشعب الماليزي، لا سيما الشباب منهم، أن القيادي العجوز هو سبب ما آلت إليه البلاد من فساد لم يسبق له مثيل، وأن مهاتير الذي تبوأ رئاسة وزراء ماليزيا طوال 22 عاماً ينبغي أن يدفع ثمن الواقع الرديء في البلاد.

 (تحالف الأمل) الفائز في الانتخابات الماليزية تشكل من تحالف 4 أحزاب معارضة

في هذ ه الأثناء، كان مهاتير الحريص على صورته ومكانته بتاريخ البلاد، يفكر في كيفية النأي بنفسه عن الحكومة، فبدأ بالاعتراض على فساد رئيسها نجيب عبد الرزاق، فردّ نجيب بقسوة وحجّمه وأقصى أنصاره والمقربين منه عن المواقع القيادية بالحزب وعن مؤسسات الدولة.

شعر مهاتير بالإهانة، وأدرك أن تراثه السياسي كباني نهضة ماليزيا الحديثة في خطر حقيقي، عندها اتخذ القرار الأشد صعوبة في حياته السياسية، فقرر الاستقالة من حزب أمنو، الذي يعتبره امتداداً لحياته السياسية وجزءاً لا يتجزأ من تاريخه، ثم أتبع ذلك بأن انضم إلى احتجاجات شعبية نظمتها المعارضة، ثم أسس هو وعدد من أنصاره حزباً جديداً يحمل الانتماء القومي نفسه الذي يحمله حزب أمنو، ولكن من دون وصمة الفساد التي التصقت بالحزب الحاكم. وانخرط الحزب الجديد مع المعارضة في مسيراتها واحتجاجاتها الشعبية ضد حكومة نجيب، وهو ما قاد في مرحلة لاحقة إلى ولادة تحالف الأمل المشكل من الأحزاب الأربعة المذكورة أعلاه.

أنور إبراهيم في السجن: اليأس يتسرب إلى النفوس

كان أنور إبراهيم، نائب مهاتير السابق وعدوه اللاحق، هو زعيم المعارضة الشعبية لحكومة نجيب، حظي أنور بالتفاف جماهيري واسع شمل القطاعات الشابة وامتد بين مكونات المجتمع الماليزي العرقية الثلاثة: المالاويين والصينيين والهنود.

استغلت حكومة نجيب قرب أنور من الصينيين والهنود لتشن حرباً عليه باسم القومية المالاوية، وبأنه يعرّض مصالح السكان الأصليين للخطر، معتبرين إياه مارقاً عن الإجماع المالاوي-الإسلامي، فقد طبعت الانتماءات العرقية الحياة السياسية الماليزية لما بعد استقلال ماليزيا عن بريطانيا عام 1957.

يشكل المالاويون 48% من مجموع سكان ماليزيا، بينما تصل نسبة الصينيين 35٪ والهنود 10%. الحياة السياسية الماليزية يقودها تقليدياً حزب أمنو ذو القاعدة المالاوية، وهو الحزب ذاته الذي قاده مهاتير محمد وكان أنور نائباً له حتى وقع الخلاف بين الرجلين عام 1998؛ مما أدى إلى عزل أنور وسجنه 6 سنوات بتهمة أخلاقية وضيعة.

أنور إبراهيم

بعدما خرج أنور من السجن عام 2004، استأنف معارضته للحكومة، وفي عام 2008 أسس جبهة المعارضة التي حملت اسم باكاتان رعية (تحالف الشعب)، وصار بلا منازعٍ رمز المعارضة الجريء؛ وهو ما دفع نجيب إلى الزج به في السجن مرة أخرى عام 2015 بالتهمة السابقة نفسها.

استمرت جبهة المعارضة في تحدي نجيب رغم سجن زعيمها، وبينما انتشرت أخبار الفساد الواسع له شخصياً ولزوجته، والتي وصلت تقديراتها إلى قرابة 5 مليارات دولار، اتسعت دائرة الرفض شعبياً لحكومته، فقابلها بيد من حديد، وضاقت الفسحة الإعلامية، وعزز قبضته على القضاء والشرطة وأجهزة الدولة، وفي الوقت نفسه استخدم الدعاية الإعلامية لينصّب نفسه حامي حقوق المالاويين المسلمين، واستقطب الحزب الإسلامي إلى جانبه عبر استمالته بمبالغ كبيرة.

وبينما كان أنور في السجن، كانت البلاد تعبر أسوأ مراحلها، لكن الطريق إلى إصلاح حقيقي كان قد انسد، وبدت المعارضة عاجزة عن إحداث التغيير المنشود، وبدأ اليأس يتسرب إلى النفوس، إلى أن جاءت نقطة التحول الكبرى في نضال المعارضة بأن أعلن مهاتير انضمامه إليها، كانت هذه الخطوة حاسمة، وفيها مصلحة للطرفين: فالمعارضة تحتاج إلى زعيم، والزعيم يحتاج إلى قواعد حزبية وكوادر تنفيذية، وهكذا توافقت مصلحة المعارضة ومهاتير.

انضمام مهاتير لم يكن سهلاً على الطرفين، فمهاتير ليس معتاداً أن يكون معارضاً، وانحيازه إلى معارضة يتزعمها أنور ليس سهلاً، كما أن المعارضة لها تاريخها المرير مع مهاتير ومع حزبه الحاكم، فالكل يعلم أن مهاتير استمر الحاكم الفعلي لماليزيا طوال السنوات التي أعقبت خروجه من رئاسة الوزراء طواعية عام 2003، إلا أن الحوارات والنقاشات التي استمرت بين الطرفين أسفرت في النهاية عن تفاهمات تقضي بأن يترأس مهاتير تحالف المعارضة، وأن يعمل على إطلاق سراح أنور، ثم يتنازل له عن رئاسة الوزراء بعد عامين. على أثر ذلك تم حل (تحالف الشعب) الذي أسسه أنور وتم تأسيس (تحالف الأمل) بزعامة مهاتير، وأعلن التحالف نيته خوض الانتخابات النيابية؛ لاجتثاث نجيب وتحجيم حزب أمنو العتيد.

نجيب عبد الرزاق: غفلة ومكابرة

رئيس الوزراء السابق كان يعيش حالة غرور وانفصام عن الواقع منعته من رؤية توجهات الناخبين أو رسم أية سيناريوهات يمكن أن تفوز فيها المعارضة، وفي ليلة الانتخابات تحدث نجيب لعدد من أعوانه بأنه يتوقع أن يحصد حزبه، حزب أمنو، ثلثي مقاعد البرلمان البالغ مجموع مقاعده 222 مقعداً.

هذا ما يفسر حالة الصدمة والشلل التي أصابت نجيب وحزبه عندما تكشفت النتائج مساء يوم الأربعاء 9 مايو/أيار 2018، بفوز ساحق لـ»تحالف الأمل»، ولأنه لم يكن مستعداً لمثل هذا الخيار، لم يتمكن نجيب من تعطيل نتائج الانتخابات، أو الانقلاب عليها، وهذا بالضبط ما صب في مصلحة المعارضة، فغرور نجيب واستبعاده فوز المعارضة كان خيراً على البلاد.

ومن المؤكد أن رئاسة مهاتير تحالف المعارضة كان عاملاً حاسماً في الفوز، وفي انتقال سلمي للسلطة. فمن ناحية لا يستطيع أحد أن ينتقص من مكانة مهاتير قومي النزعة في أوساط المالاويين، ومن ثم فقد شعر السكان الأصليون بأنهم في مأمن، وأن دعاية الحكومة التي تتهم المعارضة بترجيح كفة الصينيين والهنود ليست صحيحة، أما مرحلة ما بعد الفوز فمهاتير ليس غريباً على الدولة، فهو باني قواعدها ومؤسس هياكلها، ويعرف خباياها وآلياتها، والدولة تعرفه وتقدر دوره، ومن ثم لم يستطع نجيب أن يستخدم الدولة العميقة ضد المعارضة.

فوز «تحالف الأمل» كان نقطة تحول في تاريخ ماليزيا الحديث، فلم يعرف الماليزيون منذ الاستقلال حكومة سوى حكومة حزب أمنو، لكن الفوز ليس انقلاباً جذرياً، فوجود مهاتير على رأس التحالف الجديد يحمل ملامح التواصل مع الماضي، وبالنسبة لكثير من الماليزيين يمثل ذلك ضمانة لانتقال سلس وهادئ، في دولة لم تعتد الانقلابات ولا التغيير المفاجئ، وصل مهاتير محمد إلى البرلمان الفيدرالي عام 1964، وحكم ماليزيا فترة هي الأطول في آسيا من عام 1981-2003، فهو القديم الجديد، يحقق للماليزيين الشعور بالأمن، ويمنحهم الحاجة الملحة للتغيير.

فور أن بدا واضحاً تقدم المعارضة، اعتلى مهاتير المنصة أمام عشرات الآلاف من أتباعه وأعلن الفوز، وطالب بأن يتم تنصيبه رسمياً رئيساً للوزراء.

أمام هدير الحشود المبتهجة، لم يستطع نجيب أن يفعل شيئاً، حاول تأخير إعلان النتائج، لكن لجنة الانتخابات اضطرت إلى أن تعلنها، لم يملك نجيب بعد تردد ومماطلة إلا أن يعترف بالهزيمة.

يوم الفوز: مواجهة بين الملك الشاب والزعيم العجوز

في الساعات الأولى من فجر العاشر من مايو/أيار 2018، دبت في قصر الأستانة، المقر الرسمي لملك ماليزيا، حياة غير معتادة.

تلقت وان عزيزة، رئيسة حزب العدالة الشعبية الذي فاز بالعدد الأكبر من مقاعد البرلمان، دعوة غير معتادة من الديوان الملكي في الساعة الثانية والنصف من فجر يوم الخميس، «على وان عزيزة أن تحضر على الفور للقاء الملك».

بدا واضحاً للأحزاب الأربعة المشكِّلة لـ»تحالف الأمل» أن الملك محمد الخامس لديه ما يقوله وبشكل شديد الإلحاح، وبالطبع لم يفت على مهاتير أن الملك يخطط لأمر ليس لصالحه، فهو يعرف أن علاقته بالقصر ليست جيدة، ولا يكره السلاطين أحداً مثل كراهيتهم للسياسي العجوز.

السلطان محمد خلال لقاءه بأنور إبراهيم

 

النظام السياسي بماليزيا ملكي دستوري، يحتل رأس الهرم فيه ملك منتخب من بين 9 سلاطين يمثلون الولايات التسع المشكلة للفيدرالية الماليزية، يجلس على العرش 5 أعوام، ثم يُستبدل بسلطان آخر، الملك الحالي توِّج في ديسمبر/كانون الأول عام 2016، وهو شاب نسبياً؛ إذ يبلغ الـ49 من العمر، ويعتبر دور الملك احتفالياً ورمزياً، فهو الرئيس الاسمي للجيش، ويعتبر إمام الإسلام الرمزي للأمة، إلا أن الدستور يقضي بأن يكلف رئيس الكتلة البرلمانية الأكبر عدداً مهمة رئاسة الوزراء.

الملك لا يحب مهاتير ولا يريده رئيساً للوزراء، ومن ثم سيعرض المنصب على وان عزيزة، والحجة في ذلك بينة، فحزبها حصد العدد الأكبر بين أحزاب المعارضة الأربعة، فالملك يريد أن ينظر إلى الأحزاب منفردة وليس إلى التحالف. أما لماذا لا يريد الملك مهاتير رئيساً للوزراء فذلك شأن يعود إلى كراهية العائلات الملكية مهاتير وسعيه طوال سنوات حكمه تقليص صلاحيات السلاطين؛ بل إن للملك الحالي مشكلة شخصية مع مهاتير، الذي صادر عدداً من السيارات الرياضية الفارهة المستوردة لصالح الملك (السلطان سابقاً) ورفض إعادتها قبل أن يدفع الضرائب عليها كبقية المواطنين، مهاتير إذن ليس مرغوباً من العائلات الملكية، ويتمنون أن يتسلم السلطة أي شخص آخر بدلاً عنه.

فور أن وصل الطلب إلى وان عزيزة أعلمت حلفاءها، فطالب مهاتير بأن يذهب رؤساء الأحزاب الأربعة مجتمعين للقاء الملك، لكن الأخير تمسك بأنه سيلتقي بوان عزيزة وحدها، عندها وقّع رؤساء الأحزاب على وثيقة تلزمهم بترشيح مهاتير لرئاسة الوزراء ووان عزيزة نائباً له.

في لقاء الملك مع وان عزيزة حاول إقناعها بأن يُطلق سراح أنور على الفور ليتسلم هو رئاسة الوزراء وإن تعذر فيمكنها هي أن تتسلم رئاسة الوزراء إلى حين الإفراج عنه. كان الملك مستعداً لعمل أي شيء لمنع مهاتير من العودة إلى منصب رئاسة الوزراء.

أصرت وان عزيزة على قرار التحالف بترشيح مهاتير، فأعلمها الملك أنه سيؤجل حفل التنصيب لعلها هي وبقية رؤساء الأحزاب يعيدون النظر في ترشيح مهاتير.

كان من المفترض أن ينعقد حفل التنصيب وأداء القسم الساعة 9:30 صباح العاشر من مايو/أيار 2018، إلا أن الملك واصل لقاءاته برؤساء الأحزاب تباعاً، وماطل في الالتزام بالموعد، متذرعاً بضرورة وصول النتائج النهائية عبر القنوات الرسمية إلى القصر، فتأجل الحفل إلى الساعة الثانية بعد الظهر ثم تأجل مرة أخرى، لقد كانت تلك الليلة عصيبة على مهاتير، فها هو في كامل زيه التقليدي يجلس ساعات في القصر منتظراً الملك، ولا يملك من أمره شيئاً سوى التحلي بالصبر وإظهار اللياقة التي يقتضيها العرف، إلا أن أنصار المعارضة بدأوا يشنون في الخارج وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، حملات تطالب بسرعة التنصيب؛ بل وصلت لحد التهجم على النظام الملكي، وأمام ذلك مقترناً بإصرار أحزاب المعارضة على ترشيح مهاتير، انعقد المجلس في الساعة التاسعة والنصف مساء ولدقائق معدودة، وفي أجواء ثقيلة من التوتر الظاهر وغياب الابتسامات، انحنى الزعيم العجوز أمام الملك الشاب ثم رجع القهقرى خطوات ثلاث، وتلا القَسم الرسمي، وصار بذلك رئيس وزراء ماليزيا السابع منذ الاستقلال.

فور أدائه القَسم الرسمي، باشر مهاتير عمله، بدا واضحاً من سلسلة القرارات التي اتخذها أنه في عجلة من أمره، ولا ريب أن رجلاً في الثالثة والتسعين حريص على أن يقوم بما يلزم من دون إبطاء.

مهاتير في مكتبه: إرادة التغيير كانت هائلة

التقيت مهاتير في مكتبه بمؤسسة بردانة للسلام العالمي في فبراير/شباط من العام الماضي (2018). كان متعباً، بدت عليه ملامح الشيخوخة والوهن، ثقيل الحركة، لكنه سليم العقل والحواس. عبّر في اللقاء عن مرارته لما آلت إليه ماليزيا، ووصف نجيب بأنه (سارق السلطة). هذه العبارة تحديداً تختصر نظرة مهاتير للسلطة في ماليزيا، فكأن السلطة تخصه هو شخصياً، وما فعله نجيب من مخالفة نهجه كان لصوصية آثمة، لقد نأى نجيب بنفسه عن مهاتير واستقل بقراره بعيداً عن صاحب السلطة الذي نصّبه في هذا المكان.

المرة التالية التي التقيت فيها مهاتير كانت مساء الأحد 13 مايو/أيار 2018، في بيته بمنطقة سيلينجار تيرف المطلة على بحيرة مينز بكوالالمبور، أي بعد 3 أيام على تنصيبه رئيساً للوزراء، كان أكثر حيوية ونشاطاً من المرة السابقة، خفيف الحركة، سعيداً.

لقد منح الفوز مهاتير حياة جديدة، وزوده بطاقة بدت واضحة على قسمات وجهه ونشاط بدنه.

تحدثت له عن أصداء الانتخابات عالمياً وعربياً، وكيف أن المدافعين عن الحرية والديمقراطية في العالم العربي قد فرحوا بالتغيير الديمقراطي السلس، ذلك أن ما حل بالربيع العربي من مكر وتخريب قد أدخل اليأس في قلوب كثيرة، وما تحقق في ماليزيا يقع موقعاً حسناً في قلوب المناضلين من أجل الحرية والعدالة. تحدث هو عن الأسباب التي قادته للعودة إلى حلبة السياسة، وأنه حاول بكل ما أوتي من قوة أن يُصلح حزب أمنو وأن يردع جموح الفساد الذي استشرى في الحكومة دون جدوى، استعرض كل الإجراءات التي قام بها ابتداء من استقالته من الحزب واعتراضه على فساد نجيب، مروراً بمطالبة الملك بالتدخل ثم توقيع عريضة من قيادات ماليزية كثيرة تطالب باستقالة الحكومة، وصولاً إلى التصعيد الجماهيري والنزول إلى الشارع، ثم ذكر كيف إنه اضطر إلى تأسيس حزب جديد وعن انضمامه إلى المعارضة، ذلك أنه رأى الأولوية الأهم في هذه المرحلة هي إسقاط نجيب؛ وهو ما دفعه للتحالف مع كل من يسعى لهذا الهدف. وذكر أن نتائج الانتخابات لم تكن متوقعة، لكنه استدرك موضحاً أنه كان يتوقع الفوز بالفعل، ولكنه كان يعرف أن نجيب سيسعى لإفساد أو تزوير الانتخابات، لكن الإقبال الشعبي وإرادة التغيير كانا هائلين؛ ولذلك كانت نتائج الانتخابات أكبر من توقعاته.

مناصروا مهاتير محمد

اختتمت اللقاء بالقول إننا في العالم الإسلامي نحتاج إلى رجال دولة مخلصين، وأن تجربته الشخصية تصلح مثالاً يحتذى به، واستعرضت تجارب سياسيين كبار مثل نيلسون منديلا وتشرشل، وكيف أن تراث مثل هؤلاء القادة بقي خالداً عبر التاريخ؛ لأنهم استطاعوا قيادة بلدانهم في لحظات تحول فارقة إلى بر الأمان، ومن ثم فإن عودته في هذه السن وفي هذه الظروف تمثل استثناء نادراً يستحق التدوين، ودعوته إلى أن يكتب سيرته الذاتية لتكون درساً للأجيال القادمة ولتحمُّل رسالة مؤداها أن العالم الإسلامي قادر من خلال الديمقراطية أن ينتقل إلى استقرار سياسي ورخاء اقتصادي.

بدا مهاتير مرتاحاً ومسترخياً، ودّعَنا مبتسماً على باب بيته.

سألت مساعده عن سر نضارة بشرته وحيويته في مثل هذه السن، قال إن السر في ذلك يعود إلى 3 عناصر: الطعام الصحي القليل، والنوم العميق، والرياضة اليومية، لا سيما ركوب الخيل وركوب الدراجات.

وأضفت من عندي واحدة رابعة؛ وهي الطاقة التي توفرها دافعية التحدي والعمل السياسي.

سجين بين سلطتين: مهاتير صاحب القرار النهائي

ما إن بدأت الأجواء الاحتفالية بالهدوء حتى انطلقت مرحلة جديدة أقل احتفالاً وأكثر جدلاً، كان الاتفاق بين أحزاب التحالف أن يتم الإفراج الفوري عن أنور إبراهيم، وأن يتم استصدار عفو ملكي عام عنه، يمكّنه من مزاولة السياسة. غير أن التصريحات حول موعد الإفراج عن أنور بدأت تتضارب؛ فمن ناحية ذكرت ابنة أنور (نور العزة) التي انتُخبت عضواً في البرلمان، أن والدها سيخرج من السجن على الفور، بينما ذكر مهاتير في مؤتمر صحفي، أن الإجراءات قد تستغرق بضعة أسابيع، هنا بدأ القلق يتسرب إلى نفوس المحيطين بأنور، فها هو الرجل العجوز يراوغ ويماطل، سارع مساعدو أنور إلى التواصل مع مهاتير، وذكر أنه يريد أن يقوم بالإجراءات بشكل قانوني سليم، وبالطبع هذه الحجة لم تكن مقبولة أبداً، لا سيما أن الملك كان على استعداد فوري لإطلاق سراح أنور ولإصدار العفو عنه، الواضح تماماً أن مهاتير أراد تأجيل إطلاق أنور لسببين: الأول إلى حين تشكيل مجلس الوزراء المصغر، والسبب الثاني لكي يؤكد أنه صاحب القرار النهائي في إطلاق سراحه.

أعلن مهاتير أن مجلساً مصغراً للوزراء سيضم 10 حقائب رئيسية، وقرر أن يتم توزيع المناصب بالتساوي بين الأحزاب الأربعة المشاركة في الائتلاف على غير رغبة حزب أنور؛ إذ رأى أنور ومساعدوه أن الإنصاف يقتضي توزيع الحقائب الوزارية وفق الثقل البرلماني لكل حزب، وبما أن حزب العدالة الشعبية قد حصد 48 مقعداً فمن الطبيعي أن يحصل على عدد أكبر من الحقائب الوزارية، هذا لم يكن مقبولاً لدى مهاتير؛ إذ لو وافق على هذه المعادلة لحصل حزبه على العدد الأقل من الحقائب الوزارية؛ حيث لم يفز إلا بـ12 مقعداً نيابياً، أما لو منح كل الأحزاب مقاعد متساوية فسيحقق هدفين اثنين في آن واحد:  لن يسمح لحزب أنور بالهيمنة على مجلس الوزراء، وسوف يستميل الأحزاب الأخرى التي ستكون ممتنّة له على منحها حقائب وزارية أكبر من حصتها الطبيعية.

أنور إبراهيم في مؤتمر صحفي بعد خروجه من السجن

كان واضحاً أن السياسي العجوز قد حزم أمره في إنفاذ قراره رغم عدم رضا أنور وفريقه. بدأت مشاعر القلق تجتاح الجميع، زار مهاتير، أنور في مشفاه، وتم الاتفاق على أن الحقائب العشر المهمة ستوزَّع بالتساوي كما أراد مهاتير، أما بقية الحقائب الوزارية الثانوية التي سوف تعلَن لاحقاً، وعددها 15،  فسيتم توزيعها وفقاً لنسبة كل حزب في البرلمان، تمت هذه التفاهمات وأنور لا يزال حبيساً في المستشفى، بعدها فقط أعلن مهاتير أن المجلس الخاص بالعفو سيجتمع يوم الأربعاء في تمام الساعه الحادية عشرة صباحاً؛ للنظر في إطلاق سراح أنور، ولطلب العفو العام الملكي عنه.

أنور في المستشفى: هذه الندوب في جسده

وصلتُ مستشفى شيراس الذي يقبع فيه أنور سجيناً في التاسعة والنصف من صباح يوم الأربعاء، كانت بوابة المستشفى الخارجية تكتظ بأنصار أنور الذين تجمعوا لاستقباله، وكانت البوابة الداخلية للمبنى المنفصل الذي يقيم فيه أنور تكتظ بعشرات الصحفيين والطواقم التلفزيونية استعداداً لالتقاط اللحظات الأولى لخروج أنور من السجن.

اصطحبني الأمين العام لحزب العدالة الشعبية إلى داخل المبنى، لم يعترض أحد من الشرطة، كان هناك عشرات من رجال الأمن ومن الرُّتب كافة، عبرنا 3 حواجز أمنية، كان آخرها على باب الجناح الذي يقيم فيه أشهر سجين ماليزي، دخلنا صالة انتظار، قيل لنا إن أنور في غرفته يتلقى علاجاً طبيعياً، فقد شعر صباح ذلك اليوم بالألم الشديد في كتفه وبأسفل ظهره، وذلك من آثار حادثة وقعت له في السجن عندما دفعه قائد الشرطة بعنف فوقع على حافة مدببة، أصابته بتشظٍّ في بعض فقرات ظهره، ولا يزال يعاني آثارها حتى الآن.

حكومة نجيب هي التي قررت نقل أنور من السجن إلى المستشفى في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 لإجراء عملية جراحية في كتفه، ثم استمرت إقامته بالمستشفى ومنحته السلطات حرية محدودة في التواصل واللقاء مع قيادات حزبه؛ بل إن نجيب نفسه زار أنور ونشر صورة له ولزوجته بجانب سرير أنور متمنيَين له الشفاء!

سألت أحد المقربين سابقاً من نجيب عن سر هذا التغير تجاه أنور، فردَّ بالقول إن نجيب كان يأمل استمالة أنور ضد مهاتير؛ إذ يعلم نجيب أن أنور ذو قلب كبير وأنه يعفو ويصفح، بينما يعرف أن مهاتير قاسٍ شديد البطش!

تذكرت هذا التفسير عندما قرأت في الصحافة المحلية كيف داهمت الشرطة منزل نجيب قُبيل الفجر، وكيف تعمدت إهانة نجيب بنشر صورة له ولزوجته في حالة يرثى لها من الإعياء والكآبة، وفي اليوم التالي انتقد أنور إقدام الشرطة على اقتحام بيت نجيب في هذه الساعة، ورآها إجراء يتنافى مع حقوق الإنسان، حتى وإن كان الإنسان ذاته الذي أرسل غارات أمنية عديدة على بيته في ساعات الفجر.

التقيت نجيب مرة واحدة قُبيل تنصيبه رئيساً للوزراء، كان وقتها وزيراً للمالية، وكان مزهواً شديد الاعتزاز بنفسه، وفي ذلك اللقاء تحدث عن خصمه أنور بالسوء، مشككاً في وطنيته، متهماً إياه بعلاقات مشبوهة مع الأميركيين، كان ذلك في عهد عبد الله بدوي، رئيس الوزراء، الذي نصبه مهاتير خلفاً له عام 2003. عبد الله بدوي رجل معتدل المزاج، هادئ، التقيته هو الآخر عندما زار مكاتب الجزيرة في كوالالمبور، ووجدته محافظاً يميل إلى التدين، لم تُعجب شخصية عبد الله بدوي، مهاتير، واتهمه بالضعف، ثم دفعه إلى الاستقالة ونصّب نجيب خلفاً له.

أنور إبراهيم يقبل زوجته بعد خروجه من السجن

في الساعة الحادية إلا ربع، دخل نائب رئيس الحزب والوزير الأول لحكومة ولاية سالانجور (عزمين) ومعه مغلَّفان، قال إنهما من الديوان الملكي وإن فيهما دعوة من البلاط الملكي لكل من أنور وزوجه لمقابلة الملك في الساعة الثانية عشرة، وإنه لا بد من التحرك باتجاه القصر في الحادية عشرة والربع؛ حتى يمكن من الوصول في الوقت المحدد.

أدرك الجميع أن اختيار توقيت الدعوة الملكية كان مقصوداً، وأنه يأتي في سياق المكايدة السياسية بين القصر ورئيس الوزراء، فقد ماطل مهاتير في موضوع أنور لكي يقول إنني أنا من يقرر يوم خروج أنور، وليس أحد سواي، حتى وإن كان الملك، ولما كان مقرراً أن ينعقد المجلس المكلف استصدار توصية بالعفو عن أنور في الحادية عشرة صباح ذلك اليوم برئاسة مهاتير، لم يكن متوقعاً أن يخرج أنور قبل الثانية بعد الظهر، ذلك أن قرار المجلس سيُرفع إلى الملك ثم يُحوَّل إلى الجهات الرسمية من أجل التنفيذ. أما الملك، فأراد أن يرسل رسالة مفادها: إن كان مهاتير هو من قرر يوم العفو فإنني أنا من قرر ساعته!

أنور في قصر الملك: الفوز هو الاستقلال الحقيقي

في هذه الأثناء، دبت روح جديدة في الجناح، توقفت جلسة العلاج، خرج الجميع من غرفة أنور؛ لكي يتمكن من استبدال ملابسه، التحقت زوجة أنور وابنته به، ووصل إلى الجناح عدد من قادة حزبه لمرافقته خارج المستشفى-السجن.

خرج أنور من غرفته في بدلته الرسمية، اقترحت أن نلتقط صورة تذكارية للمجموعة، وتحت إلحاح المرافقين القلقين من التأخر عن الموعد الملكي، غادر أنور جناحه، وقف برهة مع حراس السجن ورجال الأمن، ودَّعهم وتبادل معهم التحايا، ثم وقف حيث تجمَّع الممرضون والأطباء الذين أشرفوا على علاجه فشكرهم، ثم قصد بوابة المبنى حيث جمهرة الصحفيين فاستقبلوه بالتصفيق والهتاف، حياهم دون أن يُدلي بأي تصريح رغم وابل الأسئلة التي انهمرت من الحشد الإعلامي، استقل سيارته وغادر الموكب باتجاه القصر الملكي.

كانت لحظات مؤثرة وتاريخية، فها هو السجين الذي ظُلم طوال عقدين من الزمن، ومكث في السجن ما مجموعه 9 سنوات ونصف بتهمة وضيعة مختلقة، ها هو يغادر محبسه، وإذا الذين كانوا سجانيه بالأمس يتحولون إلى حرس شرف له، ويتسابقون للاقتراب منه ولالتقاط الصور معه.

يبلغ أنور اليوم الـ70 من عمره، وقد بدا عليه الكبَر والإرهاق، غير أنه ما من شك في أن ثباته كان عاملاً حاسماً في إذكاء شعلة النضال ضد حكومة نجيب، أراد مهاتير عام 1998 أن يكسر إرادة أنور ويدمر عزيمته باختلاق تهمة صيغت لاغتيال شخصيته وإنهاء حياته السياسية، لكنه خرج بعد 6 سنوات ليواصل النضال ويقود المعارضة، ثم أراد نجيب أن يفعل الشيء ذاته وبالتهمة الأولى نفسها، لكن صمود أنور، والتفاف الشباب من حوله، جعلا منه رمزاً للحراك السياسي الديمقراطي. قال لي أحد الصحفيين الماليزيين الشباب -ليس من حزب أنور ولا يشاركه توجهاته الأيديولوجية- قال لي إن ثبات أنور هو الذي أمدنا بالعزيمة لمواصلة المسير، وذكر أن «بريطانيا منحتنا الاستقلال عام 1957 من دون نضال ولا حرب تحرير حقيقية، أما هذا الفوز الذي تحقق على حزب أمنو وحكومته الفاسدة فكان ثمرة نضال حقيقي استمر عقدين، وتربى من خلاله جيل جديد يعلم قيمة الحرية وسيبقى يقظاً متأهباً يحرس مكتسباته؛ حتى لا يستبد بها أحد»، ووصف الفوز بأنه «الاستقلال الحقيقي لماليزيا»، وأنهى حديثه بأن اقترح تنظيم حملة عالمية لترشيح أنور لجائزة نوبل.

تساؤلات ومخاوف: باقة ورد حمراء كبيرة

السؤال الأهم الذي يهيمن على الحياة السياسية الماليزية في هذه الأيام هو: ما مستقبل التحالف بين مهاتير وأنور؟ وهل سيفي مهاتير بوعده التنازل عن رئاسة الوزراء لأنور في غضون عام أو عامين؟

هذا يقودنا للحديث عن الدافع الحقيقي للرجل التسعيني الذي سيسجل التاريخ أنه الأكبر سناً في تولي السلطة ديمقراطياً، ليس سهلاً أن يغوص المرء في خبايا عقل مهاتير؛ ذلك أنه شديد الحنكة والدهاء، وككل السياسيين ممن أفنوا أعمارهم في منعرجات السياسة ودروبها الوعرة، ليس يسيراً قراءة أفكاره ولا نواياه.

سألت محامي أنور، الذي تولى الدفاع عن قضيته الأولى عام 1998، عن صاحب فكرة إدانة أنور بتهمة أخلاقية وضيعة، فردَّ من دون تردد: مهاتير.

سألته كيف يفسر سر قبول مهاتير التحالف مع أنور بعد العداء الشديد بينهما، فعزا الأمر إلى تفسير روحي ديني، قال المحامي الذي ينتمي إلى أقلية التاميل الهندية: الخوف، إن مهاتير قد تقدَّم في العمر، ويخاف من أن يلقى ربه بهذا العبء الثقيل.

كثير من خصوم مهاتير السابقين وحلفائه الجدد لا يقبلون بهذا التفسير؛ ذلك أنهم تعلموا عبر العقود الماضية ألا يأخذوا كلام مهاتير ولا تصرفاته على ظاهرها؛ ولذلك فإن البحث عن تفسير أكثر عمقاً يبدو وجيهاً.

السر وراء تحوُّل مهاتير ينحصر في كلمة واحدة: تراث مهاتير وسيرته، فالرجل الذي تسلّم دفة القيادة في ماليزيا طوال 22 عاماً، واستطاع الانتقال بماليزيا من دولة فقيرة إلى واحدة من نمور آسيا، وتمكن من الارتقاء بالمالاويين المسلمين عبر تبني سياسة تفضيلية تعطيهم الحق في الحصول على أولويات في التعليم والتوظيف والقروض والتجارة، وهو الذي بنى حزب أمنو وأحكم سيطرته على السياسة الماليزية، رأى في السنوات الماضية منجزاته تنهدم واحدة وراء الأخرى، وبدأ يقرأ ويسمع تعليقات الجيل الجديد من الماليزيين في وسائل التواصل الاجتماعي يلقون باللوم عليه فيما آلت إليه البلاد، فهو من نصّب نجيب رئيساً للوزراء، وهو من أودع أنور السجن، وهو من شدد قبضته على المعارضين وصادر حرياتهم، كما أن بذور الفساد الذي استشرى في عهد نجيب زُرعت في عهد مهاتير!

لقد بدا تراث مهاتير وتاريخه مهدَّدين، ورأى الرجل بأم عينيه كيف سيحكم عليه التاريخ إن استمر انهيار إنجازاته السابقة.

لقد كتب وينستون تشرشل مرة : «سيكون التاريخ رفيقاً بي، ذلك أنني أنوي كتابته بنفسي»، وفعلاً كتب تشرشل التاريخ قبل موته، فأنصف نفسه وبرر أخطاءه، أما مهاتير فقد امتد به العمر ليرى قسوة التاريخ معه، فقرر أن يفعل شيئاً ما حيال ذلك.

استمعتُ إلى عدد ممن رووا البدايات الأولى التي طُرحت فيها فكرة التحالف مع المعارضة، وكيف أن مهاتير كان متردداً، وأن الذي حسم تردده بالفعل فشل كل محاولاته استمالة أعضاء حزب أمنو، كما أن تحركه باتجاه الملك لم يسفر عن نتيجة؛ ومن ثم دُفِع إلى تأسيس حزب جديد، ترأسه محيي الدين يسن نائب رئيس «أمنو» السابق، الذي طُرد من الحزب هو الآخر عام 2015؛ لانتقاده نجيب.

محيي الدين يشغل وزارة الداخلية في الحكومة الجديدة، أشار إلى باقة ورد حمراء كبيرة على المنضدة في غرفة الجلوس بمنزله، قائلاً إنها هدية من زوجته بمناسبة عيد ميلاده الـ71، ذكر أنه هو الذي أقنع مهاتير بقيادة حزب بيرساتو الجديد الذي يترأسه محيي الدين، وذكر كيف أنهما اتفقا على أن يكون الحزب مقتصراً على المالاويين والسكان الأصليين، ومن ثم يكون منافساً لحزب أمنو في تمثيل القومية المالاوية.

الحزب الجديد الذي تأسس قبل عام ونصف العام، حصل على 12 مقعداً بالانتخابات الأخيرة، لكن مشاركته في «تحالف الأمل»، وتسلّم مهاتير قيادة التحالف، جعلا من هذا الحزب لافتة مهمة سيكون لها تأثير كبير في الحياة السياسية الماليزية.

التحدي الأكبر أمام الحزب: «أمنو» باسْم جديد؟

على الأرجح، ستقوم حكومة مهاتير بإلغاء تصريح حزب أمنو لأسباب قانونية يجري حالياً إعدادها، وفيما إذا حُل الحزب فإن ممتلكاته الواسعة سوف توضع تحت وصاية لجنة مختصة إلى حين البت في مآلها، أما بالنسبة لـ54 نائباً، فسيكون أمامهم خيار واحد: الانضمام إلى حزب بيرساتو، حزب مهاتير ومحيي الدين، وهكذا وفي غضون شهور قليلة، سيتحول الحزب من حزب صغير إلى الكتلة الأكبر في البرلمان، أي إننا سنرى حزب أمنو في ثوب جديد يعود مرة أخرى إلى واجهة السياسة الماليزية، ويمكن حينها أن تؤول ممتلكات «أمنو» إلى الحزب الجديد؛ لتقارب الأهداف وتماثل البنية التنظيمية .

سألت محيي الدين عن مستقبل «أمنو» وما إذا كان حزبه سيستقبل نواب «أمنو» إن اختاروا الالتحاق بالحزب، فردَّ بالإيجاب، وقال إن «التحدي الأكبر أمام حزبنا هو في استيعاب الهجرة التي ستتم إلينا إذا تم حل حزب أمنو»، إلا أنه استدرك قائلاً: «لكن هناك نواب من (أمنو) فاسدون، ولن نقبل بهم، مثل زاهد حميدي ومجموعته».

زاهد حميدي يشغل حالياً رئاسة حزب أمنو بالوكالة، خلفاً لنجيب الذي استقال بعد الهزيمة الساحقة، وزاهد يكره مهاتير ويكرهه محيي الدين، أما أنور فعلاقته بزاهد ليست سيئة، وفي حال تم حل «أمنو»، فإنه ليس مستبعداً أن ينضم زاهد حميدي مع مجموعته -نحو 20 أو يزيد من النواب- إلى حزب العدالة الشعبية بزعامة أنور.

كل هذا يبقى حالياً في عالم التوقعات؛ إذ إن الجميع الآن يعمل بصمت وحذر شديدَين؛ حتى لا يثير حفيظة حلفائه، لكن من المؤكد أن التخوف والشك يهيمنان على التحالف، وسيسعى كل من مهاتير وأنور لتعزيز موقع حزبيهما في البرلمان.

من اليسار: أنور إبراهيم، مهاتير محمد، وان عزيزة

نخلص إذن إلى أن الدافع الرئيسي لعودة مهاتير هو ترميم تاريخه السياسي، سيبني «أمنو» جديداً، وسيضخ الدم في عروق الاقتصاد الماليزي، وسيستعيد مكانته في نفوس أبناء شعبه ثم يتنازل طواعية عن الحكم.

كم سيستغرق ذلك؟ يقول مهاتير: «عاماً أو عامين»، ثم يستدرك: «أو طالما كانت هناك حاجة لتجربتي!».

احتمالية أن يقوم مهاتير بحل حزب أمنو وضم نوابه إلى حزبه الجديد مدعاة لقلق فريق أنور؛ لأنه ببساطة يمكن لمهاتير -إن استطاع تشكيل كتلة برلمانية أكبر من كتلة أنور- أن يقول حينها: رئيس الوزراء لن يكون أنور؛ بل رئيس حزب بيرساتو، ألا ينص الدستور على أحقية رئيس الحزب الأكبر في البرلمان بتولي رئاسة الوزراء؟

في هذه الحالة، سيحافظ أنور على حضوره السياسي، وسيشد من وحدة حزبه، وسيغري نواباً آخرين من «أمنو» وغيره بالانضمام إلى كتلته؛ ومن ثم يكون بالفعل رئيس وزراء ينتظر ممارسة عمله. هذه الأفكار لا تزال موضع جدل، ذلك أن أنور لا يزال حريصاً على عدم إثارة شكوك مهاتير، ويذكر أنور لجلسائه كيف أن مهاتير سأله عندما زاره في سجنه السؤال التالي: هل تعدني بألا تنقلب عليَّ؟ وبالطبع، ردَّ أنور بالنفي، مستهجناً هذا السؤال. أنور صادق في التزامه حيال مهاتير، وعلى الأرجح فإن مهاتير يعرف ذلك، لكنه سأل أنور هذا السؤال؛ لكي يدفع أنور إلى الإحجام عن المضي في أية خطوات جريئة، تحسباً من أن تُفهم خطأ من قِبَل مهاتير.

المرحلة القادمة في الحياة السياسية الماليزية ستكون ثرية وديناميكية، وسوف نرى حراكاً حزبياً واسعاً، وإذا سارت الأمور كما تشتهيها سفن أنور، فإننا أمام فترة انتقالية بقيادة مهاتير يطيح فيها بما تبقى من نفوذ المجموعة التي وقفت مع نجيب، ويعيد العافية إلى الاقتصاد الماليزي ومؤسسات الدولة، وهذا دور يتقنه مهاتير ويقدر عليه، ثم يعقبها تسليم أنور رئاسة الوزراء، ليبدأ مرحلة جديدة من الحياة السياسية الماليزية، هذا السيناريو إن تم فسيكون مثالياً، وسيدخل التاريخ السياسي كقصة مثيرة وعصيبة ولكن ذات نهاية سعيدة.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
ماليزيا: فصول أربعة في ربيع واحد

قصص ذات صلة