الأربعاء, 23 يناير 2019
الشرق الأوسط

مجزرة مقديشو قبل 26 عاما.. هل غطت الولايات المتحدة على جريمتها التي سبقت سقوط مروحيّتي «الصقر الأسود»؟

جنديان أمريكيان في الصومال 1993 / رويترز
عربي بوست، ترجمات

كان كريستيان يغفو في مروحية من طراز Black Hawk (الصقر الأسود) عندما سمع الانفجار الأول.

وقال كريستيان لموقع The Daily Beast الأمريكي: «أتذكر أنني قلت لنفسي: هذا الانفجار ضخم… لا بد أن منفذيه أمريكيون. إذ لم يكن يمتلك أي شخص آخر في الصومال مثل هذه القوة العسكرية».

كانت طائرة كريستيان تحلق في سماء مقديشو منذ الثانية صباحاً في الـ12 من شهر يوليو/تموز 1993، وكان «يوماً هادئاً للغاية» بالنسبة لوحدته إلى أن رأى سحباً من الدخان الكثيف تتصاعد من مسافة قريبة. إذ أطلقت عشر مروحيات أمريكية هجومية 16 صاروخاً، وأكثر من ألفي طلقة مدفعية على الطابق الثاني لمنزل عبدي حسن عوالي قيبديد –أمير حرب ووزير دفاع الجنرال محمد عيديد- ففجروا الدرج؛ ما منع الناس من الهروب، ثم فجروا المبنى بالكامل.

وقال كريستيان، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، حتى بعد مرور كل هذا الوقت؛ لأنَّ بعض جوانب العملية ما زالت سرية وليس لديه تصريح بالحديث عنها: «تفجر المبنى اللعين بأكمله. لا أعتقد أنَّ أياً كان من أصدر الأمر بهذه الضربة لم يتوقع سقوط ضحايا مدنيين».

كانت الساعة 10:18 صباحاً، وكانت القوات الأمريكية قد بدأت بالفعل تنفيذ «العملية ميتشيغان».

إذ كانت القوات الأمريكية تطارد الجنرال محمد عيديد، وهو أمير حرب صومالي، بعد أن وضعت الأمم المتحدة والولايات المتحدة مكافأة قدرها 25 ألف دولار لمن يُوقِع به. وأرادا إلقاء القبض عليه على خلفية اتهامه بالمسؤولية عن الكمين الذي نُفِذَ في الـ5 من شهر يونيو/حزيران وأودى بحياة 24 جندياً باكستانياً مشاركين في عملية الأمم المتحدة الثانية في الصومال

(UNOSOM II)، وهي مهمة لإحلال السلام تشتمل على قتال نشط وبناء الدولة. وقد اعتُبِرَ هذا الهجوم الجوي الذي نُفِذَ في منتصف الصيف وأشاد الجيش الأمريكي بنجاحه الكبير، رداً على التصعيد الأخير للعنف. لكن بدلاً من أن تهاجم القوات الأمريكية مجلس حرب عيديد، كما كانت تظن، هاجمت اجتماعاً للسلام.

وقد أدى هذا الاستخدام غير المتكافئ للقوة وانتهاك حقوق الإنسان والقانون الإنساني إلى سقوط أعدادٍ هائلة من الضحايا المدنيين في وقت لم تكن فيه الأمم المتحدة والولايات المتحدة في حالة حرب مع الصومال. وقد أصبح يُنظِر للهجوم على بيت عبدي، على نطاق واسع، على أنه رمزٌ لفقدان الأمم المتحدة والولايات المتحدة الهدف من المهمة في الصومال، وتحولا من بطلين إنسانيين إلى قاتلين محترفين.

عمليات مستمرة ومحاسبة غائبة

واليوم، وفي ظل تصعيد إدارة ترامب هجماتها بالطائرات دون طيار لدرجة هائلة، في ساحات قتال غير مُعلَنة، من بينها الصومال، لا زالت المحاسبة والتبعات القانونية غير مُطبَقة فعلياً. وهناك أيضاً سجل متزايد من منفذي العمليات الخاصة الأمريكيين خلال حكم الإدارة الحالية يضعون أنفسهم ومن يعملون معهم في مواقف خطرة ومميتة.

ثمّة دروس حيوية يمكن أن نستقيها حالياً من «العملية ميتشيغان»، لكن هذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها شخصٌ من الداخل بأنها لم تُحقق أياً من أهدافها المرجوة، وأنها لم تسفر إلا عن مهاجمة مدنيين؛ ليؤكد ما كان يقوله صحفيون وأكاديميون وصوماليون على مدى سنوات.

فبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مُنِيَت الصومال بفقدان أكثر من 200 ضحية في ذلك اليوم. وعقب وقوع هذه الغارة، رُجِمَ أربعة صحفيين غربيين بالحجارة حتى الموت على يد حشد صومالي غاضب.

وأصبحت هذه العملية، التي نفذتها عناصر جوية وبرية من قوات الرد السريع الأمريكية، معروفة في الصومال باسم «الإثنين الدامي»، وهو اليوم الذي ارتكبت فيه القوات الأمريكية، من جانب أحادي، عملية عسكرية عدوانية ضد مواطنين صوماليين، معظمهم مسنين كانوا يجتمعون لمناقشة كيفية الضغط على عيديد لإحلال للسلام. ويقول صحفيون كانوا يغطون الأحداث في الصومال إنَّ هجوم الـ12 من يوليو/تموز أثار عداء الصوماليين، سواء المدنيون أو أفراد القبائل، ضد الولايات المتحدة.

ومع أنَّ محاولات أخرى لأسر عيديد قد سبقت «العملية ميتشيغان»، إلا أنَّ هجوم الـ12 من شهر يوليو/تموز كان أكثرها دموية، وأدى إلى تثبيت سلطة عيديد وكان بمثابة نقطة تحول بعد أن فقدت الولايات المتحدة تأييد وتعاطف الشارع الصومالي.

وقال كريستيان: «هذه هي النقطة التي بدأنا فيها خسارة الصومال ولم نكن حتى ندرك ذلك».

وبعد المذبحة حَمَلَ رجال العشائر الصومالية السلاح وقرروا اتباع عيديد؛ ومن ثم شكلوا عدواً أكبر تعيّن على القوات الأمريكية مواجهته في الثالث من شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 1993 أثناء معركة مقديشو، وهي المهمة العسكرية الكارثية التي قادتها القوات الأمريكية الخاصة لأسر عيديد وجرى فيها إسقاط مروحيتين أمريكيتين من طراز Black Hawk، ونقلت شاشات التلفاز صورا لجنود أمريكيين تُسحَل جثث كثيرين منهم في الشوارع. وقد خُلِّدت هذه الكارثة في كتاب ألفه مارك بودين Black Hawk Down (سقوط الصقر الأسود) وفي فيلم عام 2001 يحمل الاسم ذاته.

وقال سكوت بيترسون، أول صحفي وصل إلى مسرح الأحداث يوم الإثنين الدامي، وعانى من إصابة بمدية في الرأس بعد أن طاردته الحشود: «ليس هناك شك في أنَّ الغارة قد أشعلت الغضب بين أفراد عشيرة عيديد. وليس ثمّة شك في أنَّ هذا الغضب آنذاك ساعد على تغذية العنف الشديد الذي أظهره الصوماليون تجاه القوات الأمريكية بعد ذلك، وعلى الأخص خلال حادثة إسقاط مروحيتي Black Hawk الشهيرة».

طاقم إحدى المروحيتين الأمركيتين التي تم إسقاطهما / سوشال ميديا

جريمة مشتركة

ووصفت منظمة Human Rights Watch في تقريرها لعام 1995 عن الصومال، يوم الإثنين الدامي، الذي طغى عليه موت الصحفيين والجنود الأمريكيين الـ18 الذين ماتوا بعد ذلك بثلاثة أشهر، بأنه يشبه عملية «قتل جماعي». ومع ذلك، فلم يُجرِ المسؤولون العسكريون الأمريكيون قط تحقيقاً حول الهجوم أو يصدروا اعترافاً رسمياً بمسؤوليتهم.

من جانبه، كتب كيث ريتشبورغ، المراسل السابق لصحيفة The Washington Post الأمريكية في مقديشو، في كتابه Out of America: «لم يبد أنَّ أي شخص يعير أهمية على الإطلاق لعدد القتلى الصوماليين».

وعلى بعد ميل ونصف الميل من مكان المذبحة التي تفجرت في الـ12 من شهر يوليو/تموز، فرَّت آن رايت، رئيسة شعبة العدل في عملية الأمم المتحدة الثانية في الصومال UNOSOM II، وموظفي الشعبة إلى خارج المجمع الأمريكي الذي يقيمون فيه وصولاً إلى أرض مرتفعة بعد أن سمعوا الصواريخ وانطلاق الرشاشات.

وقالت رايت: «عرفنا أنَّ شيئاً سيئاً كان يحدث بسبب كل هذه الضوضاء»، وأضافت أنه لم يكن يعلم أي أحد ما الذي يحدث على وجه التحديد، حتى تنامى إلى أسماعهم أنَّ صحفيين أمريكيين قتلوا على يد حشود من الصوماليين الغاضبين لمقتل شيوخهم. وتابعت: «بدأنا نطرح أسئلة: ما الذي يحدث؟ ولماذا؟».

وقالت رايت: «كلما سمعنا أكثر، ازددت قلقاً». وفي اليوم التالي، كتبت رايت مذكرة سرية لرئيسها، المبعوث الخاص للأمم المتحدة في الصومال، الأدميرال الأمريكي جوناثان هاو تقول إنَّ هذا الهجوم لم «يكن أقل من جريمة قتل ارتُكِبَت باسم الأمم المتحدة».

وبعد أربع دقائق من وقوع الضربة الجوية، نزلت القوات البرية الأمريكية إلى الموقع لتأكيد الضربة. لكن بدأت تنهال رسائل سريعة عبر اللاسلكي.

واسترجع كريستيان التقارير المبكرة من القوات البرية، إذ سمعهم يقولون: «غير فعال». وطلب أحدهم توضيحاً عبر الراديو. فقال جندي من القوات البرية عبر اللاسلكي: «الهدف غير موجود. الهدف غير موجود».

وقال كريستيان: «كانت لدينا قائمة بالمستهدفين، لكن لا أحد من هذه القائمة قُتِلَ أو أُسِرَ ذلك اليوم. لطالما شَعرتُ بأنَّ العملية هي في أساسها محاولة اغتيال لم تجرِ على ما يرام وأدت في النهاية إلى موت أبرياء».

سنوات من الإنكار

وبعد العملية ولسنوات طويلة، ظل الأدميرال جوناثان هاو واللواء توماس مونتغومري، الذي كان يقود القوات الأمريكية في الصومال، وكان يحلق في مروحية أثناء الضربة الجوية، ثابتين على موقفهما؛ إذ ظلا يرددان أنَّ العملية لم تشبها شائبة، وأنها حققت أهدافها دون إسقاط مدنيين أبرياء. وطعنَّا في صحة الأرقام الصادرة حول أعداد الضحايا وأصرا على أنَّ الاجتماع الذي استُهدِف كان اجتماع حرب.

وبحسب تقرير ما بعد العملية عن الصومال، الذي أعده مونتغمري وآخرون، كان بين القتلى عددٌ من كبار الممولين والمخططين العسكريين، بمن في ذلك المُدَبِّر العام لكمين الخامس من شهر يونيو/حزيران الذي استهدف جنوداً باكستانيين. وقد رفض مونتغمري إجراء مقابلة مع موقع The Daily Beast.

بلغ العدد الرسمي للضحايا المُعلن من جانب مهمة عملية الأمم المتحدة الثانية في الصومال 20 ضحية (13 قتيلاً وسبعة جرحى). لكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أفادت بمقتل 54 شخصاً وإصابة 161 آخرين. فيما زعم عيديد أنَّ 73 صومالياً لقوا حتفهم، من ضمنهم نساء وأطفال، وجُرِحَ أكثر من 200 آخرين. وفي المقابل، لم تتكبّد القوات الأمريكية أية خسائر في الأرواح.

وقال هاو لموقع The Daily Beast إنَّ ادعاء التحالف الوطني الصومالي بزعامة عيديد كان «على ما يبدو مبالغاً فيه»، إذ تضمَّن «بعض الأفراد الذين لقوا حتفهم قبل عدة أسابيع من الغارة».

وقال هاو: «لم يكن هناك أيضاً أي دليل على سقوط ضحايا غير مقاتلين من جرّاء الغارة نفسها».

ومع ذلك، قالت آن رايت، التي خدمت لمدة 29 عاماً في الجيش الأمريكي وتقاعدت برتبة عقيد، إنَّ القوات البرية لم تمكث لفترة كافية من الوقت في موقع الهجوم لتحديد هويات القتلى أو إحصاء عددهم.

وأضافت رايت: «لم يكن الأمر كما لو أنَّهم (الجنود) تجوَّلوا عبر الحطام وأخرجوا الجثث، بل غادروا المكان فحسب. لقد نُفّذت الغارة في لمح البصر».

حلَّق كريستيان وفريقه فوق الموقع لأكثر من 12 مرة، وفي كل مرة كانوا يلقون نظرة فاحصة، على «الأضرار الجانبية الناجمة» في الأسفل. كان تقييم التهديد أدناه هو جزءاً من مهمته.

وقال كريستيان: «كنت أبحث عن وجود تهديدات محتملة لكن لم أرَ أي شيء». في الواقع، كانت الجثث هي كل ما رآه عند الهبوط لنقل القوات البرية. وأضاف أنه رأى سراويل مطبوعاً عليها أزهار، وأردية سارونغ ملونة، وأقداماً حافية وصنادل.

ووفقاً للنسخة الرسمية عن وقائع الهجوم المُفصَّلة في «الكتاب الأزرق» للأمم المتحدة، استغرقت القوات تسعة دقائق لإخلاء المنطقة وتفتيش منزل عبدي، ثم المغادرة. وغادرت القوات أبكر من الوقت المتوقع. وقال كريستيان إنَّ وحدته استُدعِيَت لتكون في مكان قريب من موقع الهجوم استعداداً لتقديم الدعم، لكن ما كادت وحدته تخرج حتى وصل حشد الجنود الذين نفذوا العملية.

كانوا على علم بوجود مدنيّين

وتُصر رايت وصحفيون، كانوا يغطون القصة في ذلك الوقت، على أنَّه لم تقع خسائر في أرواح مدنية بريئة فحسب، بل كان المخططون العسكريون يعلمون حتماً أنَّ الاجتماع سيحضره أشخاص مدنيون غير مقاتلين.

وقالت رايت: «كانوا يعتمدون على معلومات قدَّمها لهم مُخبر مدفوع الأجر تفيد بأنَّ الجنرال عيديد سيكون موجوداً في الاجتماع مع شيوخ القبائل، لذلك كانوا على علم بأنَّ شيوخ القبائل سيكونون حاضرين».

وكتب سيباستيان كايمف، المحاضر البارز في دراسات السلام والنزاع بجامعة كوينزلاند في أستراليا، عن عملية ميشيغان، وأجرى مقابلة مع هاو ومونتغمري في عام 2005. وقال كايمف إنَّ القوات الأمريكية كانت حتماً تعلم بوجود مدنيين في مثل هذه التجمعات. إذ كان يحشد عيديد دوماً عدداً كبيراً من المدنيين لحضور اجتماعاته، وكان من التقاليد الصومالية أن تتواجد نساء ليقمن بالطهي وتقديم وجبات الطعام والشاي، وكان الحي، حيث وقع الهجوم، من الأحياء المكتظة بالسكان.

ووفقاً لكايمف، كان هاو ومونتغمري والمخططون العسكريون التابعون للأمم المتحدة يعلمون بوجود مدنيين قبل شن الغارة. لكنهم قرروا خلال أحد اجتماعاتهم التخلي عن سياسة إصدار إنذار مُسبَق للمدنيين الموجودين في المبنى، وهي إحدى السياسات المتبعة في عمليات الاشتباك وإجراء طبيعي مُتفق عليها، إلى أن وقع الهجوم على منزل عبدي.

وكتب سكوت بيترسون في كتابه: » Me Against My Brother» أنَّ الاجتماع أُعلِن ونُشِرَ عنه قبل يوم من انعقاده في الصحف الصومالية باعتباره تجمعاً للسلام.

فيما قال هاو لموقع The Daily Beast: «هناك أدلة كثيرة جديرة بالاعتبار تُثبِت أنَّه كانت هناك جلسة تخطيط جارية في مقر عبدي بشأن شن حرب قاسية… وكان اجتماع شيوخ العشائر الذين يبحثون عن حلول سلمية على بعد عدة بنايات (من الاجتماع الذي كان يجري في منزل عبدي)».

لكنّ الصحفيين الذين أجروا مقابلات مع شهود عيان وشاهدوا مقطع فيديو لما بعد الهجوم، وصفوا الحاضرين في منزل عبدي بأنَّهم قادة دينيون وقضاة سابقون وأساتذة جامعيون وشاعر معروف والزعيم الأبرز للعشيرة الذي كان في التسعينيات من عمره، ورجال ونساء وأطفال. صحيح أنه كان هناك أيضاً بعض المُتشدّدين، لكن جميعهم كانوا حاضرين لمناقشة مبادرة سلام. وتحدَّث الأشخاص الناجون من الهجوم إلى الصحفيين عن المشهد الفوضوي الذي تلا الغارة، التي خلفت أكواماً من الجثث الدامية وأشلاء تسبَّبت في إغلاق الطريق أمام الناجين بينما كانوا يكافحون للعثور على السلالم للهروب وسط أعمدة الدخان الكثيف المظلم.

وفي مقابلة أجريت عام 1995 مع برنامج Frontline، قال مونتغمري إنَّها «كانت عملية دقيقة وحاسمة للغاية» بهدف قتل «الأشرار».

فيما قال هاو: “بحسب ما أتذكَّر، سارت بشكلٍ جيد من منطلق ما كنا نريد القيام به في ذلك الوقت، وهو الضغط على عيديد، الذي كان يتصرف بصورة سيئة. هناك صورة مُبالغ فيها تُروَّج لأحداث ذلك اليوم. إنَّه مجرد هجوم واحد في يومٍ واحد».

انتهت الغارة بعد 17 دقيقة من سماع كريستيان الانفجار الأول. لكن لا تزال الآثار والندبات التي خلَّفتها باقية.

اضطرابات ما بعد الجريمة

انقطع كريستيان، الذي فقد الثقة في المهمة ككل بعد عملية ميشيغان ومعركة مقديشو، عن عمله في الجيش وظل لسنواتٍ لاحقة يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة. وبعد مرور خمسة وعشرين عاماً، قال كريستيان إنَّه لا يزال يفكر في يوم 12 يوليو/تموز 1993.

وقال: «كان قد سبق لي رؤية أشخاص يُصابون وفقدنا قبل ذلك رجالاً، لكن كل شيء حدث في ذلك اليوم بدا عقيماً وعديم الجدوى».

ومن جانبها، وصفت آن رايت الهجوم بأنَّه «مذبحة» وقالت إنَّه انتهك اتفاقيات جنيف كما نشرها الجيش الأمريكي في «الدليل الميداني رقم 27-10 بشأن قانون الحرب البرية«.

وقالت: «كنت أشعر بغضب شديد.. لقد فجرت ببساطة مبنى دون حتى التأكد من هوية الموجودين بداخله؟».

وحذَّرت رايت، في مذكرة سلَّمتها شخصياً إلى هاو، من تطبيق تكتيكات خلال حروب مُعلنة بدون وجود قرار إعلان حرب أو قتال من جانب الأمم المتحدة. وتساءلت أيضاً عن القرار التوجيهي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يفوض مهمة عملية الأمم المتحدة الأولى في الصومال «لاتخاذ جميع التدابير اللازمة» ضد أولئك المسؤولين عن الهجوم على 24 جندياً باكستانياً. وأكَّد قرار مجلس الأمن رقم 837 مجدداً على تفويض الأمين العام للأمم المتحدة لاتخاذ جميع التدابير اللازمة «من بينها ضمان التحقيق مع أولئك المسؤولين عن الأعمال المسلحة وإلقاء القبض عليهم واحتجازهم أو مقاضاتهم ومعاقبتهم».

ودافعت رايت عن منح الفرصة للاستسلام والاحتجاز والحق في المحاكمة في محكمة قانونية محايدة. وقالت إنَّه خلال هجمات سابقة، أذيعت رسائل تحذيرية تعطي الأشخاص حق الاختيار ما بين بالبقاء في المبنى أو الخروج.

وكتبت في المُذكِّرة: «هذا أول حادث لم يُمنَح فيها الأشخاص أي خيار»؛ ومن ثم تقوِّض تلك العملية العسكرية «مصداقية الأمم المتحدة، عندما لا نستطيع بدقة تحديد عدد القتلى أو المصابين ومعرفة هويتهم وسبب وجودهم في المنشأة».

وأوضحت رايت أنَّه لم يكن هناك اهتمام كبير في ذلك الوقت بتحليل الحيثيات القانونية لمثل هذه العملية.

وقالت: «ترددت أصداء تلك العملية على مدار شهر، ثم أبقيت طي الكتمان. لم يخضع أحد للمساءلة عن أي شيء. كان ينبغي إجراء تحقيق عادل نزيه في ما حدث، وكان ينبغي أن يتحمل كافة الموجودين في تسلسل قيادة العملية المسؤولية.. إنَّها تمثل نوعاً ما الطريقة التي تستخدمها الولايات المتحدة لإتمام الأمور الآن، وهي طريقة خاطئة تماماً».

ضحايا من الصحافيين

ولم تكن رايت هي الوحيدة التي انتقدت العملية واعتقدت أنَّها كانت خاطئة. فمن بين الصحفيين الذين عبروا عن مشاعر مماثلة، قال إيدان هارتلي، الذي تحدَّث إلى أشخاص ناجين وشهود عيان على الهجوم، «إنَّ هاو ومونتغمري لديهما الكثير ليجيبان عنه لكنهما اختفيا من التاريخ».

وبعد مرور ثلاثين دقيقة على انتهاء الغارة، وصل صحفيون أجانب إلى موقع الهجوم للإفادة عن آثاره وتبعاته. وسرعان ما حوصر أربعة منهم من جانب حشد صومالي غاضب وتعرَّضوا للمطاردة والضرب حتى الموت.

واسترجع كريستيان ما حدث قائلاً: «قلت إنَّ أمريكا في خطر». واعتقد كريستيان ووحدته في ذلك الوقت أنَّ جميع الصحفيين كانوا أمريكيين. وحامت مروحيتهم من طراز Black Hawk فوق المصور الصحفي لدى وكالة أنباء Reuters البريطانية، دان إلدون، وهو بريطاني- أمريكي كان يبلغ من العمر 22 عاماً، ويُشار إليه باسم «عمدة مقديشو» بسبب الطريقة التي فاز بها بدعم الصوماليين من خلال أسلوبه المرح وإظهار التعاطف معهم. وفي عام 2017، جرى تصوير فيلم عن قصة حياته بعنوان “Journey Is the Destination”.

وقال كريستيان، الذي شاهد إلدون يُضرَب حتى الموت بينما حلَّقت طائرتهم بعيداً: «ظلّوا يرددون كلمة «سلبي» فحسب. لقد كنت مشوشاً. لم أفهم. لم أستطع الهبوط بالمروحية. لم أستطع القول: تباً لهذا، سأهبط هناك. لم أستطع فعل أي شيء».

وقال كريستيان إنَّه يعتقد أنَّه كان بإمكانه إنقاذ الصحفيين. إذ كان سيستخدم الدخان أولاً لتأمين المنطقة، ثم يخرجهم من الموقع باستخدام المروحية. لقد فعل ذلك عدة مرات سابقاً.

وفي الساعة 11:46 صباحاً، لاحظت مروحية Black Hawk أخرى إلدون، ثم هبطت بحماية من مروحية هجومية من طراز كوبرا، التي اندفعت إلى أسفل لتفريق الحشد، واستعادت جثة إلدون. ثم عقب نقله إلى المستشفى العسكري الأمريكي، أُعلِنت وفاته.

وأُعلن أيضاً عن مقتل ثلاثة أجانب آخرين بخلاف إلدون هم: المصور الصحفي الألماني الذي كان يعمل لدى وكالة Associated Press الأمريكية، هانز كراوس، والمصور الصحفي الكيني، هوس ماينا، وفني الصوت الكيني أنتوني مكاريا، وكلاهما كانا يعملان لدى وكالة Reuters.

وكتب بيترسون في كتابه، الذي تحدث أيضاً عن واقعة قتل إلدون، «لا توجد قصة صحفية تستحق ذلك، فالصحفي الموهوب الشاب، الذي عكست الرسمة المطبوعة على قميصه «Mogged Out» -أي ممزق- عن القصة الأهم المُتعلقة بالإجهاد المزمن الذي شهدناه جميعاً خلال تغطية الأحداث في الصومال».

وبالنسبة لكريستيان، فهو لا يستطيع نسيان مشهد رصد إلدون ثم التخلّي عنه بينما هو يركض لينجو بحياته، لينتهي به الأمر بالتعرض للضرب حتى الموت على يد صوماليين غاضبين مما فعلته وحدة كريستيان بعشيرتهم.

وقال: «منحنا أهمية لأشخاص ظننت في السابق أنَّهم غير مهمين».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
مجزرة مقديشو قبل 26 عاما.. هل غطت الولايات المتحدة على جريمتها التي سبقت سقوط مروحيّتي «الصقر الأسود»؟

قصص ذات صلة