حماية أميركا للقادة السعوديين وراء عدم اعتراف دونالد ترامب بتورط محمد بن سلمان في جريمة قتل جمال خاشقجي
الأربعاء, 12 ديسمبر 2018

فاينانشال تايمز: ترامب لا يمكنه الاعتراف بمسؤولية محمد بن سلمان في قضية خاشقجي، وهكذا حمى أسلافه قادة السعودية

عربي بوست، ترجمة

كشف تقرير لصحيفة Financial Times البريطانية، البيان الغريب الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي، الذي يوضح بشكل أساسي أنَّ أي مسؤولية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جريمة قتل جمال خاشقجي تأتي في المرتبة الثانية، بعد وعده بشراء أسلحة أميركية بقيمة 110 مليارات دولار «قد يعكس فظاظة معاملات الرئيس الأميركي وأسلوب حديثه الأخرق، مثل ذلك الذي اعتاده في تغريداته على موقع تويتر»، لكن يوضح تقرير الصحيفة البريطانية أن حماية أميركا للقادة السعوديين تعود لسنوات الحرب العالمية الثانية، وأن معاملات ترامب ليست بعيدة كل البعد عن ممارسات أسلافه.

وحسب التقرير فإن الولايات المتحدة تولت الدفاع عن المملكة العربية السعودية منذ سنوات الحرب العالمية الثانية، بعد أن «سئمت من الوساطة البريطانية التي كانت وصية على المنطقة»، وهو ما جعلهما يدخلان في صراع من أجل السيطرة على منطقة الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الصفقة التي منحت السعودية حماية رؤساء الولايات المتحدة

كانت المنافسة جارية بحلول عام 1945، عندما التقى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، وهو في طريق عودته إلى بلاده بعد قمة يالطا التي جمعته ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، مع عبدالعزيز آل سعود ملك السعودية -تلك الأرض التي منحها اسم عائلته- على متن سفينة حربية أميركية في منتصف قناة السويس.

وبعد أن استقرَّت ترتيباته في أوروبا بعد الحرب، وضع روزفلت حجر الأساس للشرق الأوسط في فترة ما بعد الحرب: ستأوي الولايات المتحدة المملكة التي وحدها ابن سعود مؤخراً بالسيف تحت مظلتها الأمنية، وفي المقابل يضمن السعوديون تدفق النفط نحو الغرب بحرية وبأسعار معقولة.

حتى يومنا هذا، كانت المملكة الوهابية، ببهرجتها القائمة على ثروتها النفطية في الخارج، وتزمتها المطلق في الداخل تشكل حجر الأساس في سياسة الشرق الأوسط لكل رئيس أميركي ولكل رئيس وزراء بريطاني.

أمَّنَ هذا اللقاء الشهير بين روزفلت وابن سعود صفقة بدأت قبل ذلك الوقت بعامين، عندما جعل روزفلت في عام 1943 السعودية غير المشاركة في الحرب مؤهلة للحصول على المعونات الأميركية بموجب قانون الإعارة والتأجير في زمن الحرب.

لكن ما الذي جعل الأميركيين يتحركون لوقف الهيمنة البريطانية؟

جاءت خطوة روزفلت تلك بعد أن اكتشف أنَّ تشرشل كان يستخدم صناديق الإعارة والتأجير، التي ضخت المعونة الأميركية للحلفاء قبل دخول أميركا الحرب، لتعزيز وضع بريطانيا في الشرق الأوسط، تمهيداً لمنافسة ملحمية.

وكما جاء في كتاب Lords of the Desert لجيمس بار كانت المملكة المتحدة تستخدم هذه الأموال الأميركية لتحديث منشآتها النفطية في إيران والعراق، ولخطب ودّ ابن سعود، الذي كانت الولايات المتحدة تمتلك في مملكته أكبر امتياز نفطي لها.

وسرعان ما سئم روزفلت من الوسطاء البريطانيين الذين يُنسب لهم الفضل دون حق، ومدَّ امتيازات الإعارة والتأجير مباشرة إلى السعوديين. وقال: «أجد أنَّ الدفاع عن السعودية يعد أمراً حيوياً بالنسبة للدفاع عن الولايات المتحدة»، وأصبح على هذا موقف الولايات المتحدة إلى حد كبير منذ ذلك الحين.

جيمس بار، مؤلف كتاب A Line in the Sand، الذي يروي المحاولات الأولى لبريطانيا وفرنسا لتقسيم الشرق الأوسط وبعضهما الآخر، ألَّف كتاب تاريخ آخر مثيراً للانتباه، مُرَتباً ببراعة ومكتوباً بأسلوب جذاب. ويمتلئ الكتاب، الذي يظهر وكأنَّه حوار سلسل بالحكايات المهمة التي ربما لم يسمع بها أولئك الذين يعرفون هذه القصة.

والبداية كانت بإسقاط حكومة إيران وتأسيس إسرائيل

أعطى التواطؤ الأنغلو-أميركي في عام 1953 لإسقاط الحكومة المنتخبة برئاسة محمد مصدق، القومي العلماني الذي كان يُفترض أنَّه سيأمم صناعة النفط الإيرانية، انطباعاً خاطئاً بوجود مصالح مشتركة للقوتين الدوليتين في المنطقة. في الواقع، كان البريطانيون والأميركيون يقاتلون بعضهم البعض خلف التلال وفي الوديان.

كانت الحكومة البريطانية، بطبيعة الحال، هي التي أصدرت وعد بلفور في عام 1917، الذي أدى في نهاية المطاف إلى قيام اليهود بتأسيس دولة إسرائيل في فلسطين بعد حرب عام 1948 بين العرب وإسرائيل. لكنَّ المملكة المتحدة والولايات المتحدة كانتا في الغالب على خلاف في فترة ما بعد الحرب، قبل تأسيس دولة إسرائيل.

كان هاري ترومان، خليفة روزفلت، الذي يؤيد الصهيونية لأسباب تتعلق بالانتخابات الأميركية بالدرجة الأولى، على وشك أن يُكشف كذبه فيما يتعلق بالتعهدات الممنوحة للعرب التي قدمها روزفلت لابن سعود، الذي هدد بنشر محضر الاجتماع.

فتح هذا الأمر الباب أمام البريطانيين. واستمر التلاعب ذهاباً وإياباً في كلا الاتجاهين. كانت حكومة كليمنت أتلي، زعيم حزب العمال في بريطانيا متلهفة للتخلص من انتدابها في فلسطين، لكنها كانت ترد بشدة على الهجمات اليهودية شبه العسكرية ضد قواتها هناك.

وأجبرت ضراوة انتقادات ترومان أتلي على أن يكشف للبرلمان عن الصلات التي تربط بين الوكالة اليهودية (حكومة إسرائيل المقبلة)، والهاغاناه (جيشها البدائي)، ومنظمة الأرغون الإرهابية بقيادة مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقبلي.

يقول بار إنَّ منظمة الأرغون فجَّرت فندق الملك داوود، المقر الرئيسي للإدارة البريطانية في القدس، في يوليو/تموز عام 1946، مما أسفر عن مقتل 91 شخصاً، لكي تدفن الأدلة على هذه الصلات التي ظَنَّت أنَّها ما زالت في جعبة هذه الإدارة.

الأمر لم يكن مجرد صراع ثنائي

في بقية الشرق الأوسط، عزفت الولايات المتحدة على وتر تقرير المصير، تماماً كما فعلت في عهد الرئيس وودرو ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى، على الرغم من أنَّها كانت حريصة على ضمان أن تكون حرية الشعوب التي عانت تحت نير الاستعمار في محاذاة واقعية مع المصالح الأميركية.

وهكذا، فإنَّ واشنطن سوف تضيِّع جهودها سدى إذا تعاملت مع قومية جمال عبدالناصر في مصر، التي لا تملك نفطاً، وحيث سيُثير ذلك حفيظة البريطانيين. وبالأحرى سوف تقمع قومية مصدق في إيران، التي كانت غارقة في النفط.

كانت هناك فرصة صغيرة عندما كان القوميون في المنطقة يأملون في الارتباط بقوة غربية سخية من شأنها مساعدتهم على مقاومة الاستعمار أو التغلب عليه وفتح الطريق أمامهم للحداثة. انتهت تلك القصة بانقلاب عام 1953 في إيران.

فالولايات المتحدة التي تردَّدت في بادئ الأمر وهي ترى مصدق باعتباره بيدقاً شيوعياً، وكانت تشك مباشرة في أنَّ بريطانيا كانت تُجَنِّد الولايات المتحدة لحماية استثماراتها الأكثر قيمة في الخارج، وفي غضون قبضتها المكارثية المناهضة للشيوعية الحمراء، سرعان ما وقعت في الشرك التقليدي للحرب الباردة الذي شهد ظهور دول خاضعة للنفوذ السوفيتي في كل مكان.

وهو ما جعل واشنطن تحشد قوتها الاستخباراتية لوقف المد البريطاني

غير أنَّ بار أوضح أنَّ العداء تجاه بريطانيا كان على الأقل عقيدة تنظيمية موازية. تعاونت وزارة الخارجية الأميركية ووكالة المخابرات المركزية لوأد محاولة لندن إنشاء سوريا الكبرى الموالية للمملكة المتحدة، في ظل خصومة الهاشميين لآل سعود في الخمسينيات. أنهى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور الإمبراطورية البريطانية تقريباً، بإرغامه إيدن على الانسحاب من مصر وقت أزمة السويس عام 1956.  

كان هناك شيء آخر بخصوص إيدن، فحتى وقتٍ قريب كان يعتبر أسوأ رئيس وزراء لبريطانيا في فترة ما بعد الحرب. وبينما أوجز العملية العسكرية المشتركة بين بريطانيا وفرنسا لإطاحة عبدالناصر، قال لمجلس الوزراء: «كما حدث في مناسبات سابقة، الولايات المتحدة ستحذو حذونا إذا أخدنا بزمام المبادرة».

لم يحقق أي من الطرفين المجد في «اللعبة الكبرى» التي لعبتها بريطانيا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية. كذب الجانبان وسرّبا معلومات سرية، واستخدما حق النقض ضد بعضهما البعض في مجلس الأمن الدولي. وأظهر الجانبان في بعض الأحيان تفوقاً عنصرياً ضد العرب واليهود والفرس.

ولو كلفها ذلك تمويل أكبر أعدائها في الشرق الأوسط

ويبدو أنَّ البريطانيين، الذين أطلقوا على انقلاب 1953 في إيران والمدعوم من الولايات المتحدة اسم «عملية التمهيد»، وأطلقوا على مؤامرة السويس «عملية المسكيتي»، برزوا بعض الأحيان في كتابات الناقد الهزلي إيفلين ووه.

لكن هناك العديد من الشخصيات غير العادية التي تطرَّق لها بار في كتاباته، وأفضل مثال عليها هو «كيرميت روزفلت»، حفيد الرئيس الأميركي المغوار تيودور روزفلت، وابن عم فرانكلين روزفلت.

كان كيرميت عميلاً لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وتنَّكر في شخصية صحافي شهم، نظَّم الانقلابات، واستغل الخصومات بين العائلات المالكة، ونثر بذور الثورات.

لقد قاد سيارته من بيروت إلى طهران وسيارته مكتظة بالنقود اللازمة للانقلاب في إيران. وهو الذي اختبأ أيضاً في غرفة نوم عبدالناصر ذات مرة، عندما وصل السفير البريطاني بغتة.

موَّلت وكالة الاستخبارات الأميركية إذاعة صوت العرب، الذراع الدعائي المنيع لعبدالناصر في المنطقة، حتى أعادت الولايات المتحدة تصنيف الزعيم المصري من جورج واشنطن الشرق الأوسط إلى لينين العرب.  

وتغذية الصراع بين المسلمين السنة و»أعدائهم» الشيعة

اللعبة الكبرى المعاصرة التي تحتدم بصورة دامية في جميع أنحاء الشرق الأوسط بين السعودية وإيران، النظم الثيوقراطية الغنية بالنفط، هي موضوع الكتاب الأخير للكاتب الكبير، ديليب هيرو، بعنوان: Cold War in the Islamic World، حيث يسرد القصة باستمتاع.

يعود الانقسام بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة، وهم قلة تقدَّر أعدادهم بحوالي 250 مليون شيعي من إجمالي حوالي 1.6 مليار مسلم في العالم، إلى فجر الإسلام.

عندما كان النظام في السعودية وإيران ملكياً، كان البلدان يتعاملان معاً بودية وبسهولة تامة. إلا أنَّ الإطاحة بالشاه في الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 غيَّرت كل ذلك. كانت عائلة آل سعود تتعرض بالفعل للهجوم في الداخل من المتطرفين السنة قبل أن تسعى طهران لتصدير الراديكالية الشيعية.

ردَّ الحكام السعوديون باستخدام ثروتهم النفطية المتزايدة بصورة كبيرة لتصدير التعصب الراديكالي للإسلام الوهابي. وقد ألحق هذا ضرراً لا يمكن وصفه بالثقافة الإسلامية في العالم، ومع اقترانها بالمغامرات الإقليمية لطهران، زرعت بذور الحرب بالوكالة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

موَّل السعوديون وحلفاؤهم في الخليج، الذين استمدوا قوتهم من الغرب، غزو صدام حسين لإيران عام 1980، ناهيك عن أنَّ العراق أمطر القوات الإيرانية بالأسلحة الكيماوية، وأطلق القذائف على المدن الإيرانية خلال الحرب التي تلت ذلك.

ومن هنا طوَّرت طهران قدرتها النووية رداً على ذلك، وليس لمواجهة إسرائيل، كما يشير هيرو. وتحت الحصار الإقليمي والدولي، صمدت إيران ضد كل الأعداء.

لكنهم وجدوا أنفسهم يخدمون «المشروع الإيراني» بالمنطقة

لا توجد إجابات لدى السعودية وحلفائها عن معادلة إيران الناجحة من الميليشيات والصواريخ. وباعتراف الجميع، كانت إيران محظوظة بأعدائها، لقد مكَّن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، بضوء أخضر من واشنطن، إيران من تأسيس حزب الله، رأس الحربة شبه العسكري لها في بلاد الشام.

وأسس الغزو الأميركي للعراق عام 2003 بمزيج من الأحداث العرضية والمذبحة لحكم الشيعة في دولة في قلب العالم العربي لأول مرة منذ قرون، مما أدى إلى إحياء جذوة العداء بين السنة والشيعة.

أطلق الجانب المظلم لما يسمى الربيع العربي زوبعة طائفية عبر المنطقة، استغلتها إيران بطريقة مشينة، على الرغم من أنَّها ترى فعلاً أنَّ مواقعها المتقدمة في دول عربية هي خطوط دفاع. أحكم نظام آيات الله سلطته بلا هوادة.

أما في السعودية، فتنفث المؤسسة الدينية الوهابية السم الطائفي، إذ تحث المؤمنين على ازدراء الكافرين ومقاومة المشركين الشيعة. ومن بين العديد من أعمال التخريب السياسي التي يرتكبها ترامب، يأتي وقوفه في صف السُّنَّة في هذا النزاع المرير ضمن أكثر أعماله المُتعمدة.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
فاينانشال تايمز: ترامب لا يمكنه الاعتراف بمسؤولية محمد بن سلمان في قضية خاشقجي، وهكذا حمى أسلافه قادة السعودية