صحيفة الغارديان تستبعد تحسن العلاقة بين أبوظبي ولندن بعد أزمة احتجاز الأكاديمي البريطاني في الإمارات
الأربعاء, 19 ديسمبر 2018

كيف يتجسس عليكم بريطاني واستخبارات المملكة المتحدة بينكم؟.. الغارديان تستبعد تحسن العلاقة بين أبوظبي ولندن

في إيران، أعطى وزير الخارجية البريطاني الأسبوع الماضي، جيريمي هنت، نظيره الإيراني، جواد ظريف، نسخةً من كتاب نيلسون مانديلا «The Long March to Freedom»، لإعطائها لنازانين زاغاري راتكليف، البريطانية من أصل إيراني، والمعتقلة في طهران.

أخذ جيريمي هنت هذا الأسلوب من مارغريت تاتشر (رئيسة وزراء بريطانيا في الفترة بين عامي 1979 و1990) حينما أعطت كتباً عن الحرية إلى زعماءٍ روس مثل أندري غروميكو لتسليمها إلى أندريه ساخاروف، المُعارِض الروسي الذي كانت مارغريت تاتشر تقوم بحملةٍ للمطالبة بحريته.

بحلول منتصف الأسبوع الماضي، بدأ هنت التفكير في أنه قد يضطر إلى إيجاد محتويات مشابهة لإعطائها إلى حُكَّام دولة الإمارات العربية المتحدة لتوصيلها إلى ماثيو هيدجز، بعد أن أصدرت الإمارات حكماً صادماً على الأكاديمي البريطاني بالسجن مدى الحياة، بحسب صحيفة The Guardian البريطانية.

صُدِمَت وزارة الخارجية البريطانية بشدة من قسوة العقوبة، واعتقدت أن العقوبة تعارضت مع التأكيدات الشخصية التي ظنَّ هنت أنه تلقَّاها من قيادة دولة الإمارات.

لكن الخوف الذي تملّك وزارة الخارجية البريطانية هو إدخال مصير هيدجز بطريقةٍ ما بالخلاف المتصاعد بين بريطانيا والتحالف الإماراتي السعودي المتعلق بالحرب في اليمن. ضُغط على السعوديين للموافقة على موقف الأمم المتحدة الداعم لوقف القتال، لكن كانت هناك مقاومةٌ في كلٍّ من الرياض وأبوظبي.

هل تحول هيدجز إلى أداة دبلوماسية؟

ربما كانت العقوبة إشارةً إلى إدانة الطريقة التي رفض بها هنت استبعاد احتمالية أمر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول. هل تحوَّل هيدجز، الذي أُلقِيَ القبض عليه في مايو/أيار الماضي، فجأةً إلى أداةٍ دبلوماسية، تماماً مثلما تحوَّلَت زاغاري راتكليف في إيران؟

أصرَّ السفير الإماراتي في لندن، سليمان المزروعي، طوال الأسبوع الماضي، على أن الأمر لم يكن بهذا الشكل، مشيراً إلى أن هذه المخاوف في غير محلها.

ومع ذلك، فقد حدث شيءٌ خاطئٌ على نحوٍ خطيرٍ وسُمِحَ له بأن يتفاقم.

سُلِّط ضوءٌ غير مرغوبٍ فيه على النظام القضائي الإماراتي ونهجه تجاه الحرية الأكاديمية وصورتها كقوةٍ ناعمة في دول الخليج التي يمكن اعتبار بريطانيا حليفةً لها.

ودخلت أحداثٌ أكثر في الحسابات، فلا تزال الإمارات مواليةً لولي العهد السعودي، وتجسد هذا بإطلاقها 21 قذيفةً لتحيته عندما زار إمارة أبوظبي نهاية الأسبوع الماضي.

لكن الإمارات علمت أنها إذا لم تتوخّ الحذر فإن قضية هيدجز يمكنها أن تتسبب في وضعها بنفس القالب الاستبدادي الذي وُضِعَت فيه السعودية.

المستفيد الوحيد من هذا هو دولة قطر، المتربصة خلف الظلال، وتعتبرها الإمارات عدوتها الأولى في المنطقة، والتي أصبحت يُنظَر إليها بصورةٍ متزايدة على أنها ملاذٌ للحياة الطبيعية إذا ما قورنت بالحالة الأمنية في الإمارات والسعودية.

على سبيل المثال، حلَّ وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ضيفاً مهماً على مؤتمر «حوارات المتوسط» الذي نظمته وزارة الخارجية الإيطالية في روما نهاية الأسبوع الماضي، حيث بدا أكثر عقلانية وتوازناً من بعض الأصوات الأخرى في الخليج.

البحث عن مخرج من المأزق

لكن لا تزال هناك حاجةٌ إلى طريقٍ لتخليص الجانبين من الأزمة التي اندلعت. كان البحث عن صيغةٍ لحفظ ماء الوجه مستمراً.

احتاجت الإمارات إلى حماية سلامة النظام القضائي والعمل على تأكيد صحة تهمة التجسُّس المنسوبة إلى هيدجز.

أما هنت فأراد ببساطة إطلاق سراح هيدجز واستعادة العلاقة بين البلدين.

بالمصادفة السعيدة، جاء اليوم الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة هذا الأسبوع، وقدَّم للإماراتيين مخرجاً مثالياً.

من المعتاد أن يستخدم زعماء الشرق الأوسط، وليس الخليج فقط، العفو الملكي لإظهار حكمتهم السمحة. وكان من المُقرَّر أن يُعلَن رئيس الإمارات الشيخ خليفة بن زايد العفو عن نحو 800 معتقل.

بحلول الجمعة الماضي 23 نوفمبر/تشرين الثاني، بدا واضحاً من حديث الطرفين أن التوافق أصبح قريباً، وأن الإعلان عنه سيكون في بداية هذا الأسبوع.

كيف حُفظ ماء وجه كلا الجانبين؟

كان هناك تخوُّفٌ خلال عطلة نهاية الأسبوع أن زوجة هيدجز، دانييلا تيجادا، قد تقول شيئاً استفزازياً، بسبب غضبها المُبرَّر، يجعل العائلة المالكة تتراجع عن العفو. ومع ذلك، فإن وزارة الخارجية البريطانية لم تُطلِعها بدقة على ما كان يجري على قدمٍ وساق. تحدَّث هنت يوم الأحد 25 نوفمبر/تشرين الثاني إلى وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، للتأكُّد من أن كلَّ شيءٍ يسير على ما يرام، ثم مُنِحَت المعلومات للمراسلين.

وافق هنت على إمكانية دفاع دولة الإمارات عن استقلالية نظامها القضائي، فلم يعترف أن هيدجز جاسوس – إذ إنه لم يكن كذلك. فيما التزمت الإمارات بادعاء أن هيدجز كان جاسوساً في جهاز الاستخبارات البريطانية. وبذلك حُفِظَ ماء وجه كلا الجانبين.

لكن سيكون هناك تحقيقٌ في وزارة الخارجية البريطانية والإمارات حول كيفية حدوث هذه الأزمة.

بالنسبة لوزارة الخارجية البريطانية، أمامها اختياران، الاختيار الأول هو إدارة حملة علنية للإفراج عن المواطنين البريطانيين والتعبير عن مخاوف حقوق الإنسان العامة.

أما الخيار الثاني فاستخدام المحادثات الدبلوماسية السرية.

ومع ذلك، شعرت تيجادا بوضوح أن السفارة البريطانية في الإمارات تتحرَّك ببطءٍ شديدٍ لدرجة الجمود.

ويُقال إنه فقط في الأيام الأخيرة أسرعت المملكة المتحدة لإقناع دولة الإمارات سراً أنهم أخطأوا فيما فعلوه. يرجع ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ إلى الضغط الذي مارسته تيجادا من خلال وسائل الإعلام.

تحديات تواجه الإمارات بعد قضية الأكاديمي البريطاني

وبالمثل، ستواجه الإمارات تحدياً في مراجعة العقلية التي دفعتها إلى الاعتقاد بأنَّ هيدجز جاسوس.

وترى الصحيفة البريطانية أن نوعية الأدلة، التي جُمِعَت من خلال استجواب هيدجز وفحص جهازه الكمبيوتر، كانت هزيلة، وبالكاد تتجاوز الأدلة غير اليقينية الواضحة للجميع.

فاحتمالية أن يكون هيدجز -وهو لا يتحدَّث العربية- عميلاً للاستخبارات البريطانية يتطفَّل على نوايا الإمارات في اليمن، تقترب من الصفر.

وأضافت الصحيفة: «هناك ضباط الجيش البريطاني متواجدون في غرفة التحكُّم بالعمليات في الرياض لتقديم المشورة بشأن استراتيجية الاستهداف. والمملكة المتحدة عضوةٌ في المجموعة الخماسية التي تجتمع بانتظام مع السعودية والإمارات العربية المتحدة لمناقشة الإستراتيجية تجاه اليمن. وضباط المخابرات البريطانية على اتصالٍ منتظم بنظرائهم في دول الخليج».

ومن الممكن أن يكون الأكاديمي البريطاني قد تحدَّث إلى السفارة البريطانية حول بحثه، وربما كان يمكنه في بعض الأحيان تحسين ضبط التفاعل بين البحث الأكاديمي والاستشارات الأمنية المهنية. لكن هذا لا يجعله جاسوساً.

ستستغرق العلاقة المُدمَّرة بين المملكة المتحدة والإمارات وقتاً للتعافي، وسيضاعف كثيرون من اليسار السياسي انتقادهم للتحالف البريطاني مع العائلات الملكية الخليجية في الشرق الأوسط. إذا انتُخِبَت حكومةٌ من حزب العمال تحت قيادة جيرمي كوربن، ستتغيَّر هذه العلاقات جذرياً.

لكن بالنسبة لحكومة المحافظين، فإن هناك قوى يمكنها التوسُّط. تتمركز قوات المملكة المتحدة في قاعدة المنهاد الجوية. ويتلقى طلاب الإمارات العسكريون تدريباتٍ في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية كل عام. كما أن مبيعات الأسلحة والتكنولوجيا باهظة.

وبالنظر إلى القوى الناعمة، من حيث التبادل السياحي والأكاديمي، فإن العلاقة غنيةٌ بالقدر نفسه. شخصياتٌ مثل أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، هم زوارٌ منتظمون ومُرحَّب بهم من وزارة الخارجية البريطانية والمراكز البحثية الموالية لحزب المحافظين. كان قرقاش من أوائل الذين دعوا إلى ترك القضية وراء ظهورهم.

نجاح مبكر لوزير الخارجية البريطاني الجديد

من جانبه، يستطيع هنت أن يدَّعي نجاحاً شخصياً في وقتٍ مبكرٍ من قيادته لوزارة الخارجية، مما يُظهِر تفوُّقه على سلفه، بوريس جونسون.

يهتم هنت بالقضايا القنصلية، ويعترف بشكلٍ خاص بأن الدم الويلزي في داخله جعله يقترب من البكاء في طهران الأسبوع الماضي حين التقى ابنة زاغاري راتكليف البالغة من العمر 4 سنوات وقدَّمت له هديةً لتقديمها إلى طفله.

تتطلب القضايا القنصلية براعةً مدهشةً؛ لأن الوزراء يتفاوضون حول أمرٍ يتسبَّب في اضطرابٍ للمصلحة الوطنية، فقضايا مثل تلك تثير الألم الشخصي، وذات مُتطلَّبات عائلية متضاربة، إضافة إلى وسائل الإعلام التي لا تشبع.

ربما كان هنت فاتراً في البداية عند تبني قضية هيدجز، ولكن بفضله وبفضل حملة تيجادا، أصبح الطريق نحو حرية هيدجز، الذي كان من الممكن أن يكون طويلاً للغاية، أقصر بكثير.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
كيف يتجسس عليكم بريطاني واستخبارات المملكة المتحدة بينكم؟.. الغارديان تستبعد تحسن العلاقة بين أبوظبي ولندن

قصص ذات صلة