السياحة تنتعش بقوة في مصر للمرة الأولى منذ ثورة يناير لكن الواحات البحرية لاتزال خارج الخدمة
السبت, 15 ديسمبر 2018

السياحة تنتعش بقوة في مصر للمرة الأولى منذ ثورة يناير إلا في هذه المنطقة.. ممنوع اقتراب الأفواج منذ 3 سنوات وحتى الآن

عربي بوست، القاهرة

فوجئ محمد صالح أثناء تسوقه لشراء مستلزمات رحلته الترفيهية إلى الواحات البحرية، باتصال هاتفي من مدير شركة السياحة التي تعاقد معها، يُبلغه بكل أسف إلغاء الرحلة التي كان مقرراً لها بعد 24 ساعة فقط، بسبب «دواعٍ أمنية».

كان صالح (30 عاماً) ويعمل مسؤول تسويق في إحدى شركات الأجهزة الكهربائية، يمنّي النفس بالذهاب إلى الواحات البحرية لأول مرة بصحبة ثلاثة من أصدقائه، إلا أن المكالمة الهاتفية لمدير شركة السياحة «قتلت حلمي»، حسبما قال لـ «عربي بوست».

وحتى ا قبل الموعد بـ 24 ساعة، لم تمنح وزارة الداخلية المصرية التصريح الأمني لرحلة ترفيهية تضم «سياحاً مصريين وأجانب» إلى  منطقة الواحات البحرية والصحراء البيضاء غربي مصر، لمنظمي الرحلة، التي تعد الأولى بعد أكثر من عامين على مقتل سياح مكسيكيين في المنطقة ذاتها، وما تبع ذلك من عمليات إرهابية ضد قوات الشرطة، مما جعلها منطقة شديدة الخطورة.

وكانت طائرة مروحية مصرية من طراز أباتشي، استهدفت في سبتمبر/أيلول 2016، سيارة دفع رباعي تُقل سياحاً مكسيكيين، ما أسفر عن مقتل ثمانية منهم وإصابة 6 آخرين، بالإضافة إلى مقتل أربعة مصريين مرافقين لهم، حسبما أعلنت وزارة الداخلية المصرية آنذاك.

وبرَّرت وزارة الداخلية هذا الخطأ آنذاك بأن «السياح لم يكن لديهم التصريح الأمني اللازم للتجول في منطقة محظورة»، إلا أن شركة السياحة، ونقابة المرشدين السياحيين الرسمية قالوا إن «القافلة كان بحوزتها التصريح الضروري».

وتقع الواحات البحرية على بُعد 400 كيلومتر غرب القاهرة، وتضم عدداً من المزارات السياحية الفريدة، مثل الصحراء البيضاء والصحراء السوداء وجبل الكريستال، بالإضافة إلى العيون الكبريتية التي تستخدم للعلاج.

شركة السياحة تقدم طلباً والداخلية تمتنع

وقال سمير، وهو اسم مستعار لمدير شركة سياحية كانت تستعد لرحلة ترفيهية لمجموعة من الأجانب والمصريين في منطقة الواحات منذ أيام، إن شركته أعدت مؤخراً برنامجاً سياحياً لزيارة الواحات البحرية، وهو البرنامج الذي كان يواظب عليه قبل أكثر من 3 أعوام «خمسة سياح ألمان كانوا ضمن الرحلة لأول مرة من حادث المكسيكيين، ما استلزم الحصول على موافقة أمنية قبل السفر».

وأوضح في اتصال هاتفي مع «عربي بوست» أنه قدَّم طلباً إلى مديرية أمن الجيزة التابع لها خط سير الرحلة، قبل موعدها بأسبوع «أرفقت مع الطلب كافة أسماء الحاجزين المصريين والأجانب، وقالوا سنرد عليك».

ولكن مدير شركة السياحة قال بصوت حزين «للأسف كلما تواصلت معهم حول الموافقة الأمنية يقولون انتظر»، حتى جاء يوم الأربعاء 20 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل موعد الرحلة بـ24 ساعة «اضطررت إلى إبلاغ الحاجزين بإلغاء الرحلة»، على حد تعبيره.

وكان برنامج الرحلة لمدة يومين، يشمل الأول زيارة كل من جبل الإنجليز، وجبل الدست والمغرفة، والبحيرة ومشاهدة الطيور حولها، والتنزه في المزارع والنخيل، والنزول في عيون المياه الكبريتية الساخنة.

اليوم الثاني يبدأ برحلة سفاري بسيارات الدفع الرباعي 4×4 إلى الصحراء البيضاء والصحراء السوداء وجبل الكريستال وجبل المرصوص، وماشروم ستون وفوكس ستون وتشيكين ستون، وزيارة المنطقة الأثرية بالواحة، ومتحف المومياوات والمقابر الفرعونية ومعبد الإسكندر الأكبر، بتكلفة تصل إلى 650 جنيهاً (حوالي 36 دولاراً).

وهو نفس البرنامج الذي كان معداً للسياح المكسيكيين قبل عامين، لكنهم لم ينفذوه.

وأضاف مدير شركة السياحة بصوت ممتلئ بالحسرة «نحاول أن نعمل في السياحة ونفيد الاقتصاد المصري ونوفر فرص عمل، لكن بكل أسف الروتين والبيروقراطية يقتلان أحلامنا».

عودة السياحة في ربوع مصر

وزادت أعداد السائحين لمصر بنسبة 40%، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2018، فى دفعة قوية بعد ركود طيلة سنوات في أعقاب انتفاضات الربيع العربي. وتشهد مدن مثل الأقصر وأسوان توافد الكثير من السياح حتى إن بعض الفنادق تم حجزها بالكامل.

وقالت مجموعة ترافكو للسياحة المصرية، لـ «رويترز»، إنها رفعت أسعارها بمصر بين 30 و35% بداية من الموسم الشتوي الحالي. وقال الرئيس التنفيذي للمجموعة إن مستوى الحجوزات السياحية، خلال موسم الشتاء الحالي، لقضاء العطلات في مصر واعد، خاصة من أسواق ألمانيا وإيطاليا وبولندا وأوكرانيا.

واستأنفت أغلب الدول الغربية والشرقية رحلاتها إلى مصر وعلى رأسها روسيا، إذ استقبل مطار القاهرة الدولي، الشهر الماضي (أكتوبر/تشرين الأول 2018)، أفواجاً سياحية قادمة من الصين والولايات المتحدة الأميركية وروسيا وبريطانيا وبولندا، لزيارة المعالم السياحية والأثرية في القاهرة الكبرى والمحافظات المصرية.

قالت الدكتورة رانيا المشاط، وزير السياحة، إن أعداد السائحين الوافدين إلى مصر تزايدت بنسبة 40%، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2018، في دفعة قوية بعد ركود طيلة سنوات، مضيفة: «لم نصل لتلك المستويات التي شهدتها البلاد في 2010، لكننا نتوقع أن نقترب من ذلك بحلول نهاية 2018».

وأوضحت لشبكة بلومبيرغ الأميركية، منذ أيام، أن «قطاع السياحة يشهد انتعاشاً (كبيراً)، ونحاول أن نضع الصناعة على قاعدة تنافسية بالمقارنة مع نظرائنا»، مشيرة إلى تخطيط للإعلان عن صندوق أسهم خاص جديد لتطوير الفنادق، بالإضافة إلى فرص استثمارية جديدة فى جزر البحر الأحمر. وتعتبر السياحة عاملاً حاسماً لاقتصاد مصر، حيث تمثل 20% من الناتج الإجمالى.

وكان عام 2017 قد شهد تخطى عدد السياح الوافدين إلى مصر حاجز 8.3 مليون سائح، قضوا عطلاتهم بالمدن السياحية المصرية، وذلك وفقاً لمؤشرات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، بزيادةٍ قدرها 44% مقارنة بعام 2016، حيث بلغ عدد السياح 5.3 مليون سائح، ووصل حجم إيرادات السياحة تقريباً إلى 7.2 مليار دولار بنهاية العام الماضي (2017).

منطقة عمليات عسكرية

ضابط  برتبة عميد بأحد الأجهزة السيادية قال لـ «عربي بوست»، إن هذه المنطقة «لا تزال منطقة عمليات للقوات المسلحة، حيث تقوم القوات بتمشيطها، للتأكد من التخلص من كل البؤر الإرهابية»، على حد تعبيره.

وتابع العميد المطلع على الملف والذي رفض ذكر اسمه: «ليس لدي فكرة عن السماح للسياح من عدمه، لكن وجود أي شخص في هذه المنطقة سيشكل مخاطرة كبيرة، ونحن نحاول الحفاظ على سلامة الجميع، المصريين قبل الأجانب».

لا يوجد حظر

ونفى مسؤول أمني بمديرية أمن الجيزة وجود حظر على الرحلات إلى منطقة الواحات البحرية، إلا أنه قال إن السلطات المصرية تشترط على منظِّم الرحلة الحصول على موافقة أمنية في حالة وجود أجانب ضمن الرحلة.

وتابع المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه، لأنه غير مخول له التحدث لوسائل الإعلام، لـ «عربي بوست»: «على منظِّم الرحلة تقديم كشف بأسماء الحاجزين في حالة وجود أجانب، يتضمن أسماء المصريين والسياح، وتقديمه إلى المديرية قبل أسبوع على الأقل من موعد الرحلة».

وأوضح المسؤول أن «فترة التحري عن الأسماء قد تستغرق يومين أو أسبوعاً على أقصى تقدير، فلا توجد فترة معينة».

منطقة حوادث إرهابية

وتابع المسؤول: «نعلم جميعاً طبيعة منطقة الواحات وما شهدته من حوادث إرهابية، خاصة أنها صحراء مفتوحة وممتدة إلى الحدود الليبية المضطربة أمنياً».

وشهدت هذه المنطقة الصحراوية الشاسعة نشاطاً كبيراً للجماعات المسلحة، التي تمكنت من قتل عشرات من رجال الأمن، خصوصاً أنها كانت مركزاً للقيادي المتشدد هشام عشماوي، العقل المدبر للعديد من الهجمات الدامية التي استهدفت قوات الأمن المصرية، والذي أوقفته قوات تابعة للمشير خليفة حفتر بمدينة درنة شرق ليبيا، في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2017، قُتل 16 شرطياً، بينهم 11 ضابطاً، واختُطف ضابط شرطة قبل أن تحرره القوات المسلحة بعدها بأيام في اشتباكات مع مسلحين بالقرب من الواحات البحرية في الصحراء الغربية.

وفي يوليو/تموز 2014، قُتل 24 ضابطاً ومجنداً في هجوم مسلح على كمين أمني بمنطقة الفرافرة في محافظة الوادي الجديد.

وفي عام 2015، أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» قطع رأس مهندس كرواتي، جرى اختطافه من مكان قريب من القاهرة على طريق يؤدي إلى الصحراء الغربية

وتسبب حادث السياح المكسيكيين في وقف الأنشطة السياحية بالمنطقة في مطلع الموسم الشتوي 2016.

واعتذرت مصر عن الحادث، الذي قال رئيس وزرائها آنذاك إبراهيم محلب، إنه وقع «عن طريق الخطأ، في الوقت الذي تحارب فيه الدولة الإرهاب».

وقال ياسر شعبان، السفير المصري في العاصمة المكسيكية، مكسيكو سيتي، في ذلك الوقت، إن «عربات الدفع الرباعي التي كانت المجموعة تستقلها تشبه المركبات التي يستخدمها المسلحون المتشددون الذين تطاردهم قوات الأمن».  

وقام  صندوق غرفة شركات ووكالات السفر والسياحة بدفع 420 ألف دولار لثلاث من أسر الضحايا المكسيكيين، بواقع 140 ألف دولار لكل أسرة، لضمان عدم مقاضاتهم مصر أمام المحاكم الدولية.

وقال أحمد حمد إبراهيم، أمين صندوق غرفة شركات ووكالات السفر والسياحة، لوكالة فرانس برس، آنذاك، إن «التحقيقات أثبتت أن شركة السياحة المصرية المنظِّمة للرحلة هي المتسببة في الحادث، ومن ثم نحن كاتحاد شركات، قررنا دفع التعويضات وليس الحكومة المصرية».

استكشاف الصحراء

ولا توجد أرقام رسمية عن عدد السياح الذين يزورون الواحات البحرية، لكن تقريراً صحافياً نشر، قبل أيام، على الموقع الإلكتروني لصحيفة الجمهورية الحكومية، ذكر أن «الأفواج السياحية عادت لزيارة واحات الوادي الجديد«.

وتغطي الصحراء الغربية نحو ثلثي مساحة مصر، وتمتد من وادي النيل شرقاً حتى الحدود الليبية غرباً، ومن ساحل البحر المتوسط شمالاً إلى حدود السودان جنوباً.

وتجتذب فنادق الواحات البحرية، المتناثرة في منطقة تبعد أكثر من 300 كم جنوب غربي القاهرة، السياح الراغبين في استكشاف رمال الصحراء.

ويتوافد السياح وهواة سياحة المغامرات المصريون على هذه المنطقة بكثرة في الفترة من شهر سبتمبر/أيلول وحتى مايو/أيار، حيث تكون درجات الحرارة مناسبة للقيام بمثل هذه الرحلات.

وفي عام 2015، أصدرت سفارات دول غربية لدى مصر تحذيرات سفر بخصوص الرحلات للواحات البحرية.

ويُنصح المواطنون الأميركيون بعدم الخروج من المناطق الحضرية في القاهرة ومحافظة الإسكندرية (شمال) أو التجمعات السياحية في جنوب البلاد. وهي التحذيرات التي لا تزال قائمة بالفعل.

ويوجد نحو 10 فنادق بمنطقة الواحات البحرية تحيط بها التلال السوداء، في منطقة تزخر بآثار فرعونية يعود تاريخها إلى عصر الدولة الحديثة، بين 1550 قبل الميلاد و 1000 قبل الميلاد.

من بين عوامل الجذب معبد الإسكندر الأكبر ومقابر بطلمية مزخرفة بشكل فني مميز، وعزز اكتشاف حديث لمومياوات ذهبية مكانة المنطقة، في بلد غني بالكنوز الأثرية.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
السياحة تنتعش بقوة في مصر للمرة الأولى منذ ثورة يناير إلا في هذه المنطقة.. ممنوع اقتراب الأفواج منذ 3 سنوات وحتى الآن

قصص ذات صلة